بسياسة «الحزام والطريق» والقوة الناعمة ومفهوم «المراسي الثلاثة»: الصين… اليد الخفية في الشرق الأوسط!

حجم الخط
1

العاصمة الجديدة التي يقوم ببنائها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قرب القاهرة حظيت في السابق بصفة «الفيل الأبيض» الذي يشفط مليارات الدولارات ولا يضمن أي مقابل. وقد حظيت باحتفالين فاخرين للتدشين، الأول في ذكرى بناء الكنيسة الأكبر في القاهرة، والثاني عند افتتاح المسجد الكبير في المدينة. ولكن بناء الشقق السكنية لمئات آلاف المصريين ما زال يسير ببطء. قسم من أموال البناء تضخها السعودية ودولة الإمارات في هذه الأثناء. ولكن المبالغ الكبيرة تصل بالتحديد من مصدر غير متوقع.
الصين وعدت باستثمار 20 مليار دولار في العاصمة الجديدة، وحتى الآن حولت قرضاً بمبلغ 3 مليارات دولار بهدف بناء الحي التجاري في المدينة. ما الذي تبحث عنه الصين في مصر أو السعودية أو إيران أو باكستان؟ هذا الشهر نشرت الـ «سي.ان.ان» نبأ مهماً يقول إن السعودية تنوي تطوير برنامج صواريخ بمساعدة التكنولوجيا الصينية. هذا لم يكن النشر الأول حول نوايا السعودية. ففي شهر تشرين الأول نشرت «واشنطن بوست» صوراً جوية يظهر فيها مصنع لإنتاج الصواريخ قرب مدينة الدوادي قرب الرياض. في الكونغرس الأمريكي ثارت شكوك غير قليلة وطُلب الإدارة الأمريكية الإجابة على عدة أسئلة ثاقبة حول المشروع، حيث إن الاتهام هو أن الرئيس الأمريكي ترامب لم يشرك الكونغرس في هذه المعلومات الاستخبارية.
قبل بضعة أسابيع من ذلك أثار الكونغرس عاصفة حول قرار ترامب تحويل تكنولوجيا نووية للأغراض السلمية إلى السعودية، وبعد ذلك قام بتجاوز الكونغرس عندما قرر بيع المملكة سلاحاً بمبلغ 8 مليارات دولار. رغم الحظر الذي فرضه الكونغرس على ذلك، فسر ترامب أن الأمر يتعلق بحالة طوارئ نشأت في أعقاب التطورات في مواجهة إيران، وهذا وضع يمنحه الصلاحية لتجاوز قرارات الكونغرس.
هذا التفسير كان يمكن أن يكون مقنعاً لولا حقيقة أن السعودية حليفة واشنطن، هي أيضاً حليفة استراتيجية كاملة للصين. مكانة تشبه مكانة إيران التي استثمرت فيها الصين 27 مليار دولار في الأعوام 2005 ـ 2018. وأن حجم التجارة بين الدولتين بلغ في العام 2017 مبلغاً مشابهاً. هكذا، في حين أن السعودية وأمريكا وإسرائيل تحاول صد نفوذ إيران في المنطقة لا توجد أي دولة في الشرق الأوسط، بما في ذلك إسرائيل وإيران وتركيا والسعودية، ليست الصين التي تعتبر الجبهة الداخلية الاقتصادية لإيران، لا تشارك في اقتصادها و/أو في صناعة السلاح لديها.
منذ تبنت الصين سياسة «الحزام والطريق» في العام 2013، تلك الخطة التي هدفها الدفاع عن سيطرة الصين الاقتصادية في المنطقة التي تقع بين شرقها والبحر المتوسط، قسمت دول الشرق الأوسط (وشرق آسيا) إلى خمس مجموعات. المجموعة الأهم والأشمل تضم دولاً تعتبر حليفات استراتيجية كاملة تطمح الصين إلى إقامة شراكة اقتصادية معها في المجال الإقليمي والدولي. هذه المجموعة تشمل السعودية وإيران ومصر والجزائر ودولة الإمارات. في ورقة مخطط سياستها في الشرق الأوسط عرضت الصين مفهوم «المراسي الثلاثة» الذي حسبه سيكون التعاون في مجال الطاقة حجر الأساس، وإقامة علاقات تجارية واستثمارات في البنى التحتية وستشكل وسيلة مساعدة لمجال الطاقة، والأساس الثالث سيتركز في مجال التكنولوجيا المتطورة والتعاون في مجال الذرة والفضاء.

أجندة خفية

من أجل دفع مسار السيطرة على دول الشرق الأوسط قدماً، أقامت الصين منتدى تعاون بينها وبين الدول العربية الذي يعقد مرة في السنة على مستوى وزراء الخارجية. هذا المنتدى الذي أقيم في 2004 حظي في السنتين الأخيرتين بزخم كبير بسبب خطة «الحزام والطريق» بل وبسبب تقدير الصين بأن العقوبات التي تقف أمامها في الغرب، وبشكل خاص أمام الولايات المتحدة، تجبرها على إيجاد بديل. كجزء من الخطة الرئيسية تخصص الصين جزءاً كبيراً من استثماراتها في توسيع وبناء موانئ وإقامة مناطق صناعية قرب هذه الموانئ لإنشاء خطوط ربط فعالة بين المصانع ومسارات النقل البحري. لقد استثمرت المليارات في تطوير ميناء عُمان وموانئ دولة الإمارات وقناة السويس وميناء تقوم الهند بإقامته مع إيران وميناء تقوم بإنشائه الباكستان، إلى جانب استثمارها في موانئ السعودية. سياسة الصين المعلنة تقول إنه ليس لهذه الاستثمارات أهداف سياسية وجميعها موجهة لتحقيق أغراض اقتصادية لصالح الصين والدول التي تقوم بالاستثمار فيها.
إن عدم التبجح الذي يميز النشاطات السياسية للصين في المنطقة مقابل تمددها الاقتصادي منفلت العقال يمكّنها من المناورة بشكل جيد بين النزاعات بدون أن تجلب إليها النار من أي طرف. هذه الدولة العظمى الكبيرة والغنية تنسحب من المشاركة في مؤتمرات هدفت إلى إنهاء الحروب وحل المواجهات، وهي ليست شريكة في الخطوات السياسية في سوريا أو ليبيا، ولا توجد لها رغبة في الانشغال بالنزاع بين إسرائيل والفلسطينيين، ويبدو أنه لا موقف لها في قضية النزاع الأمريكي ـ الروسي. ولكن الصين في الحقيقة لا تغيب عن هذه الساحات. فهي تلاحظ الفرص وتقوم باستغلالها. جنودها لا يتم وضعهم في دول الشرق الأوسط، وبدلاً منهم تضع الصين شبكات اتصالات تمكنها من الوصول عميقاً إلى كل مجالات الحياة في هذه الدول، وهي تستخدم القوة الناعمة عبر تطوير السياحة وتشجيع السياح على الوصول إلى دول المنطقة، وبذلك تزيد تعلق هذه الدول بها. وهي تقيم تعاوناً في مجال التعليم والفنون وفي الوقت نفسه تعتبر نفسها «دولة محايدة» ليس لها أجندة سياسية. هذا التصنيف يمنحها دعم الشعوب في الدول العربية التي مواطنوها يكرهون أمريكا أو يخشون من التدخل الروسي في شؤونها. سيكون من الخطأ فحص تمدد الصين الاقتصادي وكأنه لا يوجد فيه نفوذ سياسي.

ويبقى السؤال: من سيشرف على التطوير النووي والباليستي للسعودية؟

مثال على ذلك زيارة ولي العهد السعودي محمد بن سلمان الصين في شهر شباط الماضي، التي تم التوقيع فيها على 35 اتفاقاً للتعاون التجاري والاقتصادي، ويبدو أيضاً اتفاقات في مجال تزويد السلاح والتكنولوجيا العسكرية. حجم هذه الاتفاقات يبلغ 28 مليار دولار، ولا يشمل الاتفاق الذي وقع عليه بين شركة ارامكو السعودية وشركة نوريكو الصينية من أجل إنشاء مصافي تكرير ومصانع بتروكيماوية بمبلغ 10 مليارات دولار تقريباً.
بيع السلاح الصيني للسعودية ليس أمراً جديداً. ففي العام 1988، قبل سنتين من إقامة علاقات دبلوماسية كاملة بين الصين والمملكة، اشترت السعودية من الصين صواريخ متوسطة المدى يمكنها حمل رؤوس نووية. ولكن منذ ذلك الحين زاد حجم التجارة بين الدولتين ووصل إلى عشرات مليارات الدولارات. مئات المستشارين الصينيين يوجدون في السعودية للمساعدة في تشغيل أنظمة تكنولوجية وعسكرية. وبعد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي مع إيران في شهر أيار الماضي تسعى السعودية إلى أن تكون المزودة الأكبر للنفط للصين والوصول إلى بيع مليون ونصف برميل يومياً مقابل 1.14 مليون برميل الآن. وإذا نجحت السعودية في تنفيذ طموحاتها، يمكنها إزاحة روسيا التي تبيع الصين 1.66 مليون برميل يومياً.
من ينتقدون محمد بن سلمان يهاجمونه لأنه يربط المملكة بالصين ويوقع معها على اتفاقات كبيرة، في حين أن الصين تقوم بسجن أبناء الأقلية الإيغورية السنيين في معسكرات اعتقال وتجعلهم تجتازون إعادة تعليم مصحوبة بتعذيب شديد. ولكن يبدو أنه في الوقت الذي تنشغل فيه المملكة بجني الأرباح والعثور على قنوات لضرب محتمل في إيران، فإن الأقلية الإيغورية لا توجد على سلم أولوياتها. يبدو أن العلاقة بين السعودية والصين يجب أن تفرح واشنطن وإسرائيل؛ لأنه حسب الرؤية البسيطة التي تعتبر أي إضرار بإيران مكسباً للغرب، فإن سرقة السوق الصينية من إيران تخدم العقوبات الأمريكية.
المشكلة هي أن للعلاقة بين الدولتين تأثيرات عسكرية يجب أن تقلق أمريكا وإسرائيل. إذا كانت الصين بالفعل تشتري تكنولوجيا الصواريخ، وإذا كانت ستكون من الدول التي ستقوم ببناء المفاعلات النووية في السعودية للطاقة، فإن الصين ستضع قدمين ثابتتين في تطوير السعودية التكنولوجي، في حين أن المملكة ستكون متحررة من الشروط المقيدة والرقابة الوثيقة التي ترافق بشكل عام مشاريع التكنولوجيا، بالأحرى، العسكرية والنووية التي تقيمها شركات أمريكية في أرجاء العالم.
المفارقة هي أن أمريكا التي تستخدم ضغطاً شديداً على إسرائيل للامتناع عن التعاون التكنولوجي العسكري مع الصين، تصمت عندما تدخل السعودية إلى بيتها التكنولوجيا الصينية، بما في ذلك التي تستخدم في صناعة الصواريخ البالستية. ومهم أيضاً غياب الرد الإسرائيلي العلني إزاء هذه الاكتشافات. إذا كانت إسرائيل قد جندت قبل بضعة عقود كل جنودها الدبلوماسيين لمنع بيع طائرات التجسس من طراز «ايواكس» للسعودية، يبدو الآن أن إسرائيل لا تهتم بتسلح السعودية، وكأن الأمر يتعلق بحليفة استراتيجية. ولي العهد السعودي أعلن مؤخراً أنه إذا أصبح لدى إيران قنبلة نووية فستكون للسعودية أيضاً قنبلة كهذه. صحيح أنه ليس لدى السعودية قوة بشرية مهنية ومدربة في مجال الذرة بشكل عام وفي مجال الذرة العسكرية بشكل خاص، لكن أصدقاء السعودية في الصين وباكستان والهند (التي تنوي فيها المملكة استثمار مليارات الدولارات في السنوات القادمة) لن يترددوا في تزويدها بحاجاتها في هذا المجال. عندما يرى ويسمع ابن سلمان النقاشات الشديدة بين الكونغرس الأمريكي والرئيس الأمريكي حول بيع السلاح التقليدي للسعودية، وبعد سنتين من شأن صديقه ترامب أن يكف عن كونه رئيساً، فمن الطبيعي أن تسارع السعودية إلى أن تبني لنفسها حزام أمان اقتصادياً وعسكرياً بمساعدة الصين وروسيا. السؤال الذي سطرح مستقبلاً هو من الذي سيشرف على التطوير البالستي والنووي للسعودية؟

تسفي برئيل
هآرتس 14/6/2019

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية