بشار الأسد وشكسبير.. مخرج للنظام بقطع غابة بيرنام

حجم الخط
0

المثنى الشيخ عطيةلكونه ابن رئيس، كان عليه أن يكون ذكياً وأن يبرهن هذا الذكاء بعملٍ فذّ… طالب طب العيون في بريطانيا بشار الأسد أراد إثبات تفوقه على البريطانيين، ومَن غير شكسبير أهلاً للتفوق عليه، ومن غير ماكبث شخصية تستحق أن تكون ساحة إثبات؟ هكذا اخترع الطالب مسرحية ينقذ بها ماكبث من جحيم كوابيس جريمته، وذلك بقطع الطريق على نبوءة الساحرات القائلة بهزيمة ماكبث حين يرى غابة بيرنام تزحف إلى قلعته.

قال طبيب العيون بطريقته الخاصة في التحليل.. بما أن اليونانيين هم أهل التراجيديا فإنهم سيقترحون على ماكبث إن أراد أن لا يرى أشجار الغابة تزحف إليه، أن يفقأ عينيه، لكننا نحن الذين نعطي الدروس للعالم من خلال الدراما السورية، وعلينا أن نفكّر بطريقتنا الخاصة، ومن المنطقي أن نقترح على ماكبث ببساطة، أن يقطع أشجار غابة بيرنام… وهكذا وجدت ‘علا جبلاوي’، الطفلة ابنة الثالثة من اللاذقية نفسها ممدة على الأرض دون حراك، بعين واحدة وإنْ بوجه ملاك، إذ استقرت في عينها الأخرى رصاصة قناص.. حين عاش وريث الجمهورية والجريمة كوابيس رؤية أطفال سورية له عارياً كلما ألقى خطاباً أو تفوّه بكلمة.. هكذا انفلت عنف نظام شبّيحته بجنون من أي عقال ليكسر أصابع رسام الكاريكاتير علي فرزات حين فشلت الدبابات والمدافع والمروحيات والسفن ورصاص القنص والرشاشات والسكاكين والبلطات، في إعادة المتظاهرين السلميين الذين عصفت بروحهم ريح الحرية والثورات إلى بيوتهم.. وهكذا فكّر حين تطلّبت عبقرية الحماقة منه أن يغطي هذا الفشل بالاستعانة بحرس الوالد القديم الذين أبعدهم بنفسه خوفاً حيث هم أخبر بأساليب أبيه في حل المعضلات.. وهكذا تشكلت ‘المبادرة الوطنية الديمقراطية’ للحرس القديم بقيادة محمد سلمان وطرحت كصحوة وغيرة على البلد لإنقاذه مما يتهدده من (حرب طائفية، وتدخل خارجي)، وهكذا سخر السوريون من هذه المبادرة التي تأتي من صانعي توريثه، وهكذا كان عليه إعادة إنتاجها لأنها الوحيدة التي تبشّره بحلول تنجح لو تأمنت لها تغطية كافية أو يمكن صنعها من المعارضة…*استفاقة الحرس القديم للأسد الأب على رنين جرس أحد قواده محمد سلمان الذي يهتز بإيقاع يد بشار الأسد الإبن كما يبدو.. يعيد إلى الأذهان صورتين متداخلتين: الأولى هي صورة هروب تعكس مرض العديد من السياسيين والمثقفين ورجالات السلطة بنكران واقعٍ فرض نفسه على الأرض هو واقع طروحات الثورة الراديكالية بإسقاط النظام، والتشبث بواقع وهمي تجاوزته الأحداث التي فرضت هذا الواقع، بتوازٍ مع مرض نكران بشار الأسد النابع من نبوءة زحف أشجار غابة بيرنام إليه، كما بدى في مقابلته الأحادية مع التلفزيون الرسمي السوري، حيث العصابات المسلحة والتأييد الشعبي ووهم مناعة الحائط الإيراني والحزب اللاهي ما تزال ملاءات بيضاء تطير بأجنحة مرفرفة في مخيلته.. وتتبلور هذه المبادرة وفقاً لمقال حارس قديم في جريدة “القدس العربي” هو مروان حبش الوزير وعضو القيادة القطرية السابق وفقاً لملاءاته الإنكارية الطائرة في تبرير هذه المبادرة بأن: ‘يكون حوار هذا الحرس مقتصراً على صاحب القرار دون غيره (بشار الأسد)، وأن يتولى بشار الأسد نفسه زمام المبادرة بالتغيير، مع سعي مجموعة المبادرة وفقاً لحبش (وهذا هو سبيل تمريرها)، كما يقول: ‘إلى الالتقاء مع كل مجموعات المعارضة والسعي معاً لإنجاز شكل ما تنضوي تحت سقفه كل المعارضة بعد اتفاقها على عدة أهداف لا يمكن الاختلاف حولها، ويكون هذا الشكل كغطاء سياسي لثورة الشباب’، مع إنكار حبش لواقع أن الشباب الذين يتحدّث عنهم رسموا على ملاءاته الطائرة بوضوح صورة الواقع التي لا يمكن إنكارها بأن: الشعب أسقط شرعية بشار الأسد ويريد إسقاط النظام ورحيل رئيسه، وبانفعال من يصاب بالإنكار أيضاً عند رفض ضم مجموعة المبادرة من قبل بعض راديكاليي المعارضة في ‘هيئة التنسيق للتغيير الديمقراطي’، التي تم التفكير بأنها هي سبيل تمرير مبادرة الحرس القديم، واتهام هؤلاء بممارسة الإقصاء، مع وعده بالنضال ‘من أجل خروج هذه الهيئة من ذهنية العمل بعقلية ‘الشلة’ والانعتاق من تأثير بعض هواة السياسة على قراراتها التي كان من نتيجتها تسطيح المفاهيم وإقصاء الكثيرين’ كما يقول… الصورة الثانية يكشفها الوعد النضالي المصرّ من مروان حبش على حامل ‘هيئة التنسيق للتغيير الديمقراطي’، حيث تنحلّ قليلاً عقدة التداخل بين الصورتين لتتبلور الصورة الثانية بمبادرة ليست نابعة بأية حال كما يقول الناقد صبحي حديدي من ‘صحوة حرس الأسد الأب الذين مهدوا وصنعوا توريث الإبن على ضرورات الإصلاح والديمقراطية وحقوق الإنسان وكرامة المواطن السوري، بل لأنهم أخذوا يستشعرون تململ شرائح واسعة من أبناء طائفة صارت تتبصّر مصائرها على نحو أوضح، وأخذت تدرك ببطء، ولكن على نحو منتظَم ومتدرج أنّ منابع الأخطار على الوطن ليست تظاهرات الشعب، بل تحالف قَتَلة الشعب وناهبي الوطن’، وفي إضافة إلى هذا التحليل، مبادرة تحاول إمساك الإبقاء على هذه الطائفة تحت جناح النظام بإيجاد مخرج للنظام يبقي بشار الأسد على رأس سلطته، ويسكّن الداخل، ويرضي القوى الخارجية التي لم تعد تستطيع احتمال عبء نظام خرج عن شرعة الإنسان وارتكب مجازر ضد الإنسانية، من أصدقاء النظام وأعدائه المعنيين بأزمته وعلى رأسهم الولايات المتحدة وتركيا والدول العربية، مع ضرورة إصلاحات يجب القيام بها دون تضحية بجوهر النظام واستبدال الحل الأمني الذي يعرف محمد سلمان ومجموعته أكثر من غيرهم أنه فشل في تطويع الشعب وزاد من اتساع وتجذّر الثورة، بحلّ سلمان السياسي الذي يتكرّر طرحه بعد أن فشل في المرة الأولى على حامل قوى في ‘هيئة التنسيق للتغيير الديمقراطي’ صرّحت بأنها لم تطرح أصلاً إسقاط النظام ويطيب لها حلّ يجنّب في رأيها البلاد من الدخول في اسطوانة الخوف: (فوضى الحرب الأهلية الطائفية والتدخلات الخارجية)… ويبدو أن صورة مبادرة سلمان وحبش ومجموعة حرس الأسد الأب على حامل القوى المحسوبة على اليسار في هذه الهيئة تجد لمعالمها نصيباً في التكون، تحت ظلّ الفشل المتكرّر لمؤتمرات بعض قوى المعارضة الكلاسيكية وقوى الثورة الجديدة في الخارج بصورة خاصة، وطروحاتها المتسرّعة في تشكيل مجالس وطنية مهلهلة بمختلف التسميات، واليأس الذي يشيعه النظام في نفوس قوى شباب الثورة في الداخل باستغلال هذا الفشل، وبالإمعان في سياسة الإرهاب والقتل، لتمرير حلّه السياسي الذي يعيد إنتاج سلطة استبداده وفساده نفسها بعبوة جديدة، لكن أيضاً، ولسوء حظ بشار الأسد في نمو أشجار الغابة أكثر كلما سالت دماء قطعها وإلى درجة الكابوس الذي يدفعه إلى المزيد من إسالة الدماء، تحت شمس نار الثورة التي تزيح هذا الظل بجمعةٍ ساطعة تليها جمعة أشدّ سطوعاً، وتدفع قوى ‘حسن النوايا’ اليائسة المهرولة للالتحاق بالشكل الجديد لحلول النظام إلى الفرملة، كما تدفع القوى الغيورة التي تفتقد الخبرة السياسية في الثورة إلى الخجل مما تتيحه تجاربها الصبيانية من مدّ عصابات النظام بأنفاس جديدة، إضافة إلى إحراق ريش طواويس الثورة المتسلقين على سورها بحبال خيلاء الإعلام الواهية، وتعليم قوى الثورة على اختلاف طروحاتها الإيديولوجية فضيلة الديمقراطية في تجنّب فرض الأدلجة، ومعنى وحدة البرنامج في ظل احترام الاختلاف، وتجنّب إجهاض الثورة بأوهام أسلمة الدستور، مع احترام دم الشهداء الذي سال واحداً من جميع السوريين والإخلاص لتضحيات الجرحى والمعتقلين على طريق بناء دولة سورية المدنية الديمقراطية.. ويبدو أن زحف أشجار غابة بيرنام قد خرج من كوابيس الأسد إلى التحقق في الواقع من خلال عمل قوى الثورة المتبلورة في تنسيقيات الداخل على اختلاف أشكالها وائتلافاتها مع قوى المعارضة الراديكالية التي حسمت أمرها برفع شعار إسقاط النظام دون لبس، على طرح مبادرتها في عقد مؤتمر وطني لعموم قوى الثورة الديمقراطية السورية وقوى المعارضة على قاعدة الانحياز الكامل لأهداف الثورة في إسقاط النظام، والتفاوض فقط على خروج النظام وآلية تسليمه السلطة للشعب، وتأكيد طبيعة الدولة السورية الوليدة على أنها دولة مدنية ديمقراطية تعددية لجميع السوريين دون تمييز في الدين أو العرق أو المذهب أو اللون أو الجنس. طبيب العيون الذي تفوّق على شكسبير بإنقاذ ماكبث من كوابيسه عندما كان طالباً في بريطانيا يعاني الآن كوابيس فشل قطعه لأشجار الغابة التي تنمو مرةً بعد مرة ببذور دماء شباب الثورة في سورية، وأصبح لزاماً عليه في استعانته بتجارب حرس الأب ربما التفكير بالحل التراجيدي اليوناني الذي يضع أمامه تحديات التنافس مع سوفوكليس لحلّ عقدة أوديبية فشله بما لا يخطر على بال، أمام إنجازات أبيه البارعة في إخفاء جرائم قتله للرجال والنساء والأطفال. ‘ كاتب سوري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية