حصار وبراميل متفجرة
وفي تحديده لمعالم الحل الذي وضعه الأسد يقول الكاتب، إن حل النظام كان فرض الحصار تلو الحصار على معاقل المعارضة القوية والتلاعب بالدعم الإنساني والتحكم به وقصف المناطق السكنية بالبراميل المتفجرة.
ويتساءل الكاتب عن التنازلات التي قدمها الأسد لمعارضيه في محاولته للتصدي لأكبر انتفاضة يواجهها البلد والتي خلفت أكثر من 150.000 قتيل و680.000 جريح وشردت نصف السكان البالغ عددهم 23 مليون نسمة.
الجواب على هذا السؤال هو أن الرئيس السوري تعهد بجعل الإنتخابات القادمة أول انتخابات تنافسية، لكن هذا التعهد قوض بسبب حالة الحرب التي تعيشها البلاد والإستفتاءات السابقة التي قام بها الأسد بما فيها الإنتخابات الرئاسية السابقة والتي اعيد فيها انتخاب الأسد، أي عام 2007. ويكتب تابلر ‘راقبت كيف فاز بنسبة 97.62’ مثل الإستفتاء على انضمام شبه جزيرة القرم لروسيا.
وفي واحد من مراكز الإقتراع في أغنى وأكثر الأحياء تأوروبا، حضرت امرأة شابة للإقتراع، ولم تشجعني فقط على التصويت في الإنتخابات مع أنني لست سوريا، بل وحثتني على التصويت بأصابعي وبدمي أيضا’، وهذه الأساليب يقول الكاتب إنها شجعت الأسد على تحسين نسبة 97.24 ‘ في عام 2000 بعد وفاة والده. وفي ذلك الحين اجتمع مجلس الشعب وقرر تخفيض عمر الرئيس من 40 إلى 34 للسماح لبشار بالترشح في الإنتخابات.
انتخابات شكلية؟
والسؤال هو ‘لماذا يهتم أحد بالإنتخابات المزورة في الشرق الأوسط؟ والجواب أن إعادة انتخاب الأسد هو جزء من استراتيجيته لتدمير الخطة الدولية لتحقيق تسوية سريعة للحرب السورية التي تحولت إلى حرب طائفية ومن أجل فرض حل حسب شروطه.
ويتضمن الحل فرض حصارات وتجويع على المناطق التي تسيطر عليها المعارضة، والتحكم بالمساعدات الإنسانية ورمي البراميل المتفجرة وصواريخ سكود وغاز الكلور الذي ستحقق فيه منظمة حظر الأسلحة الكيميائية.
وفي الوقت الذي ساعده هذا المدخل على تأكيد حضوره وتثبيت أركانه في غرب سوريا وبمساعدة من حزب الله والمتطوعين الشيعة من العراق وغيرهم من أفراد المليشيات الإيرانية، إلا ان الاسد ليست لديه القوات الكافية لإستعادة ما خرج عن سيطرته في عموم سوريا، إلا في حالة واحدة هي توسيع مشاركة حلفائه في الحرب، والذي سيكون بمثابة احتلال سوريا من قبل ما يعرف بالفيلق الإيراني، ومن هنا فلن توافق المعارضة ولا من يدعمها على حل يقوم فيه الأسد وحلفاؤه الإيرانيون بتحديد شروط اللعبة في سوريا.
ويعتقد الكاتب أن النتيجة الحتمية لكل هذا هي ‘دولة فاشلة’ مقسمة بين دويلات يحكمها العرب السنة والأكراد كل في مناطقه، وتتحول لملجأ آمن للجماعات التي تراها أمريكا إرهابية، وهذه المرة في قلب الشرق الأوسط.
ويرى الكاتب أن التوتر الحاصل بين إيران والدول العربية والعلاقات الباردة بين الولايات المتحدة وروسيا بسبب الأزمة الأوكرانية تجعل الحل الدبلوماسي يبدو بعيدا الآن.
ويضع هذا الوضع إدارة الرئيس باراك أوباما أمام معضلة كبيرة ذات تداعيات واسعة. فالسماح للأسد بفرض حله سيساعد على انتشار حرب الوكالة المتمركزة في سوريا إلى كل منطقة الشرق الأوسط وتعزيز التوتر بين إيران والدول العربية، كما سيعطي حل الأسد، فكرة لكل الديكتاتوريين أن الذبح الجماعي ينجح في قمع تطلعات الشعوب، وأخيرا يقدم صورة لموسكو وغيرها من منافسي الولايات المتحدة أن الأخيرة غير قادرة على متابعة سياستها الخارجية والوفاء بالإتفاقيات الدبلوماسية. ولوقف الأسد وحله يحتاج الغرب وحلفاؤه الإقليميون إلى نوع من العمل العسكري هو الذي أظهر أوباما ترددا واضحا في اتخاذه، بسبب تكلفته ونتائجه غير الواضحة.
تعديلات دستورية
ويتحدث الكاتب هنا عن الإجراءات التي اتخذها الأسد من أجل تعزيز حله، مشيرا إلى قيامه في بداية عام 2012 ومع توسع الإنتفاضة وزيادة زخمها بتغيير الدستور من أجل السماح بانتخابات تنافسية، ولم تثر هذه التغييرات انتباها أو اهتماما في العواصم الغربية التي كانت تركز اهتمامها على خطة المبعوث الدولي كوفي عنان ونقاطها الخمس لإنهاء الازمة.
وعندما فشلت جهوده واستقال من مهمته قامت الولايات المتحدة وروسيا بالتفاوض حول صيغة مؤتمر جنيف الأول. وفي وقت بيان جنيف عام 2012 بدا النظام قريبا من الإنهيار ولهذا بدت اللهجة حول مصير الأسد مخففة لتجنب الفيتو الروسي في مجلس الأمن.
وبدلا من مطالبة الولايات المتحدة برحيل الأسد والسماح بحكومة انتقالية وافقت على ‘حكومة انتقالية’ تتمتع بسلطات تنفيذية يتم تشكيلها برضا الطرفين، ويمكن أن تضم الحكومة عناصر من النظام السابق إن لم تكن أيديها ملوثة بدماء السوريين.
وفي ذلك الوقت تمسكت الإدارة الإمريكية ببند يعطي المعارضة السورية الحق للإعتراض على مشاركة الأسد في الحكومة الإنتقالية لكن لم يتم استبعاد الأسد كليا من المعادلة السياسية في سوريا، وفشلت الولايات المتحدة بتعريف ماهية جماعات المعارضة والتي توافق على الحكومة الإنتقالية، وسمح اتفاق جنيف لروسيا بممارسة فيتو على العملية مما أعطى الأسد وقتا للعب.
ولم ينتظر الأسد فقط بل قام وبمساعدة من حزب الله وروسيا العام الماضي بجهود لمكافحة الجماعات المسلحة وترافقت مع الأسلحة الكيميائية وتردد أوباما بفرض خطه الأحمر ضد سوريا فيما جرجر النظام قدميه في تطبيق اتفاق التخلص من الترسانة الكيميائية.
وكتنازل لروسيا عن دورها في تخلي نظام الأسد عن الأسلحة الكيميائية ساعدت واشنطن على اختيار ممثلين من الأئتلاف السوري المعارض للجلوس أمام وفد النظام والتفاوض في جنيف -2 والذي عقد في شباط/ فبراير الماضي، ولكن النظام رفض التفاوض حول حكومة انتقالية، وبنفس الوقت زاد الأسد من عملياته العسكرية والقصف والغارات. وبحسب السفيرة الامريكية للامم المتحدة سامانثا باور، فاكثر فترة شهدت قتلا وتدميرا في كل الأزمة كانت فترة المحادثات في جنيف، في وقت تراجعت فيه روسيا عن تعهداتها كما أقر قرار 2118 لمجلس الأمن والضغط على النظام لمناقشة تشكيل حكومة انتقالية.
شروط النظام
في الوقت نفسه أكد المتحدثون باسم الأسد انه سيرشح نفسه للرئاسة ولن يسمح للمراقبين الدوليين الدخول للبلاد للإشراف على العملية الإنتخابية.
ويشير الكاتب إلى ان القوانين التي تتحكم بها اللجان والمؤسسات التابعة للأسد هي من ستقرر أو قررت شكل من سيشارك مرشحا منافسا للرئيس، ومع أن ستة رشحوا أنفسهم إلا ان ما هو مؤكد عدم مشاركة أي من رموز المعارضة في الإنتخابات، لان القانون يحرم عليهم حيث يشترط أن يكون المرشح يعيش في داخل البلاد منذ 10 أعوام.
ويقول نظام الأسد أنه يتعامل مع احزاب لها اجندة وطنية مما يعني استبعاد الإئتلاف الوطني السوري وكذا الجماعات المسلحة بكل أطيافها.
والمعارضة التي يتحدث عنها الأسد هي المعارضة المقبولة والتي يتسامح النظام معها ولا تأثير لها في مناطق المعارضة مثل هيئة التنسيق الوطني لقوى التغيير التي يقودها حسن عبد العظيم والذي لا تأثير له خارج مناطق الحكومة. ويعتقد الكاتب إن الطريقة التي يفكر بها النظام حول فرض حل على سوريا تتصادم مع وقائع الديمغوغرافيا السورية، مشيرا للزيادة في عدد السكان التي شهدتها سوريا حيث كان البلد من بين أكثر 20 دولة في العالم زيادة في عدد السكان. وبدأت هذه الموجة في الثمانينيات بعد محاولة حافظ الأسد، والد بشار سحق انتفاضة سنية وصلت ذروتها في مذبحة حماة التي راح ضحيتها أكثر من 30.000 شخص، وشهد العقد الذي حاول فيه حافظ الأسد قمع المعارضة لتحطيم الإقتصاد وابقاء الناس في بيوتهم مما أدى لزيادة عدد السكان. ويعتقد الكاتب إن الأسد يعتقد بانه قادر على توحيد البلاد وإعادة الإستقرار للبلاد من خطة فاسدة تقوم على إعادة انتخابه وهو تفكير خاطىء لان المعادلة السكانية تقف ضده ولن يكون باستطاعته والحالة هذه عمل ما فعله والده من قبل، أي تركيع الإنتفاضة وفرض شروطه عليها.
في ظل تفكك المعارضة وتردد إدارة الرئيس باراك اوباما بتقديم أسلحة فتاكة للمعارضة هناك امكانية ومن خلال اللغة المائعة لبيان جنيف الذي تفاوضت عليه روسيا والولايات المتحدة أن تقبل جماعات مذعن للأسد وتشكل حكومة انتقالية. وقد تبتلع الولايات المتحدة التي تسير في محادثات مع إيران حول ملفها النووي الطعم، وكذا الدول الإوروبية الخائفة من نمو تأثير الجماعات الجهادية بين فصائل المعارضة السورية.
وسيكون هذا خطأ كبيرا لأن تسليم الإسد والفيلق الإيراني الأجنبي ولو انتصارا جزئيا في الوقت الحالي سيجعل من الصعوبة بمكان احتواء التأثير الإيراني في المنطقة وتأمين اتفاق حول أسلحتها النووية، وأكثر من هذا ستفاقم الخلافات الطائفية في المنطقة والتي تتركز في سوريا الآن.
ولهذا السبب تبدو دول الخليج مثل السعودية وقطر والكويت الخائفة من توسع التأثير الإيراني ومن طموحاتها النووية مستعدة للقتال في سوريا حتى النهاية.
ويختم الكاتب تحليله بالقول إن الطريقة الوحيدة لاحتواء تقدم الأسد وحله، تتم من خلال منح المعارضة أسلحة فتاكة تكون قادرة على مواجهة الأسد والجهاديين في نفس الوقت، وهو خيار تناقشه الولايات المتحدة منذ عدة سنوات وتناقشه حاليا في ظل استعراضات القوة التي يقوم بها الأسد والرئيس الروسي في الآونة الأخيرة.
تسليح المعارضة
وفي الوقت الذي يكمل فيه نظام الأسد تسليم ترسانته الكيميائية وشحنها عبر البحر قامت الولايات المتحدة بإدخال الصواريخ المضادة للدبابات التي بدأت تظهر في أيدي الجماعات المعارضة التي تعرضت لتدقيق من الإستخبارات الغربية، وتظل الطريقة الوحيدة لوقف القصف الجوي على مناطق المعارضة ودفع الحكومة للتفاوض مع المعارضة هو توفير صواريخ مضادة للطائرات للمعارضة تقوم من خلالها ضرب المطارات العسكرية التابعة للنظام.
ويرى الكاتب إن نجاح الأسد في فرض حل على سوريا ستكون له تداعيات عالمية تتناقض مع القيم والمصالح الأمريكية، فبقاء الأسد في السلطة يعطي الديكتاتوريين حول العالم أن المذابح الجماعية ومنع المساعدات الإنسانية وسائل ناجعة، ويأتي كل هذا في وقت تحاول فيه واشنطن وحلفاءها مواجهة العدو الصاعد روسيا. وفي النهاية فثمن بقاء الأسد في السلطة سيكون باهظا، سوريا وإقليميا وعالميا.