بشري عبدالصمد: فريق الجزيرة استمد قوته من اهل الجنوب
من الاعلاميين الذين اثبتوا جدارتهم علي جبهات القتالبشري عبدالصمد: فريق الجزيرة استمد قوته من اهل الجنوببيروت ـ القدس العربي ـ من زهرة مرعي: يشكل الإعلاميون المتواجدون علي جبهات القتال في جنوب لبنان الوجه الساطع الذي ينقل للعالم حقيقة ما يجري بالصوت والصورة. من هؤلاء الإعلاميين الذين أثبتوا جدارتهم هناك منذ اليوم الأول لإندلاع المعارك كانت الزميلة بشري عبد الصمد من قناة الجزيرة.طلبنا بشري بعد عودتها إلي بيروت لحوار صحافي حول تجربتها، لكنها في البداية تمنت لو يتم تسليط الضوء علي الناس الصامدين في الجنوب وعلي المجازر المتتالية التي ترتكبها إسرائيل، لكننا بالنهاية أقنعناها بالحوار التالي: قلت أنك ترفضين أن تكوني مع زملائك الصحافيين القضية. هل تعتقدين أن الصامدين في الجنوب وكذلك الحقيقة ستكون قضية من دون الإعلاميين؟ كمراسلين متواجدين في الخطوط الأمامية دخلنا بشكل لاشعوري في المقابلات الصحافية وهذا ما لم أكن أرغبه. في الحقيقة لايمكن لأحد إلغاء الأخر ويبقي دور الإعلام مهماً. ما أراه مشكلة أن يتحول الإعلامي إلي جزء أساسي من القضية فيوجه له السؤال علي كونه ضحي وترك عائلته، ولم يخف. هنا برأيي يصبح الموضوع خفيفاً. عندما يري أحدنا عائلته تعيش في منزل مكيف، وتتمكن من شرب القهوة علي الشرفة، فيما الأخرون يعيشون تحت رحمة صواريخ الطائرات لا شك سيمر في شعور مختلف وسيكون في مشكلة. ذهبت إلي الجنوب يوم 12ـ 7 وطالت إقامتك، كيف إتخذت قرار البقاء؟ الواقع هو الذي حكم تحرك الفريق. نحن ذهبنا وفي بالنا أنها مجرد إشتباكات وسوف تنتهي. ذهبنا وأنضممنا إلي مصورنا عصام المواسي وهو من بلدة عيترون وكان في إجازة. وصلنا إلي مارون الراس وتطورت الأمور العسكرية وكان الواقع هو الحاكم لنا. دائما يسأل المشاهد كيف للمراسل وفريق العمل معه أن يتدبر أمره من طعام وسواه في ظل وضع متفجر كما هو وضع الجنوب؟ الحاجات الشخصية في مثل تلك المواقف لا تعد أساسية. في الحقيقة نحن وجدنا الإنقاذ في إستراحة القدس التي فتحها أهلها لأجل الإعلاميين وكانوا يقدمون لنا الطعام والشاي والقهوة. وكانت الإستراحة تضم فريقاً من أربعة أشخاص، ثلاثة منهم من مارون الراس والأخر سوداني أظنه هرب إلي لبنان من حرب دارفور. في الحقيقة عندما يتوقف إطلاق النار سيذهب فريقنا إلي إستراحة القدس للقاء أهلها وشكرهم. وأنت في الجنوب هل تخيلت أن اقامتك ستطول خاصة بعد تقطيع الطرقات من قبل العدو؟ لم يكن لدينا الوقت للتفكير بأي أمر، كنا نعيش كل يوم بيومه. من المؤكد أن الإعلامي في حرب كما هي حرب الجنوب يصادف حالات إنسانية مؤلمة كيف تتصرفين في مثل هذا الوضع؟ لم تصادفني مواقف مماثلة كأن يتم تصوير جريح. كنا نصل إلي الأماكن المقصوفة بالطائرات وللأسف يكون الناس فيها قد إستشهدوا. هل لاحقتك لحظات ضعف وأنت تقيمين وسط أشرس المعارك؟ هي كثيرة جداً، إنما مسؤولية الهواء والمباشر كانت هي الغالبة. صادفنا الكثير من التجارب. الآن وبعد عودتي إلي بيروت أتذكر بعض ما صادفته فأجد نفسي خائفة أكثر بكثير مما كنت في الجنوب. المراسل إنسان، فمن أين تستمدين قوتك وصمودك في ظل الوضع الذي عشته لأيام متتالية وهو صعب للغاية؟ فريق الجزيرة بكامله إستمد قوته من الإنسان الجنوبي بالدرجة الأولي. كنا نمر علي بلدة عيترون حيث عائلة زميلنا عصام مواسي يتابعون حياتهم. كنا نراقب لحظات خوفهم وكيفية تدبرهم لأمورهم وإصرارهم علي البقاء. من هؤلاء الناس ومن آخرين أخذت قوتي، وكذلك من فريق الجزيرة المتجانس الذي شكل عاملاً أساسياً في صمودنا وفي نجاحنا أيضا. وهذا الفريق مؤلف من مصطفي عيتاني، عمر عيتاني، أحمد نجفي، عصام مواسي وأنا. وكل واحد منا كان الأساس في كل ما تابعتموه علي قناة الجزيرة. تركت بيروت والطرقات بحال وعدت وهي بحال آخر. كيف تصفين طريق العودة؟ في رحلة العودة شغلتنا مجزرة مروحين التي إكتشفناها بالصدفة وكنا أول من بثها. كنا نحاول الإتصال بعيتا الشعب ومروحين ورامية بعد أن أصبح تحريك سيارة النقل المباشر أكثر صعوبة من البداية، وبالصدفة أخبرنا أحدهم أنهم أمام الوحدة الفيدجية وهي تمنعهم من الدخول إلي مقرها. في هذا الحين كان علينا أن نترك مارون الراس لصعوبة الوضع. وقفنا لبعض الوقت في إبل السقي. في هذا الوقت حصلت المجزرة ضد سيارتي فان وسيارة صغيرة لسكان مروحين الهاربين. إلي هذه اللحظة هذه المجزرة لا تفارقني مع فريق العمل كاملاّ ونحن نقول ربما لو لم نتوقف في إبل السقي لكنا قادرين علي إنقاذهم. هل شاهدت وأنت في الجنوب رجال المقاومة؟ ربما نكون شاهدنا أحدهم بالصدفة دون أن نعرفه. هناك تحركاتهم منضبطة جداً لأن المنطقة حساسة. ما هي الذكريات التي ستحملينها عن هذه الحرب وماذا ستقولين لطفلتك؟ لست أدري، هذه الأمور متروكة لعفويتها لأنها مرتبطة بالوجع والموت والدمار. عندما أنظر إلي إبنتي وهي في عمر السنة والنصف وأفكر بمجزرة قانا أتخايلها في ذاك المكان. عندما كنت تسمعين صوت طفلتك زين عبر الهاتف ألم يكن ذلك يحفزك للعودة؟ حتي يوم حصول مجزرة مروحين كانت طفلتي هي مشكلتي. كنت جاهزة للبكاء علي الدوام لكن الوقت لم يسمح لي بذلك. كيف كان اللقاء معها؟ اللقاء مع طفلتي وزوجي وعائلة زوجي كان مؤثراً حتي أننا بكينا جميعنا. لكن بعد ذهابي إلي منزلي حيث وجدت نفسي مستقرة بعض الشيء سألت نفسي لماذا أنا هنا؟ وقلت يجب أن أكون في الجنوب. أظنه شعور كل صحافي يعشق مهنته.2