■ ترك ياسوناري روايته «هندباء برية» بدون خاتمة. مات انتحارا في مثل هذه الأيام من سنة 1972 قبل أن يستكملها. ذلك الفضول الذي سيبدأ باستثارة قرائها لن يُشبَع إذن، ولن يعرفوا كيف سيطلع الصباح على حبيب الفتاة إينِكو وعلى أمها، بعد أن أودعاها مستشفى المجانين. الأم والحبيب أقاما تلك الليلة في الفندق القريب، في بلدة المستشفى ذاتها. ظل الاثنان يتحاوران، وهما في غرفتي الفندق المنفصلة إحداهما عن الأخرى بساتر ورقي، حول إينِكو، الرقيقة الجميلة التي تركاها هناك، بين مجانين المستشفى. هي لم تكن مثلهم، إذ لم تتعدّ حالتها توقّف بصرها عن رؤية هيسانو حبيبها في أوقات عناقهما. كان ذلك العارض قد بدأ أثناء ما كانت تشترك في مسابقة رياضية للعبة البينغ بونغ. لمرتين متتاليتين لم تتمكن من رؤية الطابة الصغيرة، وهي، إذ تمكّنت من ردّها في إحداهما فإنما بتقديرها اتجاهها.
هيسانو لا يرى في ذلك جنونا، بخلاف والدتها التي أودعتها المستشفى غصبا. كانت تظن أن هذا عارض جنوني، وهي ظلت تقول ذلك طيلة تلك الليلة، في الحوار الذي استغرق الكتاب كله، أو الجزء الذي أُنجز منه قبل انتحار كاتبه. الرواية إذن هي ذلك الحوار الذي لن نعرف نهاية له. حوار تتكرّر تفاصيله في أحيان، خصوصا أن لكل من طرفيه، الأم والحبيب، رأيه في إن كان هذا جنونا أم لا. لكن الحوار يتسع إلى فصول تتعلّق بتاريخ العائلة، بل بماضي اليابان القريب وهزيمتها في الحرب العالمية الثانية، وتأثير هذه الهزيمة على حياة عائلة الفتاة. فوالدها كيزاكي كان ضابطا مقاتلا وكان قد فقد إحدى ساقيه في إحدى الجولات التي خاضها، لكن ما أدى به إلى الانهيار واليأس هو هزيمة بلده التي لم يحتملها. وهو، في إثر ذلك، طاف في الجبال البعيدة على حصانه، ساعيا إلى أن يضع هناك حدا لحياته، لكنه، في وقت لاحق، عاد وقضى متعثرا عن ذلك الحصان فسقط من أعلى الجرف ليتحطم جسده على صخرة ضخمة قبل سقوطه، هو وحصانه، في البحر.
يعود كاواباتا إلى القارئ العربي، مرة أخرى، حيث لم تتوقف ترجمة كتبه منذ ثمانينيات القرن الماضي، حين صدرت رواية «البحيرة» استقطبت اهتماما واسعا بالأدب الياباني، وخصوصيته القائمة على التأمل والانكسار.
الحوار الطويل في غرفتي الفندق، بين الحبيب والأم كانت تقطعه ذكريات الأم مع ابنتها، كما يقطعه كذلك تذكر المرأة لحوارات كانت تجريها مع زوجها. الرواية هي نقاش وسجال وحوار، وكل ذلك جارٍ بين غرفتي الفندق، حاصل بالفعل أو متذكَّر. ولا شيء يحدث في حاضر الرواية باستثناء ترافق الأم والحبيب في تلك المسافة بين المستشفى والفندق البلدي، حيث على ضفّتي النهر يلاحظ الاثنان كيف نمت الهندباء البرية (وهذه أعطت للرواية عنوانها «هندباء بريّة»). كما أن لا شيء يحدث في الخارج إلا رنين ناقوس المستشفى المتردّد ثلاث مرات في ما تبقى من يومهما ذاك.
ثم ذلك المكان القليل المقتصر على بعض خطوط غرفتي الفندق. أما ما قرأنا له وصفا عن المستشفى فمتخيّل من قِبل المتحاورين، إذ هما لم يطآ عتبتها ولم يدخلا إليها. ما يشاهدانه، ويذكرانه في حوارهما المتواصل هو تلك الشجرة الضخمة المظللة لجانب من بناء المستشفى.
لا شيء يحدث ولا شيء يشاهَد في الحاضر الذي هو زمن الرواية. ما حصل كان قد حصل من قبل، وهو متروك للكلام الجاري بين المتحاورين فما بين غرفتي الفندق المتصلتين أو المنفصلتين. وهذا الحوار غير القابل للانتهاء طالما أن أيا من طرفيه لن يحقّق تقدّما في إقناع الآخر. ذلك الاستعصاء يرجع غالبا إلى طبيعة مرض إينِكو المترجّح بين أن يكون وهما أو يكون مرضا حقيقيا. كما أن أثره ضئيل إذ لا يتعدّى عرَضُه الثواني تعود إينِكو بعدها إلى حالتها الطبيعية. لقد جرى تعظيم أثر ذلك المرض. يرى الشاب هيسانو أن ما تعاني منه حبيبته لا يستأهل زجها بين مجانين ستقيم بينهم زمنا غير محدد يسبق شفاءها، وهو شفاء سيكون التحقق منه صعبا طالما أن المرض وهمي وغير مفهوم. لقد جرى تعظيم ردود الفعل حتى من قبل الفتاة نفسها، إذ حين لم ترَ الطابة التي عليها ردّها، انهارت متساقطة على الأرض. وذلك يتعلق بما جرى للوالد أيضا حيث كان من الممكن الاستطالة في الحوار الذي يخص رغبته بالموت بعد انهزام بلده في الحرب.
لا شيء يقينيا في حياة تلك الشخصيات، كما لا يتحدّد شيء تبعا لحجمه أو أهميته. البشر واقعون ضحايا لتلك الهشاشة، بل والانكسار وضعف الوجود، ولم يحظ منهم إلا الأب الضابط لكونه، رغم شعوره العميق بهزيمة بلده، حاملا على كاهله ما يتعدى أزمته الشخصية. الآخرون هم هكذا بالطبيعة، واقعون في ظل انكسارات تبدو متوارثة من أزمنة غير معلومة. حتى غرام هيسانو بإينِكو، الغرام العميق الذي لن يضعف أبدا كأنه عبادة أو إيمان بعقيدة، يبدو غير طبيعيّ بدوره. حتى امتناع الأب، قبل موته، عن الاقتراب من زوجته. كأن هذه حياة طافية فوق ما ينبغي أن تكون الحياة الطبيعية. هكذا هي شخصيات كاواباتا، في رواياته جميعها وليس فقط في أخيرتها هذه.
في هذه الرواية يعود كاواباتا إلى القارئ العربي، مرة أخرى، حيث لم تتوقف ترجمة كتبه إلى العربية منذ ثمانينيات القرن الماضي، حين صدرت رواية «البحيرة» استقطبت اهتماما واسعا بالأدب الياباني، وخصوصيته القائمة على التأمل والانكسار، وغلبة الصمت والشعور العميق بالذنب. بعد أن قرأنا روايات له بينها، إضافة إلى «البحيرة»، «راقصات إيزو» و«ضجيج الجبل» و«الجميلات النائمات» إلخ… صدرت الآن آخر رواياته التي، إذ يروح القارئ يفكر بينه وبين نفسه في تصوّر خواتيم محتملة لها، يجد أن ذاك الحوار الطويل غير قابل للانتهاء أبدا ولن يصل إلى نهاية. ربما كانت «هندباء برية» ستظل غير مكتملة حتى لو أبقى كاتبها نفسه على قيد الحياة.
– رواية ياسوناري كاواباتا «هندباء برية» نقلها إلى العربية جولان حاجي وصدرت عن دار الساقي في 207 صفحات- 2019.
٭ روائي لبناني