عبد المنعم رمضانلازمتُ كتابات الأستاذ هيكل منذ أولى محاولاتى القراءة الرشيدة، كما أظن، وأصبحت مفتونا بأسلوبه، صحيح أننى لا أحب طريقته فى استظهار محفوظاته الشعرية، لأنه يأكل علامات الضبط أواخر الكلمات، إلا أننى أستمتع بجرأته.نعرف أن الكاتب يحيا بأفكاره زمناً حتى تتجاوزها الأجيال التالية، ولكنه يحيا بأسلوبه كل الأزمنة،الأصح أزمنة طويلة، ودليلنا على ذلك أن نقارن بين الجاحظ وأبى حيان التوحيدى وطه حسين والمازنى ويحيى حقى من جهة.وهم أصحاب أساليب، وبين أنور المعداوى ومحمود أمين العالم ومحمد غنيمى هلال ومحمد مندور وجابر عصفور وأىّ شبيهٍ لهم من جهة ثانية،وهم أصحاب أفكار، مستعارة على الأغلب، المهم أننى مازلت مفتونا بالأستاذ، وأيضا بذاكرته، التى رسمته شاباً له رأسان، أحدهما يشبه مكتبة وثائق وأضابير وأسرار، والثانى يشبه دهليز تخمينات وتكييفات ومصالح،لكننى فى اللحظة التى انتبهت فيها إلى ضرورة البحث عن وعيى الخاص بمعونة آخرين يفوقون الأستاذ فى تحررهم من الارتباط بالسلطة، أية سلطة، منذ تلك اللحظة، بدأت المسافة تتسع بين هيكل، بهيكله الضخم معنويا، وبينى، بجسدى الضعيف فعليا، وصرت كلما ابتعدت عنه خطوة واحدة، نبتت فى جناحى ريشة جديدة، ولما أصبح البون بيننا، بعد مرور سنوات طويلة، شاسعاً جداً، تخيلت أننى أستطيع الطيران، واشتطَّ خيالى عندما رأيت الشبان والشابات المحصّنين ضد الافتتان بالأستاذ و قراءته، يملأون الميادين كلها، واشتطَّ أيضا عندما رأيت الزمان يشيخ، وأفكار الأستاذ راسخة لا تتغير، يغذّيها ما ينتقيه كغواص حاذق، من أحداث ومرويّات، يذوّبها فى ماء حياته اليومية، ويشربها على الريق كل صباح، أذكر أن الأستاذ كثيرا ما مدح إريك هوبزباوم ووصفه بأنه أعظم مؤرخى زماننا، كأنه يغرينا بأن نقول عنه مايقوله عن صاحبه، إريك هوبزباوم، صاحب أشهر رباعية عن التاريخ الحضارى لأوروبا منذ أواخر القرن الثامن عشر حتى أواخر القرن العشرين،عصر الثورة، وعصر رأس المال، وعصر الإمبراطورية، وعصر التطرفات، الفرق بينهما يتضح لنا، عندما نعرف أن هوبزباوم يتحاشى السرد الوصفى، ويركز على التفسير الاجتماعى لحركة التاريخ، التفسير من الأسفل إلى الأعلى، وهى أمور لا يحب الأستاذ أن يقربها، لأن تكاليفها عالية، بسببها عانى هوبزباوم، وتأخرت ترقيته الأكاديمية، وتلقّى صنوفاً من النقد المحروم من النزاهة والأمانة العلمية قادها اليمينيون والليبراليون من جهة، والحملات الصهيونية، هوبزباوم يهودى، من جهة أخرى، مما دفعه لأن يردد عبارته الشهيرة: لقد أنجزت ما أنجزت دون أن أقدم أية تنازلات أو أساوم على الإطلاق، وبسبب تفاديها، أعنى أمور التفسير الاجتماعى لحركة التاريخ، التفسير من الأسفل إلى الأعلى،استمتع الأستاذ بالرفاهية و الترف، وكان يجب عليه أن يردد عبارته الشهيرة: لقد أنجزت ما أنجزت دون أن أعرف أطلاقاً أن بعض ما قدمته قد أصبح محض تنازلات ومساومات، قبل أيام رأيت الأستاذ عبر شاشة التليفزيون، فى مكتبه القرمزى أو النبيتى، كانت خلف ظهره لوحة صغيرة لم أتبينها، وإلى جانبه لوحة واضحة، وأمامه المذيعة التى نجحت فى الكشف عن رجوع الشيخ إلى صباه، وتذكّرتُ أن هيكل كان يفاجئنا بحديثه مع كل موجة ثورية منذ الثورة الأولى، فقلت لنفسى ما أشبه الثورتين الثانية والثالثة بالأولى، الصورة كربونية،حتى صورة هيكل، مذيعته فقط تذكّرنى بالسيدة سوزان،الهانم العجوز، بعضنا لا يعرف أن الأستاذ من أئمة السلف الصالح للسلفية المدنيّة، بعضنا لا يعرف أن السلفية المدنية تعتقد الاعتقاد ذاته الذى تعتقده السلفية الدينية حول وجوب عدم الخروج على الحاكم، وهيكل بهذا المعنى مثقف نظامىّ فى كل أطواره، طور ناصر، وطور السادات، وطور مبارك، وطور المجلس العسكرى، وطور مرسى، فهو حليف كل هذه الأنظمة، الحليف الذى ينجح فى إيهامك بابتعاده عنها بقدرٍ يمنعه من التطابق معها، الحليف الذى سجنه حليفه ذات مرة أيام السادات، وخاصمه حليفه ذات مراتٍ أيام مبارك، وطوال عهديهما، وقبلهما وبعدهما، ظل هيكل على موقفه من تحريم الخروج على الحاكم، هذا هو الشرط الدائم لتحالفه، وخصوماته الناعمة أو العنيفة مع السلطة أحيانا، لا تنفى استمرار تحالفه معها، لأن تحالفه إستراتيجى وخصوماته تكتيكية،البعض القليل يتصور أن هيكل متشدد فى سلفيته، وأن تشدده جعله إيديولوجى ناصر، وشريك السادات فى ثورة التصحيح، لعله هو من منحها تلك التسمية، والبعض يتصور أن جذور رؤيته السلفية نشعت منذ الخمسينات، ومع كتابه(أزمة المثقفين) الصادر1961، تحوّل النشع إلى بركة ماء زادتها الأزمنة عكارة، فالرجل،لا مؤاخذة، أقصد الأستاذ، كان يرى أن عدداً كبيراً من المثقفين المصريين، قد أصبحوا فى واقع حالهم يكوّنون طبقة لها مصالحها المتميزة عن مصالح الجماهير، ولها ارتباطاتها الوثيقة مع الطبقة الحاكمة ضماناً لهذه المصالح المتميزة، لقد كان من اللازم بحكم المنطق أن تكون القيادة الثورية لها، للفئات المثقفة، ولكن يوم الثورة، يعنى يوم انقلاب يوليو1952، عندما هلّ فجر ذلك اليوم، جاء ليجدها فى العزلة البعيدة، كانت طليعة الجيش هى الجاهزة للقيادة، الطليعة الثقافية عند هيكل متأخرة دائما عن جيشه،ومازال الأستاذ حتى الآن يشك فيها، حتى أنه فى حواره يتذكر ما قاله له ماوتسى تونج عن أمنيته أن يتخلص من المثقفين جميعا بإرسالهم إلى عدوه فى فورموزا الصين الوطنية،عدوه شيانغ كاى شيك، إياك أن تعتقد أن مثقفى هيكل المهجوّين المذمومين، إذا سحبنا الكلام إلى زمننا، هم مثقفو النظام منذ ثروت عكاشه وعبدالقادر حاتم ويوسف السباعى وأحمد هيكل وعبد المنعم الصاوى وصولا إلى فاروق حسنى وجابر عصفور ومحمد عبدالمنعم الصاوى وصابر عرب وأمينه العام، إنه يقصد المناهضين، أولاد الكلب، الذين يكرهون أنفسهم، ويكرهون الآخرين، عموماً منذ هذا الكتاب ظهرت جوهرة هيكل الفريدة، وأضاءت الماء العكر حولها، فهيكل يعلم وحده أن الجيش بشكله العام فى أى بلد خادم للنظام الواقعى فيه،لأننا نظن أنه خادم للشعب لا للنظام، لكنه بكتابه ،أزمة المثقفين، أصبح يعلم ما هو أكثر، يعلم أنه إذا كانت بلاد الله خلق الله، البلاد كلها شعوباً لها جيوش، فإن مصر تمتاز عليها بأنها جيش له شعب،وهذه خصوصية مصر، والتاريخ المصرى الحديث عند هيكل يتدرج هكذا:نجيب، ناصر، السادات، مبارك، المجلس العسكرى، السيسى، وكلهم عسكريون، تذكروا معى حواره مع أمير قطر الذى شكا من التفاوض مع تسعة عشر شخصا أعضاء المجلس، فطمأنه هيكل، قائلاً:قريبا ستحاور شخصا واحدا، سأله:من؟، قال:السيسى، مع العلم أن السيسى ليس رئيس الدولة، إنه وزير الدفاع، هل هناك فرصة لتأويل آخر، كأن نظن أن هيكل يشير إلى احتمالات انقلاب عسكرى، ومع ذلك أعترف أننى أعذر هيكل، وأعذر رؤيته أن مصر جيش له شعب، فهو من عزبته فى برقاش أو شقته على النيل لا يستطيع أن يرى إلا هؤلاء بنياشينهم، فهم الذين سيحمون أماكن إقامته، نحن لا نعرف إن كانت هى التى حدّدت زاوية نظره، أم أن زاوية نظره هى التى حددت أماكن الإقامة، وأصحاب النياشين سيحمونها بحماية التراتب الاجتماعى، معلومات هيكل الوفيرة تفقد قيمتها بسبب زاوية نظره،تفصله عن الشباب، وتقرِّبه من الأنظمة التى تحمد لهيكل تحاشيه أصل السياسة، تحاشيه الصراع الطبقى والعدالة الاجتماعية، وتشبثه بالقضايا الوطنية، وكلها تستطيع الأنظمة أن تقبلها ما دام الأستاذ قد جعلها حدوده القصوى، شرط ألا تتجاوز كثيراً حدود النظام الذى يعيش فى ظله، لوهلة تبدو لى خطيئة هيكل الثانوية فى حواره منذ أيام، هى استجابته لإجراء حوار هو بمثابة منح المصداقية لمذيعين ومذيعات يذكّروننا بما نكرهه، يذكروننا بالطاغية السابق وزوجته وابنيه وحاشيته،خاصة أن الثورات لا تنسى، قد تتسامح أحيانا، ولكنها لاتنسى،وخاصة أيضا أن هيكل رمز عزيز، وضيف قليل الظهور على الشاشات، مما يُلزمه بالاختيار،حتى لو كان الاختيار بين عرض مالى أقل ومذيع لم يكن يوما من أعداء الثورة، وخاصة، ثالثا، أن حديقته أصبحت مليئة بهؤلاء:عادل حمودة وجمال الغيطانى ومجدى الجلاد ومصطفى بكرى ولميس الحديدى، وأظنها ستضم الأخوين عماد أديب وعمرو أديب وتوفيق عكاشة، وخيرى رمضان والسيد على وأبا سفيان بن حرب، وسيصفقون له عندما يبتسم ويقول:مصر جيش لديه شعب، مصر جيش لديه شعب.qadqpt