«بصمة الإنسان»… وجوه ترسم ملامح تزفيتان تودوروف

محمد عبد الرحيم
حجم الخط
0

القاهرة ــ «القدس العربي»: «في هذا الكتاب أقدم عددا من (الصور) أو (الوجوه) لا يجمعني بها في حقيقة الأمر أي شيء، سوى الاعتراف بالجميل الذي أشعر به تجاههم. وهي في الوقت نفسه طريقة لرسم صورتي الذاتية». هكذا يقدم تزفيتان تودوروف (1 مارس/آذار 1939 ــ 7 فبراير/شباط 2017) تأملاته حول بعض الشخصيات التي انعكست على تجربته الشخصية والفكرية، سواء قابلها وتحاور معها حقيقة، أو من خلال كتاباتهم. سنجد ملامح مغايرة لكل من رومان ياكوبسون، ميخائيل باختين، إدوارد سعيد، ريمون آرون، وجيرمين تييون. من خلال مقالات مختارة كتبت ما بين عام 1983، وحتى عام 2008. صدر الكتاب عن الهيئة العامة لقصور الثقافة في القاهرة، ترجمة نجلاء أبو النضر.

وجه المنفى

يُشير تودوروف إلى العديد من السمات المشتركة بينه وبين إدوارد سعيد، بداية من اللقاء الأول الذي جمعهما عام 1974. ومن هذه السمات أن كلا منهما أتى مهاجرا من الهامش، حيث «الإحساس بالنقص تجاه أوروبا الغربية وأمريكا الشمالية، إحساس قد يولد خليطا من الحسد والغيظ». ويلفت تودوروف النظر إلى كتاب سعيد الأهم «الاستشراق»، فلم يكن الموضوع رد اعتبار للشرقي الذي عومل بقسوة من قِبل الغربيين، بل كان أكثر راديكالية، فـ(الشرق) غير موجود إلا كتلفيق، كقصة اختلقها الغربيون… وقد اكتفى سعيد بإرجاع انحراف المستشرقين بسبب انتمائهم إلى الغرب، وهذا ما يعد تعميما إلى حدٍ كبير. هذا المأخذ على وجهة نظر سعيد في تناوله مسألة الشرق تتصاعد نغماته الآن في أكثر من قراءة فاحصة وناقدة لكتاب إدوارد سعيد. وعن الاختلافات بين تودوروف وسعيد، خاصة وجهة النظر للعدو الذي يجب مواجهته، فالعدو الرئيسي بالنسبة لسعيد هو الاستعمار الأوروبي والأمريكي، أما تودوروف فهو الشمولية والشيوعية أو النازية، فرغم النظام البوليسي في بلغاريا إلا أنها دولة قائمة، موجودة، بخلاف فلسطين التي أصبحت غير موجودة ككيان، أو أرض بلا شعب، وهكذا يشعر سعيد ــ حسب تودوروف ــ بأن هذا يعد رفضا لوجوده، ونفيا لذاته. بدون أن ينسى سعيد أبدا أن الفلسطينيين ما هم إلا (ضحايا الضحايا)، وهذا ما جعله في مواجهة كل من القوميين العرب، الذين يرونه خائنا، والمتطرفين الإسرائيليين، الذين يرونه إرهابيا.

وعن الاختلافات بين تودوروف وسعيد، خاصة وجهة النظر للعدو الذي يجب مواجهته، فالعدو الرئيسي بالنسبة لسعيد هو الاستعمار الأوروبي والأمريكي، أما تودوروف فهو الشمولية والشيوعية أو النازية

وجه المقاومة

ريمون آرون (1905 ــ 1983) وجيرمان تييون (1907 ــ 2008)، شخصيتان متباينتان، كل منهما اختار طريقه في المقاومة، فالأول معلق سياسي وكاتب وباحث تاريخي، له مواقف حادة من النازية والشيوعية واليسار الفرنسي. والثانية باحثة أنثروبولوجية انخرطت في المقاومة الفرنسية، وعانت من تجربة معسكرات الاعتقال، وقدّمت والدتها قربانا لعقيدتها (المقاومة ضد الاحتلال). يبحث تودوروف من خلالهما عن كيفية اختبار الاعتقاد وتحولاته جرّاء تجربة حقيقية، بخلاف التنظيرات والنضال في الحجرات المغلقة. حذّر أرون من طفولة اليسار الفرنسي وانتصر للثورة الجزائرية، وتساوى لديه الخطر النازي ثم الشيوعي بعد ذلك، واصفا كل منهما بـ(الديانة العلمانية)، حتى أنه بعد القضاء على هتلر ومشروعه، وظهور ستالين واستبداده، أطلق مُسمى (الستار الحديدي)، فاختلف مع شيوعيي فرنسا، وناضل هذه المرّة من الداخل، فهو يرى أن جرائم النازية ما هي إلا تطبيق للمشروع النازي، بينما جرائم الشيوعية فهي خيانة للمشروع الشيوعي. تطور الوعي هذا لم يأت مصادفة، ولكن بعد إعادة صياغة لهذه الأفكار واختبارها، فإن كان في الماضي يبرر أن إبادة ستالين للفلاحين شيء منطقي، بخلاف إبادة اليهود من قِبل هتلر، إلا أنه في النهاية يتوصل إلى أن هذا الاختلاف وهمي .. «الشيوعية في نظري ليست أقل بغضا من النازية».
أما تييون التي خبرت الشعب الجزائري عند دراساتها الأنثروبولوجية، ومعايشتها للناس هناك، ثم اشتراكها في المقاومة الفرنسية، وصولا إلى موقفها من الحكومة الفرنسية ورجالها من قضية استقلال الجزائر، فقد كانت تعيد بدورها صياغة لبعض الأفكار التي لا تبتعد عنا اليوم في الشرق الأوسط، حول وجهة النظر الخاصة بـ(الإرهاب)، فهل كانت هي ورفاقها إرهابيون عندما دافعوا عن بلدهم؟ وبالتالي هل يمكن وصف المقاومة الجزائرية بالإرهاب؟ هكذا كانت ترى ضعف بلادها وتهافت المعايير التي تنادي بها فرنسا في وجه العالم، صورة الحرية والمساواة الممسوخة.. «عندما كنت أرى الجنود الفرنسيين يفتشون الفلاحين الجزائريين، كان هؤلاء يرفعون أياديهم وفي عيونهم النظرة الضائعة نفسها، التي كنت ألمحها عند توقيفهم من قِبل عملاء الجستابو».
الكتاب: «بصمة الإنسان»
المؤلف: تزفيتان تودوروف
ترجمة: نجلاء أبو النضر
الهيئة العامة لقصور الثقافة، سلسلة آفاق عالمية، القاهرة 2018.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية