سليم البيك
الشعب يريد إنهاء الانقسام؟ ما المقصود بهذا الشعار الفلسطيني الجديد؟ لنتفق على المفردات أولاً: ‘الشعب’: أي شعب؟ أحد أسوأ الشعوب في الاتفاق على أمر ما هو نحن. سأضع جانباً التباينات الجغرافية لأماكن تجمّع / تشتّت هذا الشعب. سأتكلم فقط عن التباينات السياسية / الفصائلية. بالنسبة للشعب بمجمله، أليست حماس تمثّل نسبة لا بأس بها منه؟ أليست فتح كذلك أيضاً؟ أليست أغلبية هذا الشعب تنفر من سياسات وسلوكيات وتصريحات (وربما تاريخ) الفصيلين؟ من يريد إنهاء الانقسام هنا؟ الشعب؟ أي شعب وفينا نسبة ‘لا بأسين’ بها ضمن فتح وحماس؟ هل فتح وحماس بكل كوادرهما وقياداتهما تريدان المصالحة وإنهاء الانقسام؟ إن كان ظنُّ القارئ ‘نعم’، فهذا القدر من المقالة يكفيه.
وإن كان ‘لا’: فلنتكلّم عن الانقسام. أليست سياسات وتصريحات حماس وفتح هي ذاتها في الجوهر؟ ألا تمثّلان (قيادة وكوادر) سياسة واحدة وواضحة وضيقة ورفضيّة ومتعنّتة تجاه ‘إرادة إنهاء الانقسام’؟ ومن هنا أسأل: ألا تمثّلان نظاماً واحداً وإن كان مزدوجاً؟ لنفترض أن الشعب يريد إنهاء الانقسام، وأن هذا الشعب الذي يريد إنهاء الانقسام لا يمكن أن يحوي أي فتحاوي أو حمساوي طالما أن إنهاء الانقسام عند كل منهما هو فعلياً إنهاء الطرف الآخر، فلا يعود هنالك طرف آخر وبالتالي لا انقسام؟ بسيطة. إذن ما يريده الشعب (دون جماعة الفصيلين) فعلياً ليس إنهاء الانقسام، بل إنهاء النظام، أكان منقسماً أم موّحداً.
وإن كان لأي من أبناء فتح أو حماس كلام آخر، فليلفظ فصيله ثم يحكيه، لأن كليشيه (العبارة المبتذلة) ‘التغيير من الداخل’ لم تعد تجدي مع حالة العفن التي تفشّت في كلا الفصيلين.’يريد’: طيّب، فلنعرف أولاً ما يريده الشعب تحديداً.’إنهاء’: هنا آتي إلى هذه المفردة، ما المقصود بـ ‘إنهاء’ الانقسام؟ انحلال وتماهي فتح في حماس أو الأخيرة في الأولى؟ حسناً، أليستا (مجدداً) نظاماً واحداً بوجهين، بفلقتين؟ أليس من الأنسب أن نطيح بهذا النظام لا أن ننهي انقسامه وانفلاقه الذي قد تتحقق عودتي، كلاجئ، إلى فلسطين قبل إنهائه بمصالحتهما؟’الانقسام’: الشعوب تريد إطاحة أنظمة وطواغيت، وتغيير دساتير، ونحن نكتفي بإنهاء الانقسام؟ نحن فلسطين وثورة والله وانتفاضة وجبهات وكلاشنات.. حسناً أنهينا الانقسام، ثم ماذا؟ انتهى الانقسام، ثم ماذا؟ آه؟ حكومة وحدة وطنية فلسطينية؟ (لم الإصرار أساساً على الحكومة؟) إعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية بمشاركة كل من حماس والجهاد؟ (لم الإصرار أساساً على المنظمة؟) وكل ذلك لم يتم في عز دين الانتفاضة الأخيرة، متى سيتم؟ على أي أساس؟ في أي ساعة؟ وفي غزة أم رام الله؟
لم أفهم ‘الشعب يريد إنهاء الانقسام’، لم أفهم قمة الإبداع في الشعارات الفلسطينية وكأنها تصاغ تحديداً كي يُعجز عن تحقيقها بكل الأحوال. لكن لحظة، أليس في ذلك إبداعاً؟ إعجازاً؟ نعم إعجاز، هذه هي الكلمة.’وحدة وحدة وطنية.. فتح وحماس وشعبية’ وهنالك من أعطى الشعار شطراً يتسع به إلى أكبر عدد من الفصائل فيصبح ‘وحدة وحدة وطنية.. فتح وحماس وشعبية.. جهاد وديمقراطية’. أليس شعار ‘الشعب يريد إسقاط النظام’ في كل من تونس ومصر وليبيا قبل عام من ثوراتها، أليس أكثر واقعيةً من ‘وحدة وحدة وطنية… الخ الخ’؟ أليس هذا الشعار الفلسطيني هو التجسيد الأمثل للإعجاز الذي يبدعه هذا الشعب العظيم؟
ماذا أريد؟ (أنا، فرد من هذا الشعب) ليس إنهاء الانقسام، أي لا تماهي أي من الفصيلين بالآخر لأن أحدهما لن يقبل بحلّ يتوسّطهما ويتشاركان به مع غيرهما من الفصائل، ولأن كليهما يتشاركان ويتّفقان في ما أريد إسقاطه. أريد ببساطة إسقاط ما يتشاركان به ويتفقان فيه، إسقاط النظام بسلطتيه، الإطاحة بالنظام الفلسطيني ذي القطبين المتماثلين. فليكن واضحاً: إسقاط النظام، لا إنهاء الانقسام، وإسقاط النظام يبدأ، فقط يبدأ، بإسقاط الفصيلين وسلطتيهما.
ماذا أريد؟ أن تُحل السلطتان، ولا بأس بحل الحركتين، أن تُحل منظمة التحرير، أن يعاد تأسيس الأحزاب بما فيها اليسار الفلسطيني الفاشل. أن تتشكل جبهة وطنية واسعة تليق بهذا الشعب.www.horria.org