بضعة انطباعات عن حوار المشير

تصادف منذ فترةٍ طويلة أن عرفت شخصاً كان يحلو له ترديد المثل الصيني ‘تكلم حتى أراك’، إلى درجةٍ أصابتني بالملل؛ حينها، لم أعره اهتماماً، خاصةً أنني كنت مدعوماً بذلك القدر من الطيش والاستخفاف بآراء الآخرين الذي لا يتوفر إلا لشابٍ يتصور أنه يعرف كل شي بناءً على بضعة كتب وقراءاتٍ أخرى متناثرة، وأن ذلك الشخص بدا لي متحذلقاً مدعيا.. لكن كر الأيام أثبت لي مدى رجاحة وحصافة تلك الحكمة.
المهم، لقد تبين لي يوماً بعد يوم أن أخانا المرحوم يوليوس قيصر (والعهدة على عمنا شكسبير) كان مصيباً حين فضل أن يحيط به من ينامون الليل، ووصف من تنطق نظرتهم جوعاً بالخطورة.. ويلحق بهم الصامتون، في رأيي، فأولئك لا تعرف ماذا يدور في أذهانهم.. قد يتصور الحذرون منا لوهلة أن شيئاً خطيراً أو ذا بال ربما يختمر في تلك الرؤوس المغلقة كالصناديق، لكن أغلبنا ينزلق إلى شعورٍ خادعٍ بأنهم فارغون.. وهنا مكمن الخطورة، فحين يتكلم المرء قد يقول ما لا يعني، إلا أنك تستطيع عن طريق تحليل الخطاب أن تدرك أي انطباعٍ يريد أن يخلق لديك وأي صورةٍ ذهنية يريد أن يعكس عن نفسه، ناهيك عن سقوط كلمةٍ هنا أو إيماءةٍ هناك، تكشف مكنون نفسه ونواياه الحقيقية.. ليست بالمرة الأولى التي نسمع فيها صوت المشير السيسي، فقد القى الكثير من ‘الكلمات’ في مناسباتٍ شتى، إلا أنه في الحقيقة لم يكن يقول شيئاً حينها.. مجرد كلمات عاطفية تدغدغ المشاعر وتستثير الحمية الوطنية وبضعة تأكيدات على مبدئية دوافعه وتحركاته يدفع بها عن حراك 30 يونيو الثوري شبهة المؤامرة والانقلاب.
طلبٌ بالتفويض في محاربة الإرهاب ومحاولاتٌ لحشد الجماهير وراءه، وقد كان كل ذلك يصب في ذلك القالب المعد سلفاً، والموقف المتخذ فعلياً من الرجل لدى كل من أنصاره ومعارضيه.. ولكنني أزعم أن أياً من الطرفين لم يكن يعرف الرجل، وإنما يسقط عليه تصوراته، أحدهم يراه بطلاً قومياً محرراً، والآخر لا يرى فيه سوى ديكتاتور عسكري من النوع الذي أتحف العالم الثالث به التاريخ.. ربما لم يغير أيٌ من الطرفين الآن أفكاره، ولكننا صرنا أمام إنسانٍ بدأت تتشكل له في أذهاننا ملامح حقيقية من لحمٍ ودم، وبدأنا نرى شيئاً من ذهنيته والأهم من آليات عمل دماغه.
لقد سكت الرجل طويلاً، وحين تكلم تكلم كثيراً وأسهب في توضيح رؤاه وأفكاره، لكن الأهم في رأيي هو: ما وراء الكلام.. كيف يفكر وما هي شخصيته؟
الحقيقة أن الرجل أراح فلم يترك حيزاً للغموض. هو شخصٌ ذو حضورٍ وشخصيةٍ قويةٍ طاغية بلا شك، تدعمه وتعضده المؤسسة الأمنية- الاستخباراتية -العسكرية، وليس أدل على ذلك من حالة الخوف الذي وصل أحياناً حد الهلع الذي تلبس ‘الإعلاميين’ اللذين أدارا الحوار معه وأطلت من عيونهم.. ذكي بكل تأكيد ويعرف كيف يتكلم وإلى حدٍ بعيد كيف يتهرب من سؤالٍ ما حين يريد بحرفية المتمرس.. حين يريد.. يختار أن يبدو مهذباً متحضراً، إلا أنه قد ينفعل ولا تملك سوى أن تشعر حين تدقق النظر أنه إنما يتخذ قراراً في لحظةٍ ما إزاء سؤالٍ بعينه أن يسمح لنفسه بالانفعال لتأكيد معنىً ما أو إيصال رسالةٍ تفيد بالحسم والقطع، لاسيما أن نظرته الثاقبة ومجمل حركاته توحي بالشباب والحيوية والنشاط بطريقةٍ متعمدة، لتأكيد ذلك الدور المتجدد بما يناسب المرحلة لمؤسسةٍ عسكرية ينتمي لها، مؤسسة كانت ابتعدت عن المعادلة السياسية نسبياً لفترةٍ طويلة؛ ويا لها من مفارقةٍ تلك، إذ كلما ازداد حرصه على نفي ارتباط ترشيحه لمنصب الرئاسة بالمؤسسة العسكرية ازداد ذلك المعنى رسوخاً!
لقد استغل الرجل ذلك المنبر لإيصال رسائل واضحة للجمهور: أولها تدينه المعتدل واستقامته والتزامه الأخلاقي، فالرجل لا يخشى أن يجر إلى صراعات الهوية مع القوى الإسلامية، وتحديداً الإخوان المسلمين، على العكس من ذلك فهو يزايد.. فهو المسلم الحق الذي يفهم معنى الإسلام. كما حرص أيضاً على التأكيد على انحيازه المطلق وغير المهاود للطبقات الأفقر و’الأكــــثر عوزاً’، كما كرر أكثر من مرة، أولئك الذين أضـــــيروا خلال الأربعين عاماً الماضية، في لفتةٍ إلى استثنائه عبد الناصر مما لحق بمصر من مشاكل وتفاوتات اجتماعية واضمحلال.. كلها رسائل شعبوية لحشد التكتلات الأضخم من الشعب..
لدى الرجل قناعاتٌ تبدو راسخة، ولا تعلم من أين تساقطت ولا كيف ترسبت في ذهنه ولا من أين التقطها، غير أن المشكلة الحقيقية تكمن في انحيازه وتشبثه بها بصورةٍ تفتقر إلى أي مرونة، وإزاء حسمه وصلابته وما يتمتع به من دعمٍ من الدولة العميقة، يصبح من المشروع والمنطقي التساؤل: كيف سننشئ حياةً ديمقراطية؟! من السخف الحديث عن حقوقٍ دستورية، لأن المشكلة عادةً ليست في جودة النصوص وإنما في تفعيلها.. في ميزان القوى على الأرض، وفي حالة مصر فإن القوة النسبية والمطلقة مع هذا الرجل والنظام، خاصةً أن الجمهور قد سئم وأنهك، وليس أدل على ذلك من عودة تلك المعادلة الشهيرة التي تؤكد أولوية الأمن والإنتاج فوق الحقوق الديمقراطية، في حين أن التاريخ علمنا أن تلك بداية الطريق لفقدان كليهما.
لقد تطرق الرجل إلى تفاصيل كثيرة لعل بعضها ممل وبعضها الآخر مدهش وسخيف بكل صراحة، ووراء لافتة كبيرة براقة من الشعبوية والانتصار للفقراء، برز الكثير من التزامات عهد مبارك كالعلاقة من السعودية مثلاً..
مخطئٌ من يتناول باستـــــخفافٍ ذلك الرجــــل، كأن يسترجع من حديثه جملةً هنا أو هناك متندراً، فالرجل خطير.. لا يهم كلامه فذلك عرضة للتغيير وأقرب مثالٍ على ذلك هو ترشحه بعد وعودٍ بعدم ذلك، وإنما المهم قوته على الأرض وتصميمه مـقابــــل إنهاك الجمــــهور وعدم استكمال القوى الأخرى لقواعدها الجماهيرية..
‘غربالٌ جديد ذو شدة’ كما نقول في مصر، فقد أخفــــى قبضتيه القويتين وراء قفازٍ من الحرير أثناء الحوار.. أخــــفاهما بحيــــث يظلان بارزين مهددين ويستطيع خلق انطباعٍ بالقوة والحسم لدى جماهير خوفها من المستقبل المظلم والإرهاب.. انه يملك الإجابة والحل. قد استرسل في تحليل تفاصيل خطابه، إلا أن ذلك لن يغير من الواقع ومن وقع كلامه ونواياه شيئاً، ولا من حقيقة أننا على الأغلب لم نسمع ولم نر آخر ما عند ذلك الرجل.. الأكيد أن زمن الرتابة انتهى وفي وجوده على رأس السلطة (وهو الأرجح) فإن مصر ستقبل على أيامٍ حافلة، وهذا أقل ما يقال!

كاتب مصري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية