بطاقات بمناسبة عيد الفطر.. نسيم حرية وروائح موت وجوع

حجم الخط
0

عبد الحميد صيام كل عام وأمتنا بخير. دعونا نفرح قليلا بأيام العيد هذه ضاربين صفحا مؤقتا عن الهموم والأحزان الكثيرة التي ما زالت تضرب بجذورها في بلاد العرب والمسلمين. نود في هذه الأيام أن نمارس حقنا في الفرح ولو مؤقتا وخاصة بعد سقوط ثلاثة طغاة في نصف عام والحبل على الجرار. فهناك للفرح مطرح مخالفين المثل الشعبي الذي يقول ‘جاءت الحزينة تفرح فلم تجد لها مطرح’ مع الإعتذار من سيبويه لعدم نصب كلمة مطرح لضرورة نغم القافية. هناك متسع من الوقت لتذاكر الأوجاع والأحزان والمصائب المنهالة على رؤوسنا من فلسطين وسوريا واليمن والعراق والصومال وباكستان وأفغانستان. ففي هذا اليوم، قررنا نحن الغلابى والمساكين والأبرياء من أبناء هذه الأمة أن نمارس حقنا في الفرح، وهل هناك أجمل من أن يتشارك الإنسان وأحباب قلبه وذويه في لحظات السعادة النادرة التي تمر مر السحاب، خاصة وأن أيامنا التي نفرح فيها قليلة وأيامنا التي نغتم فيها ونغضب لما يجري من مصائب وتناحر وكوراث طبيعية وأخرى من صنع الإنسان وتفتيت طائفي وعرقي وتنازلات مجانية في القضايا المصيرية وحرف متعمد للبوصلة عن العدو الحقيقي أكثر من أن تحصى. لقد أصبح حالنا ينطبق عليه ما قاله أحد المغنين النائحين بصوت يجرح شغاف القلب واصفا كتاب حياته بأن ‘الفرحة فيه سطرين، والباقي كله عذاب’. نتمنى على إخوتنا العرب أن يمنحونا من وقتهم دقائق قليلة لنتذاكر سويا بطاقات المعايدة هذه التي أرسلت إليهم من تونس ومصر وليبيا وسوريا واليمن والصومال. ثلاث بطاقات من تونس ومصروليبيايا أبناء أمتنا العربية الخالدة، مئة مليون عربي من إخوتكم يتنفسون هذا العيد هواء أنقى من الذي استنشقناه قبل عام فالعيد هذه المرة جاء مغمسا بنسيم الحرية النقي بعد سنوات القهر والظلم والفساد الثلاثة والعشرين في تونس والثلاثين في مصر والإثنتين والأربعين في ليبيا. يهل عيد الفطر علينا هذا العام ونحو ثلث أمتكم العربية يعيش فرحة التحرر من قيود الطغيان والقهر والهوان، فللعيد هذا العام في بلداننا مذاق خاص لأن شمسه تشرق ورجال الأمن لا يلاحقوننا وأقبية السجون تكاد تكون فارغة من معتقلي الرأي والضمير والسلطة الحاكمة ليست منزهة ولا مؤلهة ولا محصنة من الانتقاد ورموز النظام إما مختبئ في منفى أو معتقل رهن المحاكمة أو هارب كالجرذ. أولادهم المدللون وزوجاتهم المستبدات وزبانيتهم الفاسدون وأبواق دعايتهم المنافقون إما قيد الإعتقال أو مطاردون أو فارون من وجه العدالة أو قابعون في المنافي. السلطات المؤقتة في بلداننا الثلاث أقرب إلى نبض الشارع وهموم الناس العاديين وأكثر استجابة لرغابتنا وأكثر معرفة بقوتنا وقدرتنا على فرض إرادتنا وإجبارهم على التنحي إن لزم الأمر كما فعلنا مع بعض وكلاء الطغاة الذين استندوا عليهم كي يؤمنوا لهم هروبا مشرفا. الآن يستطيع أي مواطن أن يصرخ في وجه الحاكم ويعرب عن غضبه أو رضاه وأن يعود إلى الميدان للضغط على القيادة المؤقتة لمزيد من الاستجابة لمطالب الثورة وشبابها الواعين. الشعب في تونس سيقوم بزيارة لمرقد شيخ المناضلين الشهيد محمد بوعزيزي ليترحم على روحه الطاهرة ويطلب له الغفران من الرحمان الرحيم فهو صانع الفرحة في هذا العيد لعشرة ملايين من إخوتكم وأخواتكم في تونس الخضراء ومشعل فتيل الثورة في طول الوطن العربي وعرضه. وشعبكم في مصر لن ينسى في هذا اليوم الشهيد خالد سعيد رفيق بوعزيزي في الفردوس الأعلى والذي أشعلت وفاته شرارة الغضب في الشارع المصري وتحول الغضب إلى حركة جماهيرية راقية قلما يشهد التاريخ مثيلا لها. أما في ليبيا فلا مناص من أن نقف لتلاوة الفاتحة على روح الشهيد على حسن الجابر مصور الجزيرة الأبرز الذي ساهم دمه مع أرواح نحو 20 ألف شهيد في تحرير ليبيا من براثن الطاغية الأكبر وأولاده الفاسدين. كما أن قلوب الأمة كلها ستتجه نحو مدينة مصراتة لتحية صمود أهلها الغر الميامين وتقرأ الفاتحة على أرواح 291 شهيدا من شبابها المقاتلين الذين صنعوا صمودا أسطوريا في وجه آلة القتل التي مارسها العقيد الأرعن وأولاده المغرورن ومرتزقتهم. هذا عيد يبشر بالخير في بلداننا الثلاث. راجعونا يا أبناء أمتنا بعد عام. لا تتعجلوا في إصدار أحكام سريعة على فشل الثورات أو استلابها أو تجييرها لقوى خارجية. أعطونا مهلة لترتيب البيت الداخلي ثم تفضلوا لزيارتنا في العيد القادم لنحتفل معكم وبكم بربيع عربي جميل.

بطاقتان من سوريا واليمنرائحة الدم في كل مكان من الفيحاء إلى الشهباء ومن بلد خالد إلى بلد أبي العلاء. العيد يا أمتنا في قلب العروبة النابض موشح بالحزن والهم والغم على أرواح الشهداء الذين يسقطون كل يوم وعلى ما تخبئه الأيام لنا بعد أن حسم هذا النظام الدموي خياراته باستخدام الطلقة والقذيفة والسجن وآلات التعذيب والموت لكل من يهتف للحرية والكرامة أو يـُشك في ولائه لا يستثني في ذلك طفل أو إمرأة أو إمام أو شيخ أو مريض. شعبكم في سوريا يا إخوتنا يقبع تحت شبح الموت. فالخروج في مظاهرة عبارة عن مشروع للاستشهاد. لم يشهد التاريخ مثيلا لمثل هذا الحقد على الجماهير العادية البسيطة التي خرجت في الشوارع تطالب بحقها في العيش بكرامة وحرية تصرخ بأن أربعين عاما من القهر والإذلال والتعذيب تكفي. مطالبنا التي نصر عليها ولن نتراجع عنها تتلخص في بناء دولة الحرية والكرامة والتعددية والمواطنة المتساوية ونبذ الطائفية واحترام حقوق الإنسان وتبادل السلطة وسيادة القانون والاستثمار الرشيد ومحاربة الفساد وتغول أجهزة الأمن الهمجية وتحويل الجيش إلى أداة لتحرير الأجزاء المحتلة من الوطن لا قوة تقتحم المدن السورية. إن مسرحية العصابات المسلحة ما هي إلا من نسيج خيال ساذج ومريض وعناصر الجيش والأمن التي تـُقتل إنما برصاص شبيحة النظام الذين يفرغون رصاصاتهم في كل من يتمرد على أوامر قتل المتظاهرين الأبرياء أو تعذيبهم والدوس على رؤوسهم بالبساطير. في هذا العيد يا إخوتنا تذكروا شعبكم في سوريا وترحموا على أكثر من 2,200 شهيد من بينهم أكثر من 300 طفل قد لا تعرفون منهم إلا حمزة الخطيب لكننا نؤكد لكم أن هناك الكثيرين من أمثال حمزة. تذكرونا وأجهزة الأمن تلاحقنا وتقتلنا وتعذبنا ولا تتساهل مع كاتب أو رسام كاريكاتير أو مذيع أو ممثلة أو ناشط في مجال حقوق الإنسان. لكننا يا إخوتنا قررنا أن نستمر بالثورة حتى النهاية، ‘فنحن الواقفين على خطوط النار نعلن ما يلي:’ لن نترك الخندق حتى يمر الليل والآن في درعا وحمص وحماة وإدلب قد ظهرت سمات الحمل'(مع الاعتذار لمحمود درويش لتحريف بعض من شعره). أما نحن في اليمن غير السعيد فيا إخوتنا لقد بلينا بهذا البلطجي الأميّ الذي يجثم على رقبانا منذ 33 سنة وقد حول البلاد إلى عزبة له ولأولاده وأقاربه، وحول العباد إلى خدم وعبيد وباع كرامة الوطن وحوله إلى مزق وكانتونات يحارب بعضها بعضا فأفقر الناس وأذلهم وأدخلهم في حروب ليست حروبهم وحول يمننا السعيد إلى مستعمرة داخلية له ولأولاده وأسياده كما قال شاعر اليمن العظيم المرحوم عبد الله البردوني الذي وصف بلادنا تحت حكم الطاغية:

يمانيـون فـي المنـفـى ومنفيـون فـي اليـمـن ِ جنوبيون في (صنعـاء) شماليون في عدن ِترقـى العـار مـن بيـع إلـى بيـع بــلا كـفــــن ِ ومـن مستعـمـر غــاز ٍ إلـى مستعمـر وطـنـي وعندما هب الشعب قاطبة في وجه هذا الأبله تعامل معهم بالقتل والاغتيال مرة وبالخداع والدجل والكذب مرارا. وهو ما زال يحلم من منفاه أنه سيعود إلى عرشه ونؤكد لكم أن هذا من ضرب الخيال وأن حسم الأمور قد بات وشيكا فهو ليس أشطر من صديقه العقيد المخلوع الذي أطلق ترسانة من صوراريخه على شعبه وها هو الآن فار من العدالة لا يسعه شارع ولا بيت ولا زنقة.

بالتأكيد فهذا العيد لن يكون عيدا سعيدا في اليمن غير السعيد إلا بعد رحيل النظام وأذنابه الصغار والكبار. ونود أن نعترف لكم بسر قد تعرفونه جميعا أن النظام قد سقط منذ فترة لولا أجهزة التنفس الإصطناعية التي وضعتها دول مجاورة في جثته لتبقيها على رمق الحياة خوفا من أن يسجل انتصار آخر للثورات العربية على مقربة من طاقم السلاطين الذين يديرون بلادهم بعقلية القرون الوسطى. موعدنا معكم قريب يأ أهلنا بعد أن نكنس من اليمن ما تبقى من فلول الطاغية لنحتفل معا باستعادة اليمن من براثن هذا الأبله المهووس بالسلطة.

بطاقة من الصومالإخوتكم في الصومال يموتون جوعا- سيان علينا إن صمنا أو لم نصم. كلاهما يؤدي إلى الموت والعيد بالنسبة لنا مجرد يوم آخر لدفن موتي الصيام المستمر منذ أشهر. أرسلوا لنا فضلات موائدكم العامرة تنقذونا من موت محتم والسلام.’ أستاذ جامعي وكاتب عربي مقيم في نيويورك

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية