بعث الغساسنة حكاية درامية لصعود دولة عربية علي تخوم الامبراطورية: ابناء غسان بين تأكيد عروبتهم.. وولائهم للامبراطورية وذاكرة الأحزان

حجم الخط
0

بعث الغساسنة حكاية درامية لصعود دولة عربية علي تخوم الامبراطورية: ابناء غسان بين تأكيد عروبتهم.. وولائهم للامبراطورية وذاكرة الأحزان

ابراهيم درويش بعث الغساسنة حكاية درامية لصعود دولة عربية علي تخوم الامبراطورية: ابناء غسان بين تأكيد عروبتهم.. وولائهم للامبراطورية وذاكرة الأحزانالغساسنة والمناذرة هما دولتان قامتا علي تخوم الجزيرة العربية قبل الاسلام، وهما دولتان يمكن ان نصنفهما بالتعبيرات الاجتماعية والسياسية الحديثة وظيفيتان ارتبط وجودهما بالدول الكبري في ذلك الوقت وهما الدولة الفارسية الكسروية والبيزنطية، وظل وجودهما محصوراً بالدفاع عن مصالح الامبراطوريتين والذود عنهما ومنع القبائل العربية من تشويش الامن وشن الحروب والغارات ضد مصالح الدولتين في وادي الرافدين او الهلال الخصيب، ولكن مصطلح الدولة الوظيفية قد لا يصلح وصفا الا لتقريب الدور الذي لعبته هاتان الدولتين، اذ ان النزعة العروبية ادت الي محاولات استقلالية وتشكيل رؤية مختلفة عن الدولة المركزية في المدائن او في القسطنطينة وكان شيوخ العرب او حكام هذه الدويلات احيانا يدفعون ثمنا غاليا جراء تمردهما علي الدولة الحامية، حدث هذا لاذينة حاكم تدمر ولزنوبيا الملكة العربية التي سيقت بالاغلال لروما وماتت بالسم، او امرؤ القيس الذي عرف بالادبيات العربية القديمة بالملك الضليل، حيث مات قرب انقرة وقيل انه مات متأثرا من درع مسمومة اهداه اياها الامبراطور جستنيان الذي وعد بمساعدته. قصص الدويلات العربية في الجنوب او الشمال من الجزيرة العربية سجلها المؤرخون العرب في التوثيقات المعروفة بايام العرب وهي القصص التي تتحدث عن مجمل الميثولوجيا العربية قبل الاسلام، والمعارك القبلية والسياسية واشعار واداب وحكم العرب، ومن المؤلفات الجيدة والتي صدرت قبل زمن طويل بالانكليزية كتاب نيكلسون تاريخ ادبي للعرب والذي قام بتسجيل هذه القصص والايام في طابعها الحكائي والاسطوري، والكتاب الذي صدر عام 1911 يظل من الكتابات الهامة في هذا السياق، ولكنه مثل الكتابات الادبية الاولي محكوم بزمنه وباطاره الاكاديمي، ويظل محلا لاهتمام القارئ المهتم والاكاديمي، واحياء هذه القصص وتقديمها ضمن الاطار العام لتقديم الاداب والعلوم ضمن اطار شعبي او شعبوي صار معروفا في الادبيات الغربية سواء من خلال كتابة الفلسفة كما فعل جاستين غاردار في رسائل صوفي او الكتابات التاريخية عن مصر القديمة والتي تظهر في اعمال الفرنسي كريستيان جاك في عدد من الروايات التاريخية التي لقيت شعبية وترجمت للغة الانكليزية ولغات اخري حيث تمت معالجة الحقائق التاريخية بلغة درامية معروفة تماما كما فعل الكاتب والمؤرخ المعروف جرجي زيدان في سلسلة رواياته التاريخية عن تاريخ الاسلام. ياسمين زهران الاكاديمية الفلسطينية المعروفة والمهتمة بالقرن العربي في تاريخ الامبراطورية الرومانية تقوم بنفس المهمة حيث قدمت سلسلة من الاعمال عن الرموز العربية التي ارتبطت بالدولة الرومانية ويحذوها في هذا معرفة علمية واسعة في الحفريات الاثرية وتاريخ المنطقة العربية واخر اعمالها في سلسلة احياء تاريخ العرب الرومان او الذين ارتبطوا بالدولة الامبراطورية هو كتاب ـ رواية بعث غسان الذي صدر الشهر الماضي عن دار ستاسي في لندن. وزهران لم تتخل عن الاطار الادبي الذي اختطته في اعمال اخري مثل فيليب العربي و سيبتموس سيفيروس و زنويبا واخرها بعث غسان، وزهران لها تجارب في الكتابة الراوئية فقد اصدرت عددا من الاعمال الراوئية منها باطن الهوي . ويبدو كتاب زهران الجديد يحمل في طياته بعدا عاطفيا، اذ ان احفاد غسان لا زالوا يعيشون في رام الله، وهناك قرية فلسطينية لا تزال تحمل اسم الغساسنة دير غسانة وهذا البعد العاطفي اعطي السرد حيوية، ومع ان الكتابة السردية هنا تقدم معالجة درامية للحدث، الا انها لا تقدم شخوصا وحوادث وابعادا اخري للحدث كما تحفل الاعمال البصرية، التلفزيونية والسينمائية، الا ان ما يشغل الكاتبة هنا هو البعد النفسي وشهادة الملوك الغساسنة، والاباطرة الرومان الذين تعاملوا واقتربوا من الدويلات العربية، دعموها او حاولوا تحجيم دورها خوفا من امتدادها علي حساب التأثير الروماني في المنطقة العربية. وشهادات الاباطرة والملوك العرب الغساسنة تعطي صورة عن الزمن الذي تداخلت فيه العناصر العربية وغير العربية في اطار الامبراطورية، ولكن ما يشغل الكاتبة هو فكرة العروبة التي اتسمت بها الدويلات العربية التي ارتبطت بالدولة الرومانية، فابناء غسان لم يقوموا بتقليد الرومان كما فعل الاخرون من ابناء الشعوب التي وقعت تحت مظلة التأثير الروماني، كما تهتم زهران بالبعد التراجيدي الدرامي لمصائر ابناء غسان الذين دفعوا ثمن ولائهم لعروبتهم وتقاليدهم القبلية وثمن تعاونهم مع الرومان، فهم وان كانوا متعاونين الا انهم لم يذوبوا في اطار الدولة الرومانية. وتري الكاتبة ان اهمية العودة الي الميراث الغساني لانهم تسيدوا المشهد الشرقي في القرن السادس الميلادي وسقطت دولتهم تحت وقع حوافر الفتح الاسلامي بقيادة خالد بن الوليد، وهم لم يكونوا ابناء قبائل او اصحاب دويلات لم تترك اثرا فقد رعوا العلم والعلماء وكانوا رجال دين ودولة، حيث كانوا اتباع نموذج من المسيحية غير الارثوذكسية، ولهذا دفعوا ثمنا باهظا لاحتوائهم او التزامهم بالمبدأ الديني الذي يزاوج بين انسانية السيد المسيح وقدسيته، ولهذا لم يكن اعداء الغساسنة من الاباطرة او جنرالاتهم بل من الاسقفية الارثوذكسية التي حاولت جاهدة ملاحقة رجال الدين التابعين للغساسنة، كما ان ابناء الغساسنة كانوا رعاة معمار، وبنوا محافلهم وقصورهم وكنائسهم في الجابية، وجلق، ودمر وغيرها من المدن السورية والشامية التي خضعت لسلطتهم، وكانت منازلهم موئلا للشعر والشعراء حيث اعتزوا بثقافتهم العربية ولعل اشهر الشعراء الذين ارتبطوا بهم كان النابغة الذبياني وحسان بن ثابت الذي اصبح فيما بعد شاعر الرسول (صلي الله عليه وسلم) والذي قال له الرسول اهجهم وروح القدس تؤيدك . وكان الغساسنة الذين يرتبطون باللخميين، المناذرة اتباع الفرس علي خلاف دائم معهم، وحدثت معارك بينهم لعل اهمها يوم حليمة المدون في اخبار العرب. تسجل زهران اذن مصائر ابناء غسان وتعيد حياكة الصورة والقصة والتاريخ، حيث تقدمها من خلال عيون جبلة من الايهم (632 ـ 638) آخر ملوكهم والذي اجبر للعيش في اخر ايامه في القسطنطينة، والحارث بن جبلة (529 ـ 569)، وهو الشخصية المحورية التي جعلت من ابناء غسان قوة يحسب لها كل حساب ولقي دعما من الامبراطورة تيودرا وجوستنيان (527 ـ 565) وهما اللذان تعاونا من اجل اعادة مجد الامبراطورية في الشرق، واخيرا ابناء الحارث، النعمان ومنذر اللذان حاولا الحفاظ علي ميراث الدولة العربية علي الرغم من تآمر القادة والاساقفة وشك الاباطرة الرومان. انها قصة دولة عربية تقدمها زهران عبر بعد انساني ولغة عاطفية، وسرد مشوق، وقصة مشوقة، وهي محاولة لاحياء وبعث الصور القديمة ربما لكي نتعلم منها، ونحن نشاهد مصائر الدول العربية، فصور الملوك العرب الذين تعاونوا مع الامبراطوريات الكبيرة ولم يأمنوا شرها حاضرة، وما حدث لزنوبيا والحارث اللذين اقتيدا بالسلاسل لحاضرة الامبراطورية في روما والقسطنطينة تذكير لما حدث لملوك وحكام عرب، وجدوا انفسهم رهينة لخياراتهم ومواقفهم، وكتابة تاريخ الغساسنة منهم من الناحية الاكاديمية، لانهم غير معروفين في الكتابات الغربية او لان الكتاب الغربيين حاولوا التقليل من اهمية انجازهم ومشاركتهم للامبراطورية، وفي قصتهم درس لنا لان ابناء غسان الذين تعاونوا مع الرومان، وحافظوا علي هويتهم العربية، بل تجنبوا استخدام الاسماء الاغريقية ـ الرومانية لم يأمنوا مع ذلك شروط القوة العظمي وغطرستها، حيث توزعوا في المنافي، وقضي بعضهم اما قتيلا او ايام عمره وخريفها في القسطنطينة او صقلية. تقول زهران ان قصة ابناء غسان واستعادتها ضرورية لان تاريخهم يتميز بشعور قومي عربي قوي، في زمن اصبحت فيه العروبة رهنا لكل الايديولوجيات الساعية لمحوها. قصة الغساسنة في صورة من صورها هي عن الرحيل في اروقة التاريخ، منذ ان عفن سد مأرب وتكاثرت عليه الفئران حسب ما تقول الميثولوجيا العربية (450 بعد الميلاد)، والرحيل شمالا، وبناء مدنهم التي لم تسلم من الجيوش الضاربة والغزوات، وثورات السامريين، والوباء والهزات الارضية التي كانت تضرب انطاكية وبيروت. كما انها عن الضحايا الذين قدموا لالهة المناذرة، مثل ابن الحارث الذي حرق كقربان لالهة العزي عام 544، وهي الجريمة التي انتقم فيها الحارث لابنه بقتل ملك المناذرة المنذر عام 554 في يوم حليمة ، بين اول لقاء بين الحارث بن جبلة مع الامبراطور جوستنيان عام 543 ولقائه الثاني الذي تم بعد وفاة الامبراطورة تيودرا التي تعاطفت مع معتقدات الغساسنة، وهو اللقاء الذي تم عام 563 تغيرت الامور حيث لقي جبلة الامبراطور في ذبول ايامه واخر عمره. بعد الحارث، قام ابناؤه بفك الارتباط مع الامبراطورية الرومانية حيث تم اعتقال المنذر بن الحارث ونفيه الي القسطنطينة التي كان يحكمها تابيروس وبعدها نقل الي صقلية، وظل هناك حتي وفاة مورايس، وعودة المنذر الذي بلغ من العمر عتيا، وان كانت ظافرة الا انها تشي بتغير الاحوال فابناؤه لم يشعلوا ثورة عربية ضد الامبراطورية لانهم كانوا يأملون بعودته، وهو في رحلته الاخيرة بين الديار وبقايا الايام يشعر انه لم يعد مرتبطا بحركة الزمن في دولته، ولم يبق من ايامه الا الفضاءات الجميلة وهي التي ظل يحلم فيها اثناء منفاه. مع تساقط الممالك والمدن وتوسع المد الفارسي، وبروز الاسلام كقوة يحكم التاريخ حكمه علي دولة الغساسنة حيث تهزم قواتهم وقوات البيزنطيين في معركة اليرموك عام 636 وبهذا يسدل الستار علي هذه الدولة العربية. مع غياب الشمس عن هذه الدولة لم يبق منها الا الرسوم والديارات التي احتلها الامويون، ويبدو من خلال السرد ان الامويين الذين ارتبطوا بالنسب مع الغساسنة قاموا بوراثة البيوت والقصور التي بنوها. وهنا لا بد من الاشارة الي ان كل الاثار التي تركها الغساسنة قامت علي حواف المدن، اذ ان الرومان وجنودهم كانوا يسكنون في قلبها، فيما لم يكن للعرب الغساسنة الحق بدخولها. نقطة اليرموك وهروب جبلة بن الايهم الي ارض الروم هي بداية الحكاية التي تقدمها لنا زهران، فهي تبدأ من خلال بعثة دبلوماسية قام بها عبدالله بن مسعدة الفزاري للقسطنيطية للقاء القيصر كونستاس الثاني مبعوثا عن امير المؤمنين معاوية بن ابي سفيان، وعبدالله الفزاري هذا كان في مقتبل عمره ولكنه رضع حرب الشعر وحكايات ايام العرب من حليب امه كما يقولون، خاصة ايام الغساسنة الذين كانوا كما يقول مفخرة العرب، ولم يكن يفكر حتي في احلامه بلقاء جبلة بن الايهم الذي لقيه وشاهده اثناء لقاء الامبراطور، وهذا الاخير فتح الباب امام سفير معاوية للبقاء في عاصمته لأي وقت شاء، وكانت فرصته الذهبية للقاء جبلة بن الايهم واستعادة حكاية الغساسنة معه، فابن الايهم وهو رجل الاحزان كان يندب حظه حيث لم تبق من رسوم ملكه الا حوارات عقيمة عقدية مع الرهبان وعلماء الدين وكان يحن الي الشعر والي اللسان العربي. ويسأل الفزاري بن الايهم عن سبب نفيه ومنفاه ولماذا لا يعود الي ارض العرب، خاصة ان امير المؤمنين لا يعارض في عودته، ولكن ابن الايهم يقول انه لن يعود الي ارض الشام قبل ان يعاد اليه 30 قرية ملكه، وجنوده السابقين، وابن الفزاري يقول ان طلبا كهذا كان يمكن للخليفة ان يلبيه. وبعودة السفير للخليفة ونقله اخبار جبلة يقول الراوي هنا ان الخليفة لامه عن السبب الذي لم يجعله يدعوه نيابة عنه، ومع وصول رسالة الدعوة كان جبلة بن الايهم قد مات، وبهذا مات اخر ملوك بني غسان، وعزاء الراوي انه حمل معه قصة الدولة العربية هذه وهي ما ترويها لنا زهران. وهنا يشي السرد ان الاخبار عن اسلام ابن الايهم وارتداده شككت فيها بعض المصادر، حيث يقال ان عمر خيّر ابن الايهم بين دفع الجزية او الرحيل عن بلاد الاسلام، فاختار بن الايهم الخروج، وهو ما يتفق عليه عدد من المؤرخين. تمزج زهران بين الحقيقة التاريخية التي توثقها من مصادرها وبين سرد جميل، يستعيد مع الحكاية الغسانية، الفخر، الخيانة، المجد، فالمنذر العائد من رحلته في المنفي يقول لا استطيع اعادة عقارب الزمن للوراء ولا رد القضاء المكتوب علي، ولهذا اجلس علي عتبة قصري القديم افكر باعمالي الماضية، واحكم علي نفسي لان حماسي لم يكن عاملا في دمار غسان، وايا كان الدور والاخطاء التي ارتكبتها، فقد حافظت علي العهد مع اصدقائي وحلفائي ولكنهم عاقبوني بالخيانة والخداع.. وكل ما تبقي هو الفضاء الجميل، والذي سينبلج منه الامل .. . تنهي الكاتبة رحلتها مع الماضي الغساني، بعرض بعض الحكايات والاساطير التي ارتبطت بهم مثل انهيار سد مأرب الذي يربط الغساسنة تاريخهم به، وقصة وفاء السموأل بن عاديا، واخيرا قصة يزيد بن ابي سفيان والاميرة الغسانية في اشارة الي ان مجد الغساسنة لم ينته بنهاية ملكهم.كتاب جميل، مكتوب بلغة جديدة، فيه دروس عن نهاية الملك وبدايته، وعن غواية السلطان ولعنته في النهاية، وهو تذكير بماض حافل للمدن العربية التي ولدت علي حواف الدول الكبري، البتراء، وتدمر، والحيرة والجابية انها عن حضارات سادت ثم بادت ، وهو بمثابة هدية لقبائل وعشائر رام الله الخمسة .. رام الله بتلالها ووديانها وينابيعها واحجارها، تتنظر بحرارة عودة الغساسنة لاسترجاع تراثهم ، كما تقول زهران بالاهداء.عن الكاتبة: ولدت ياسمين زهران في رام الله، فلسطين، درست في جامعات كولومبيا ونيويورك ولندن، وحصلت علي شهادة الدكتوراه في علم الاثار من جامعة السوربون في باريس، وعملت مع منظمة اليونسكو لسنوات عدة وانشأت ودرست في المعهد العالي للاثار في القدس بين 1991 ـ 1995. وكتبت عدة كتب سبيتموس سفيروس: عد تنازلي للموت ، فيليب العربي ، زنوبيا بين الحقيقة والاسطورة ، ولها روايات اللحن الاول ، باطن الهوي و شحاذ علي بوابة دمشق ، وتعيش بين باريس ورام الله.Ghaan ResurrectedYasmine ZahranStacey InternationalLondon ` 2006ناقد من اسرة القدس العربي0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية