بعد أربعة وعشرين عاما على إعلانه’:متى يحل ربيع ‘الإتحاد المغاربي’؟

حجم الخط
0

نزار بولحيةبعد أزيد من عقدين من الزمن تحو ّلت صورة القادة المغاربيين الخمسة، وهم يمسكون أيديهم ببعض وقد علت وجوههم ابتسامات لا أحد يعرف أن كانت’حقيقية ‘ أم ‘مصطنعة ‘ إلى ذكرى عابرة قد لا تجد من ينتبه إلى مرورها سوى قلة من الموظفين الرسميين الذين ما يزالون يباشرون عملهم في أمانة’ إتحاد المغرب العربي’بالرباط. لقد فعل التاريخ فعله وتآكلت شيئا فشيئا تلك الصورة ‘الوردية’ التي أخذت ‘للزعماء’ غداة اجتماعهم في مراكش في السابع عشر من فبراير عام 1989 وتوقيعهم على وثيقة عدّت في ذلك الوقت’ تاريخية’ بكل المقاييس ولكنها وللأسف الشديد ظلت مثل معظم القرارات العربية والمغاربية الأخرى دون أدنى تفعيل يذكر. المفارقة العجيبة هنا هي أنه لا في وجود هؤلاء القادة ولا أيضا حتى في غيابهم فيما بعد وقد تعددت أسبابه من الموت إلى ‘الثورة’ مرورا بالإنقلاب،حدث الإختراق المطلوب الذي يسمح ولو بقدر بسيط من التفاؤل بمستقبل ‘الإتحاد المغاربي’.لقد تغيرت بالفعل وجوه القادة ولكن التحولات السياسية السريعة والمفاجئة التي طرأت على المنطقة منذ عامين بهروب بن علي ثم سقوط نظام القذافي،لم تفتح المجال بعد أمام حدوث تقارب فعلي بين دول المغرب العربي،إذ ظلت حالة الشك والريبة التي طغت على علاقات تلك الدول بعضها ببعض على حالها منذ السنوات الأولى لنيل إستقلالها حتى اليوم. ولئن بقي ملف ‘الصحراء’ العنصر الأساسي في التجاذب الجزائري ـ المغربي،فإنه لم يعد العنصر الوحيد أو لنقل ‘العبء الأثقل’ على مسيرة ذلك الإتحاد. فالطابع الرسمي الذي بنيت عليه هذه المؤسسة من خلال وثيقة مراكش قبل أربعة وعشرين عاما من الآن،لم يسمح لها سوى بالقيام بمجرد مهام ‘بروتوكولية’ أو تنظيم مشاورات ولقاءات تنسيقية محدودة،فيما بقي الاستشراف وتقديم المبادرات أو الضغط على الحكومات من أجل الايفاء بالتزاماتها أمرا بعيد المنال بل صعب التحقيق في ظل الإرتباط الوثيق بالإرادة السياسية لكل واحدة من تلك الحكومات. ولعل ما يقف حجر عثرة اليوم أمام تحريك الركود المتواصل في العمل المغاربي المشترك إلى جانب المشكل الصحراوي والطابع الرسمي لمؤسسة الإتحاد هما أمران إثنان: الأول: ما سببه سقوط نظام القذّافي في ليبيا بعد تدخّل ‘الناتو’ وعسكرة ‘الثورة’ من انتشار واسع ليس بالإمكان السيطرة عليه لتجارة الأسلحة الخفيفة وحتّى ‘النوعيّة’ داخل التراب اللّيبي وفي كامل أرجاء المنطقة .و يعدّ هذا الأمر عامل تهديد حقيقي وخطير لكلّ الجهود التي قد تبذل لتحقيق التقارب المنشود أو المبادرات التي تطرح من أجل ذلك الهدف , وهنا يجدر التذكير بمبادرة الرئيس التّونسي المنصف المرزوقي حول ما يعرف ‘بالحريّات الخمس’ والتي حاول جاهدا خلال السنة الماضية طرحها على القادة عبر جولاته المكوكيّة في مختلف العواصم المغاربيّة .غير أنّ المسعى التّونسي لم يكلّل بالنّجاح كماأنّ إنعقاد القمّة المغاربيّة بتونس لم يتمّ أواخر العام الماضي كما أعلن عنه في الّسابق بل قوبل حتّى مجرّد إعلان بعض المسؤولين في تونس نيّتهم تمكين الجزائريّين من دخول البلاد دون جوازات سفر بحدة من الطّرف المقابل الذي أبلغ السّلطات التونسيّة أنه لن يسمح لأي مواطن جزائري باجتياز الحدود دون الخضوع للإجراءات العاديّة المتّبعة وهو ما دفع وزير الخارجية التونسي في ذلك الوقت إلى إستدراك الأمر والإعلان على أنّه قد أسيء فهم تصريحات كاتب الدولة للخارجيّة وأنه لا جديد بشأن تنقّل المواطنين بين البلدين .و قد زادت أزمة شمال مالي والتدخل العسكري لفرنسا في ذلك البلد مع الفرص الواسعة لوصول كمّيّات غير محدودة من السلاح الليبي إلى أيدي مجموعات متشدّدة من حرص العواصم المغاربيّة على مزيد تأمين حدودها وتأجيل كلّ مسعى نحو رفع القيود أمام الحركة فيما بينها .أما الأمر الثاني الذي يعطّل ‘الإتّحاد المغاربي’ فهو أنّ ما حصل في تونس وليبيا من تغييرات سياسيّة مهمّة، لم ينظر إليه على الصّعيد المغاربي بالإرتياح المطلوب أو حتّى بتفهّم على أنّه مجرّد شأن داخلي بحت، فالجزائر لا تنظر بعين الرّضا إلى ما سبّبه الإنفلات الأمني الحاصل على حدودها مع ليبيا من تسرّب للسلاح وحتّى للمجموعات المقاتلة المتشدّدة ولعلّ عمليّة ‘عين اميناس’ الأخيرة خير مثال على ذلك، كما أنّها لا تبدي حرارة تذكر في التّعامل مع السّلطات التّونسيّة الحاليّة التي تعتبرها ‘مناصرة’ لإسلامييها الذين لم يسمح لهم في السّابق بخوض تجربة مماثلة . أمّا المغرب الذي عرف كيف يمتص نسبيّا موجة الإحتجاجات ويسمح للإسلاميّين من خلال حزب ‘العدالة والتنمية’ بخوض تجربة المشاركة في الحكم بعد إقرار دستوره الجديد، فإنّه يشعر أيضا أن نجاح التجربة في تونس وليبيا قد يجرّ في مراحل أخرى متقدّمة إلى زعزعة ‘النموذج المغربي’ الذي تنظر إليه الرّباط على أنّه غير قابل للتقويض والإختراق .وبقطع النظر عن كل تلك المخاوف والشكوك،فإن الهاجس الأمني هو الأمر الوحيد الذي جمع بالأمس ويجمع اليوم فرقاء ‘المغرب العربي’،و كما هو شأن الجامعة العربية التي يعد ‘مجلس وزراء الداخلية العرب’ أنجح مؤسساتها فإن التنسيق الحدودي المستمر بين الدول المغاربية يبقى الآن ورغم كل شيء ‘الإنجاز’ الفعلي الوحيد على إمتداد كل هذه السنوات الطويلة .ويظل السؤال هنا عن موعد’ الربيع المغاربي’ المقبل الذي قد يحول هذا ‘الإتحاد’ الرسمي الجامد إلى إتحاد شعوب حية وطموحة؟ .إن معرفة الجواب قد لا تكون بالبساطة المتوقعة ف’الزلزال’ السياسي الذي ضرب المنطقة قبل عامين من الآن يجعل الأبواب مشرعة أمام كافة الإحتمالات بما فيها الغريبة والمستبعدة’. ‘ كاتب صحفي من تونسqmdqpt

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية