بعد أربع سنوات من قرار شارون باقامته وبعد نصف سنة من الموعد الذي تعهد به موفاز للفصل الكامل.. الجدار غير جاهز
الجيش يشرف علي كل الموضوع بخليط من العجز والسخرية تجاه قدرة الاجهزة المدنيةبعد أربع سنوات من قرار شارون باقامته وبعد نصف سنة من الموعد الذي تعهد به موفاز للفصل الكامل.. الجدار غير جاهز كما هو متوقع، المشاورات الامنية التي اجراها رئيس الوزراء ايهود اولمرت، بعد يوم من العملية في تل أبيب لم تعط البشائر السياسية أو الامنية الصاخبة. فما الذي يمكنه لاسرائيل أن تفعله اكثر من ذلك؟ العملية خرجت من منطقة توجد تحت سيطرتنا العسكرية التامة وتملصت من الشبكة الاستخبارية للمخابرات والجيش الاسرائيلي. ومع أنه كان اخطارا عاما عن شبكة للخلية لم تكن المعلومات دقيقة تسمح باحباط الخطة. والمزاعم، المبررة بحد ذاتها، في أن الجهاز يتمكن من احباط الاغلبية الساحقة من الشبكات، لا تجد اذنا صاغية عندما يقتل تسعة مواطنين في قلب تل أبيب. في هذه الظروف، فان كل ما يمكن للسياسيين أن يفعلوه هو الكلام. ولهذا الكلام هذه المرة هدف آخر، باستثناء حكومة حماس، التي حلت محل عرفات بصفته المشبوه الفوري وهدف الغضب التلقائي لاسرائيل. ودون التعريف بالنفس، جري التسريب بأنه في الجلسة انتقد المشاركون المحكمة العليا. وقيل للمراسلين ينبغي البحث في السبل لممارسة الضغط علي الجهاز القضائي . ولما كان شارك في المداولات، اضافة الي كبار مسؤولي الجيش والمخابرات، الوزراء لفني، موفاز وعيزرا، يبقي لكم ان تخمنوا من منهم يصيغ حديثه علي هذا النحو. والمعني من ناحية المواطن الذي يسمع ويقرأ هو واحد: حان الوقت لهز محكمة العدل العليا اذ بسببها توجد عمليات. القضاة الذي يجلسون في البرج العاجي يعرقلون عبثا الجهاز المتحمس لاستكمال جدار الفصل منذ الان ومنح الامن لشعب اسرائيل. محكمة العدل العليا، سواء كانت هزت أم لا، عقبت يوم الاربعاء برد التماسات لفلسطينيين تتعلق بمسار الجدار في غلاف القدس. قولوا ما تريدون عن القضاة، فانهم هم ايضا يسمعون الاخبار. هذا القول، سواء قيل عمليا في الجلسة أم أنه سرب بعد ذلك فقط، هو فضيحة. ليس فقط لكرامة المحكمة، بل ايضا لانه لا يقف امام اي فحص يراجع الحقائق. فبعد أربع سنوات من قرار رئيس الوزراء ارييل شارون، دون أي حماسة، باقامة الجدار وبعد نحو نصف سنة من الموعد الذي تعهد به وزير الدفاع شاؤول موفاز بأن يفصل جدار كامل بين اسرائيل والفلسطينيين ـ فانه لا يوجد حتي نصف جدار. موفاز تحدث عن كانون الاول 2005 ولكن جدارا كاملا لن يكون حتي في كانون الاول (ديسمبر) 2006.ومن المشكوك فيه جدا أن يكون حتي في كانون الاول (ديسمبر) 2007 والمذنب الاصغر في هذا القصور، الذي له معني امني واقتصادي هائل هو المحكمة العليا. وهاكم مثال ما: حبة البطاطا الساخنة جدا، وذلك لانه من هناك مر المخرب الذي فجر نفسه في المحطة المركزية القديمة في تل ابيب، هو العائق شمالي القدس. ولاثارة عجبكم نقول ان الدولة بالذات هي التي طلبت، المرة تلو الاخري، من المحكمة تأجيل قرارها في الالتماس الذي رفع بهذا الشأن. والسبب هو أن ممثليها كانوا يعرفون بان المحكمة ستحكم ضدهم، اذا لم تستكمل الحلول لنسيج الحياة لعشرات الاف الفلسطينيين الذين يعيشون في المنطقة. وهذه الحلول، ما العمل، لم تستكمل.في حزيران (يونيو) 2005 اتخذ في الحكومة قرار يقضي بأنه حتي ايلول (سبتمبر) سيفتح المعبر في حاجز قلنديا. ولكن المعبر لم يفتح الا قبل اسبوعين، اي بعد اكثر من نصف سنة من الموعد المقرر. كما أن شق طرق التفافية ضرورية هي كي يتوفر للفلسطينيين الذين قيدت حركتهم جدا بسبب العائق الامكانية لان يعيشوا بشكل معقول، قد تأخر جدا. ومرة اخري ـ الدولة هي التي طلبت من المحكمة تأجيل قرارها بهذا الشأن.يوم الاحد، قبل يوم من العملية في تل أبيب، كان محمد دحلة، ممثل الملتمسين في موضوع العائق في شمالي القدس، في المحكمة العليا في موضوع آخر. رئيس المحكمة اهرون باراك قال له انه لا يزال ينتظر رد الدولة كي يتمكن من اتخاذ القرار. وبعد يومين من ذلك، ودون أن يعرفوا بأنفسهم، اتهم الوزراء براك وقضاته بانه بسببهم قتل الناس. بمبررات كاذبة ، يقول العقيد احتياط شاؤول اريئيلي، الذي قاد رجال المجلس للسلام والامن في المداولات في الالتماس، هاجم الوزراء المحكمة العليا. سكان الرام واصدقاء المحكمة (المجلس للسلام والامن) هم الذين كانوا يطالبون طوال الوقت بحث المداولات في الالتماس، والدولة بالذات هي التي طلبت التأجيل المرة تلو الاخري. الجُبن وعدم تحمل المسؤولية دفعا الحكومة الي دحرجة الذنب الي المحكمة العليا .يتولي مسؤولية تنفيذ مشروع الجدار نائب المدير العام في وزارة الدفاع فيكتور برغيل ومدير المشروع نيتسح مشيح. ويدور الحديث عن رجلين هما تنفيذيان من الدرجة الاولي. ولان الجهاز المدني في اسرائيل كما هو عليه، فان برغيل هو الشخص الذي تتوجه اليه دولة اسرائيل عندما تحتاج الي استضافة اناس رفيعي المستوي او اخلاء طيور نافقة. لا جدال في أن الرجل يعرف كيف يعمل. إذن لماذا لا يوجد جدار؟ ربما لان هذا الجدار ولد في خطيئة سياسية وعاش في خطيئة سياسية. شارون، الذي لم يؤمن به أبدا، لم يرغب في الجدار وجُر اليه تحت الضغط الجماهيري. وقد جلبه الي مصادقة الحكومة علي مراحل، ولم يضغط بالفعل من اجل تنفيذه ـ فعندما كان شارون يريد أن يضغط، كان الجميع يعرف أنه يقصد ذلك ـ وبعد ذلك اشتغل عليه اساسا عبر التحديد العشوائي للمسار، والذي غير مرة كان يمكن للمرء أن يعرف مسبقا أنه لن يصمد.مللتم من سماع القصة عن الجدار المزدوج في باقة الغربية، الفكرة الشوهاء التي حبست 15 الف فلسطيني داخل جيب، كلف الملايين وهجر أخيرا كشيء لا حاجة له؟ هاكم قصة من قبل ثلاثة اسابيع: المحكمة العليا طولبت بالحسم مرة اخري في الجدار، هذه المرة في المسار جنوبي معاليه ادوميم. فمن أجل الادخال الي الجدار مستوطنة صغيرة باسم كيدار، 80 عائلة، رسم مسار يطيل الجدار بغير أقل من 14كم ـ كلفة الكيلومتر من العائق تقدر بنحو مليون دولار ـ فيقطع قناة متعرجة جدا باسم وادي ابو هندي. رئيس مشروع قوس قزح في قيادة المنطقة الوسطي، العقيد احتياط داني تيرزا، من سكان كفار ادوميم والرجل المركزي في تحديد مسار الجدار، أكد في المحكمة بأن المسار تقرر من أجل ادخال كيدار فيه. ولكن رغم أقوال تيرزا، من المشكوك فيه جدا ان تقبل المحكمة أخيرا موقف الدولة من هذا الشأن. فالمسار يصادر قرابة 9 الاف دونم من الاراضي ويحبس في داخله اكثر من مئة عائلة فلسطينية. الواضح هو أن هذه المداولات، التي انتهت اشباهها بهزيمة الدولة وبتغيير المسار، تعرقل استكمال الجدار في المنطقة.تريدون أكثر؟ في منطقة الفيه منشه يوجد قرار من المحكمة، يقضي بأن علي الدولة أن تشق طريقا جديدا يربط بين الفيه منشه ونيريت. الدولة تعرقل تنفيذ القرار، وسكان الفيه منشه انفسهم يوشكون علي رفع التماس بهذا الشأن. وفي بيتار عيليت ينتظرون فقط أوامر الاستيلاء علي الارض كي يرفعوا الالتماسات الي المحكمة، لان المسار ـ الذي ولد من ضغوط لبعض قادة المستوطنين ـ يبقي المستوطنة منقطعة عن الخط الاخضر. وهكذا دواليك، نقطة إثر نقطة يكون المسار فيها غير منطقي (حذر الكثيرون الجهاز في أنه لن يصمد أمام الضغط الدولي وأمام الاختبار القانوني)، عراقيل بيروقراطية وتذبذب للضغوط السياسية تعرقل استكمال الاعمال. الجيش الاسرائيلي يشرف علي كل الموضوع بخليط من العجز، بالسخرية الاعتيادية للابسي البزات تجاه قدرة الاجهزة المدنية في اسرائيل. وكما أسلفنا، عارض قادة الجيش (بمن فيهم موفاز كرئيس اركان) الجدار حين طرح لاول مرة. فهو لم يتوافق مع مفهومهم الهجومي وغرورهم في امكانية اخضاع الارهاب. وخلافا للمخابرات التي كان رئيسها في حينه آفي ديختر المؤيد الاكثر صخبا للفصل، فان الجيش لم ينخرط في الشأن الا متأخرا وبلا حماسة. ومن اللحظة التي دخل فيها الجيش فضّل خطا صحيحا تكتيكيا واكثر سهولة علي الدفاع: في الغالبية الساحقة من الحالات كان هذا هو الخط الاخضر للرابع من حزيران (يونيو) 1967 نائب رئيس الاركان في حينه غابي اشكنازي كان عنصرا هاما في تعديل بعض من الاندفاعات عديمة المنطق لمسار الجدار نحو اعماق الاراضي الفلسطينية. ولكن الجيش لم يقرر كثيرا حيال الضغوط السياسية الداخلية، ميول المخططين والتخمين بما يريده شارون. وهؤلاء دفعوا طوال الوقت المسار شرقا. والمسار الذي تقرر، والمليء بالتعرجات مثل تلك التي في منطقة كيدار، اطول بضعفين ونصف من الخط الاخضر، الامر الذي يوجد له معني حاسم في كل ما يتعلق بكلفة المشروع وموعد انتهائه.العملية في تل أبيب الحقت بالجيش حرجا كبيرا. فهو يجد نفسه في وضع لا يستطيبه: ليس لديه عدو مدروس ومرتب ممكن ان يعرض علي القيادة السياسية خطوات قوة ضده. حماس توفر غطاء لفظيا مناسبا، ولكن واضح للجميع بأن الهجمات علي قادتها لن تفعل شيئا لتهدئة الجهاد الاسلامي، بل ومن شأنها أن توقظ احد العناصر الهامة في الهدوء النسبي الذي تتمتع به اسرائيل منذ سنتين ـ الا وهو ببساطة مصلحة حماس، التي تحتفظ بالقوة المقاتلة الاكبر والاكثر تنظيما في المناطق. وخلافا للعادة، بخل هذا الاسبوع الجيش الاسرائيلي جدا في الاستعراضات للمراسلين للشؤون العسكرية والطلبات التي عادة ما تلبي بسرعة، اجيبت بالرفض. وخلف الكواليس قيل انه توجد حساسية في الموضوع. ليس واضحا بما تتعلق هذه، ولكن من الواضح أن الجيش لا يريد أن يجد نفسه في معمعان بين رئيس وزراء جديد، وزير دفاع ليس واضحا كم يوم تبقي له في المكتب، طرف آخر لديه ظاهرا حكومة معادية وفي حقيقة الامر يتدهور بسرعة في منزلق الفوضي واليأس، وعمل ميداني عابث ينتج المزيد فالمزيد من الاعتقالات، المزيد فالمزيد من التصفيات وفي نهاية المطاف لا يوقف انتحاري مصمم واحد. المهمة التي يقوم بها الجيش اليوم في غزة، حيث يطلق القذائف المدفعية علي اطراف الاحياء المأهولة ويعرض نفسه علي نحو شبه يومي تقريبا لخطر نتائج لا يمكن تجاهلها، تكفيه تماما. جدار الفصل، حتي لو استكمل واُشغل بمن يشرف عليه، فانه لن يحل مشكلة الارهاب. فمن خلفه ستتبلور عمليات اكثر تعقيدا وفتكا، ناهيك عن السلاح الصاروخي وباقي وسائل القتل والتخويف. مفهوم الجدار لم يصمد حتي اليوم امام اختبار حقيقي، إذ طالما لم يستكمل فان العدو يفضل التسلل عبر الثغرات التي فيه والاماكن التي لا يوجد فيها. ولكن قصور عدم اقامته لا يرتبط بالضرورة بنجاعة الجدار نفسه. اسرائيل قررت اقامة جدار. الثمن المادي هائل، والاثار السياسية واضحة. بعد أربع سنوات من ذلك لا يوجد بعد لا جدار ولا نصف جدار، مبالغ طائلة اُنفقت عبثا واخري لا تزال ستلقي الي سلة المهملات. في هذا الواقع، فان من يعربد علي المحكمة العليا لا يرغب الا في تغطية عورته.عوفر شيلحكاتب دائم في الصحيفة(يديعوت احرونوت) 21/4/2006