القاهرة ـ ‘القدس العربي’ ـ من محمود قرني: ستة وعشرون مليون جنيه / ما يعادل أربعة ملايين دولار، هي جملة كلفة إعادة تمثال نهضة مصر، للمثال الكبير محمود مختار، الى حالته الأولى فيما قبل الاعتصام الإخواني الشهير الذي حمل الاسم نفسه، والذي أعقب الإطاحة بنظام محمد مرسي من حكم مصر في الثالث من يونيو الماضي.
وهو ما أعاد للأذهان أهمية التمثال وأهمية صاحبه، الذي أقامت الدولة متحفا كبيرا لأعماله يقع في مواجهة دار الأوبرا المصرية، وقد تم ترميمه ترميماً كاملاً حيث كان الافتتاح الأول له في العام 1952. وكانت هيئة قصور الثقافة، قد أصدرت في وقت سابق، كتابا تذكاريا عن مختار، بمناسبة الافتتاح الثاني لمتحفه، نلقي الضوء عليه من خلال أعماله المتميزة وتاريخه الذي ملأ الدنيا وأسس لفن النحت الحديث.
ومحمود مختار (1891 ـ 1934) رغم عمره الفني القصير إلا أنه ترك تراثاً ضخماً من التماثيل الميدانية كنهضة مصر وسعد زغلول ومن حياة القرية وقصائد منحوتة في أحزانها وأفراحها ومشاعرها ورفع أحداث الحياة اليومية الى قمة التعبير الفني.
ومعجزة مختار في فنه تتمثل في قدرته علي التعبير في أعماله عن الشخصية الوطنية وفي الإبداع بأسلوب فني خاص برغم تيارات العصر المتعارضة وبرغم انقطاع تجربة مصر في النحت لآلاف السنين وبرغم ضجة المذاهب الفنية في عصره استطاع أن يعصم نفسه من الانسياق وراء بريقها فعاد الى تقاليد بلاده الفنية في عصورها المختلفة ولم يغفل في نفس الوقت تجارب الفن الحديث فقد تأملها بادراك ووعي ثم ربط بينها وبين التراث وقد ترك لحساسية حرية التعبير لغته الخاصة.
أما بالنسبة لسنوات إنتاجه الفني الثابتة فتبدأ هذه السنوات من تمثال نهضة مصر وتنتهي بإعداد تمثالي سعد زغلول بسنوات لا تتجاوز في مداها العشر، يتمثل فيها إنتاجه الفني ويعتبر تمثال نهضة مصر تعبيراً عن اليقظة القومية، فقد عالجه مختار بأسلوب من البلاغة التشكيلية فقد تعددت فيه عناصر التعبير عن المعني مع التركيز والسكون مع الحركة والتنوع مع وحدة الإيقاع والترديد. وهو بالنسبة لمختار بداية الطريق نحو أسلوبه الفني والفلاحة هي نموذجه الذي تطور به وأودعه إلهامات عصره. كانت الفلاحة هي الماضي وأبو الهول هو التراث مجرداً من عقائده الداخلية والميثولوجية التي تعنى بالتطلع الى الخارج والنظر الى الأعماق وهذا هو محور فن مختار، النظر الى الماضي لاستخلاص العناصر الثابتة من الفن المصري، والتطلع الى الخارج الى مذاهب العصر ومثالياته والى انفعالاته وأحاسيسه.
وتعبر الفلاحة في فن مختار عن مراحل التطور الفني وترتفع من رقة الأعمال الفرنسية وحركتها ومن التسجيل الواقعي العابر، والذي يبدو في فلاحات المرحلة الأولي، لتحقق في نهاية المطاف بلاغة الصمت وإحساس السكينة والشعور بالاستمرار وفي أعمال هذه المرحلة يكشف عن الجمال الداخلي الذي اكتسبه مختار من تأمل فن بلاده القديم. ويبدو فيها الترديد المنغم للخطوط والمسطحات مع تعبير بنائي يضفي علي هذه المنحوتات الصغيرة سمات النحت الكبير.
نلمح هذا التطور في موضوعه الأصلي الفلاحة و الجرة فنراها في أول صورها تنبض بالرشاقة والحركة والعناية بالدقائق الى جانب الواقعي من حياة الفلاحة بأسلوب يجمع الحيوية والرشاقة ولكن طول تأمله لفن بلاده أيقظ في نفسه الإحساس بالجمال ونسي عنده مقدرة التحليل والتركيز فتوالت تماثيل الفلاحة والجرة في خطوط منحنية تعبر عن الدلال والليونة في تمثال نحو ماء النيل وتردد إيقاعا موسيقياً كأنها نغم يوقعه النهر في لحن تشكيلي هامس ومرة في انحناء مستدير فيمثل فيه حاسة التكوين البنائي وتبسيط الكتلة مع انسياب الخطوط في تمثال الفلاحة.. ترفع المياه وتحدد النسب والأبعاد ونقط التقابل على نحو يحقق أقصي الإيقاع التشكيلي وتمثال علي (شاطئ النيل فلاحة) تصلح رمزاً لشعب بأسره في خطوط وحدة متناسقة تحقق التوازن البنائي للتمثال، ففي يدها الجرة التي ترفعها في شاعرية تشكيلية علي صدرها ليكون إيقاعا يتردد مع باقي خطوط التمثال ومسطحاته وفي استعمال الخط المستقيم وما يدخله عليه من تكسير فيتحول في براعة تدل على نضج الفكر الفني، أما الخطوط الخلفية للتمثال وتقابلها وابتعادها واستخدام التجريد فهذا استيعاب لتجارب الفن الحديث دون اعتناق شعاراته ودون التقيد بأي اتجاه وهي ظاهرة واضحة في فن مختار فهو يستوعب تجارب الفن الحديث ويستخلص منها ما يتفق مع إحساسه الفني، ثم يصوغ ذلك في حبكة بنائية محكمة، مرة أخرى يبدو التكوين البنائي وموسيقية الخط في مجموعته (العودة من النهر)، وما أودعه داخل إطار وحدتها التشكيلية من تفاوت في الحركة والإيقاع جعلها تبدو تقاطعا من النغم المنحوت.
لقد كان مختار رمزاً لقدرة المصري على الاحتفاظ بأصالته مهما حلّق بفكره وجاب الأفق ما دامت أقدامه ملتصقة بأرض بلاده.
ولد الفنان محمود مختار في العاشر من أيار (مايو) عام 1891 ببلدة طنبارة من قري المحلة لكبري وكان والده الشيخ إبراهيم العيسوي عمدة هذه القرية، هاجر الى قرية نشا من قري محافظة المنصورة وهنا بدأت معالم مواهبه الفنية تتفتح ثم قدم الى القاهرة عام 1902 وعاش في أحيائها القديمة، التحق بمدرسة الفنون الجميلة بالقاهرة وكانت آنئذ بحي درب الجماميز عام 1908 وكانت هي السنة الأولي لإنشائها، ثم سافر الى باريس عام 1919 وعرض نموذجا لتمثال نهضة مصر بمعرض الفنانين الفرنسيين عام 1920 ونال عنه شهادة شرف. وفي عام 1922 دعا بعض المفكرين الى إقامة التمثال في أحد ميادين القاهرة وتم تنظيم اكتتاب شعبي لإقامة التمثال وتم رفع الستار عنه عام 1928. وقد ساهم محمود مختار في تنظيم الحركة الفنية وإنشاء مدرسة الفنون الجميلة العليا وإيفاد البعثات الفنية الى الخارج فضلاً عن اشتراكه في عدة معارض خارجية بأعمال لاقت نجاحاً. ثم أقام معرضاً خاصاً في باريس عام 1930 وبفضل هذا المعرض عرفت المدرسة المصرية الحديثة في الفن وسجلت ميلادها أمام النقد الفني في العالم، وقد أقام محمود مختار تمثالي سعد زغلول في الفترة بين عامي 1930 و1932. وبوفاته عام 1934 تكونت جماعة (أصدقاء مختار) لترعي فنه وتحيي ذكراه، وهي جماعة كانت ترأسها السيدة هدى شعراوي التي رعته وكانت لها أياد بيضاء على الحركة الفنية في مصر. وفي عام 1938 رأت وزارة المعارف المصرية أن تنفذ وعدها بترميم التمثال الرائد بأن تقوم الإدارة بإنشاء متحف لأعماله ومقبرة لرفاته. ثم قامت الحرب العالمية الثانية والتي حالت دون قيام ذلك، واضطربت الظروف العالمية التي أدت الى عدم إعادة بقية تماثيل مختار الى مصر. وعندما استقرت الأمور عاد التفكير في تجميع بقية الأعمال وإقامة المتحف وعندما تولى الدكتور طه حسين عميد الأدب العربي وزارة المعارف خلال فترة حكم الوفد ((1951 1950 عمل علي إعادة بقية أثار مختار من باريس لإعداد المتحف الذي تعهدت الدولة بإقامته. وكان متحف الفن الحديث مقاماً في سرايا (الكونت زغيب) في شارع قصر النيل بجوار قصر السيدة هدى شعراوي وكلاهما تم هدمه عام 1963. وقد كان في ركن حديقة المتحف بناء مستقل كان يستخدم في السابق كاسطبل للخيول.
في هذا الوقت كان الفنان راغب عياد زميل مختار يتولي منصب مدير متحف الفن الحديث فاتفق مع وزير المعارف الدكتور طه حسين علي تحويل هذا الملحق الى متحف مؤقت لأعمال محمود مختار، بهدف المحافظة عليه ولاستخدام هذا المتحف كنقطة تجميع لبقية اثاره.
وقد افتتح هذا المتحف تحت اسم متحف مختار يوم 27 اذار (مارس 1952 (وكان يضم 59 تمثالاً من الحجر والبرونز والرخام الى جانب أعمال رودان ومايول.
وعندما تولي الدكتور ثروت عكاشة وزارة الثقافة بين أعوام 1952 حتى1962 حرص علي إقامة بناء خاص جديد، بمتحف محمود مختار فكان أول متحف من ىنوعه شيدته مصر في بقعة جميلة بوسط العاصمة القاهرة وفي مواجهة دار الأوبرا وبالتحديد في حديقة الحرية بأرض الجزيرة تكريماً للمثال الرائد وتنفيذا لما سبق أن تعهدت به الدولة وهو الموقع الحالي للمتحف، وكان الدكتور ثروت عكاشة قد افتتحه في تموز (يوليو 1962 (ضمن الاحتفال بمرور عشر سنوات علي ثورة 1952 وقد وضع التصميم المعماري للمتحف المهندس الفنان رمسيس ويصا (1911 ـ 1971) ثم تأسست جمعية أصدقاء متحف مختار في 16 نيسان (ابريل) عام 1985 وهي جمعية تهدف الى التعريف بفن محمود مختار.