كان هذا عنوان كتاب مشهور، لمحمد بوضياف، الذي اغتيل على المباشر تقريبا، من قبل أحد الضباط المكلفين بحراسته، كما تقول الرواية الرسمية، بعد تنصيبه على رئاسة مجلس الدولة، في بداية الأزمة التي عصفت بالجزائر في تسعينيات القرن الماضي عام 1992. كتاب صدر له في بداية الستينيات من منفاه، تساءل فيه عن المصير الذي ينتظر الجزائر وهي تعيش أولى أزماتها السياسية بُعيد الاستقلال مباشرة.
السؤال نفسه يمكن طرحه ونحن في نهاية سنة 2018 بعد أكثر من نصف قرن من الاستقلال. فمشاكل البلد هي هي، بل تفاقمت أكثر وتنوعت وزادت حدتها. عيوب النظام السياسي استفحلت وأصبحت تهدد الدولة الوطنية ذاتها التي ناضل من أجلها الجيل السياسي الأول الذي قاد ثورة التحرير وفشل في تسليم المشعل لأجيال أخرى، هرمت دون ان تستلمه. في وقت لم تعد فيه الوطنية كعقيدة مجندة، كما كانت في بداية الاستقلال وقت الأزمات الأول. الوطنية التي شاخت، انغلقت على نفسها وفقدت بريقها لدى الأجيال الصغيرة من الجزائريين التي لم تعد تعني لها الشيء الكثير، خاصة عندما تربطها بممارسات النخب الحاكمة بعد الاستقلال التي فشلت في رفع ثلاثة تحديات كبرى تعاني منها الجزائر. يتوقف حلها على خروجها من أزماتها المستعصية هذه.
ويتعلق الأمر بصعوبة إصلاح نظامها السياسي واستفحال الفساد وضعف طموحات نخبها الحاكمة على أكثر من صعيد، كما تعكسه الكثير من التقارير الدولية التي تقارن وضع الجزائر بدول العالم. فقد فشلت كل الوصفات لإصلاح النظام وعلى رأسها الانتخابات التي تحولت إلى روتين، لم يعد يجند المواطن وحتى المرشح لها أو المقترع فيها. انتخابات لم يعد ينتظر منها المحيط الدولي أي جديد هو الآخر لتحسين أداء هذا النظام الذي حار الكثير في فهم أساليب تسييره وقدرته الكبيرة على مقاومة الإصلاح. كما تبين ذلك أثناء موجة الربيع العربي الأولى التي نجح في الإفلات منها، عن طريق تقديم وعود إصلاحية كاذبة ورشوة واسعة للمجتمع والشباب تحديدا الذي قايضه بمواطنته وهو يقدم له سكنا أو شغلا. عملية رشوة واسعة سهلها الطابع الريعي للاقتصاد وضعف آليات المسائلة وثقافتها داخل مؤسسات النظام.
النظام السياسي الذي استعمل خوف الجزائريين من التغيير وفشلهم في انجازه أكثر من مرة، كما حصل في بداية التسعينيات، ليستقوي على المجتمع ويبتز المواطنين بين خيار بقائه كنظام، بكل عيوبه أو الفوضى القاتلة التي جربها الجزائريون ودفعوا ثمنها غاليا، تبين انهم لا يريدون العودة لها حتى على حساب حريتهم ومستقبل بلدهم.
وضع سهًل استفحال الفساد الذي انتشر بشكل رهيب في السنوات الأخيرة التي زادت فيه مداخيل الدولة من النفط والغاز وغابت فيها مؤسسات الرقابة القانونية، رغم حضورها الشكلي الكبير. فساد خلق له مناخا اجتماعيا وثقافيا تحول بموجبه إلى قيمة مركزية في التنشئة الاجتماعية داخل كل مؤسسات الدولة والمجتمع، بما فيها العائلة التي أصبحت تتساهل معه بشكل كبير كقيمة تربوية.
فساد لم يعد من الممكن السكوت عليه رسميا بعد انفجار قضية شحنة الكوكايين في الصيف الماضي، والتي بينت تداعيتها حتى الآن مدى استفحال الظاهرة على أعلى المستويات المدنية والعسكرية. قضية شحنة الكوكايين التي تبعتها سلسلة من الإقالات مست قيادات عسكرية وأمنية كبيرة، لم يكن من المتخيل ان تودع السجن بعد التحقيق معها، كما حصل مع قائد الدرك الوطني السابق وبعض قيادات النواحي العسكرية وضباط أمن كبار آخرين في الأيام الأخيرة، كونوا على الدوام حلقة مغلقة مهمة من حلقات اتخاذ القرار الاستراتيجي، كما هو حال الانتخابات الرئاسية.
إقالات وإيداع في السجن أكدت ما كان يتكلم عنه المواطن ويعرفه من تفش للفساد مس هذه المرة رأس مؤسسة مركزية كانت تتمتع حتى الآن بمصداقية لدى المواطن الجزائري الذي كان يتمنى بينه وبين نفسه ان تبقى بعيدة عن الفساد. هو الذي كان يتعامل معها كآخر القلاع الحامية للدولة في وقت تدهور فيه سلوك القائمين على النظام، كما يتبين في مسلسل أزمة المجلس الوطني التي زادت في تدهور صورة النخب ومؤسسات الحكم في عين المواطن، أكدت نظرة المواطن التي كانت دائما وفي الغالب سلبية إزاء البرلمان والحزب وكل مؤسسات التمثيل السياسي، قد تكون ناتجة في الأصل عن شكوكه في العملية الانتخابية التي تفرزها، بكل ما ارتبط بها من فساد مالي، استفحل كل الآخر في الاستحقاقات الانتخابية التي نمت في العقدين الأخيرين.
نخب ومؤسسات لم تعد تملك طموحات كبيرة، تجند من خلالها المواطن الجزائري، فكل ما هو متاح أمام هذه النخب هو تسيير الوضع القائم بكل عيوبه في مختلف المجالات، فقد ابتعدت الجزائر عن فترة السبعينيات التي كانت تقارن نفسها مع اسبانيا وكوريا الشمالية في المجال الاقتصادي الذي فشلت النخب السياسية الحاكمة في تنويعه والابتعاد عن منطق تسييره البيروقراطي الذي عرقل الاستثمار الوطني والأجنبي.
الصورة نفسها نجدها حاضرة في قطاعات كالتعليم والصحة رغم ما يستنزفانه من أموال طائلة، دون أي نتيجة تذكر، إلا تضخم عددي ومؤسساتي من دون فعالية، يعترف بها المسؤول الكبير قبل المواطن وهو يتوجه للتداوي في مستشفيات فرنسا بشكل روتيني ويرسل إلى مدارسها.
الأخطر من هذا ان البلد تحول إلى بلد طارد لأبنائه ليس الشباب منهم الذين يغامرون للهروب منه في قوارب الموت بالآلاف، بل الكبار في السن وأصحاب التأهيل العالي، كما تبينه الهجرة إلى كندا، الجديدة على الجزائريين الذين أصبحوا يهاجرون إليها في عمر الستين خوفا على مستقبل أبنائهم وبناتهم من البقاء في بلدهم. فالمواطن الفقير يريد المغادرة والغني كذلك. الكل لا يريد ربط مصيره الشخصي والعائلي بمصير البلد، بعد أن فقد الثقة في مستقبل وطنه الذي ما زال رغم ذلك يحبه ويغار عليه، لكنه لا يريد ان “يخطأ” أبناؤه، كما أخطأ هو عندما بقي فيه، قبل ان يستفيق ويغادره وهو كهل.
صورة قاتمة بتحديات كثيرة تتطلب من الجزائريين والأجيال الشابة تحديدا القيام بهبة قوية لإخراج بلدهم من المأزق الذي أوصلته إليه هذه الأجيال الحاكمة التي حررته، لكنها فشلت في بنائه وترفض مغادرة مواقع السلطة فيه، وما زالت تقارن وضع الجزائريين بالحالة التي كانوا عليها أثناء الفترة الاستعمارية، في حين تقارنها الأجيال الشابة التي تُكون أغلبية الجزائريين بما هو حاصل في العالم الخارجي وتجاربه الناجحة تحديدا. سوء تفاهم تاريخي بين جيلين يتوقف عليه حل أزمات الجزائر التي طالت.