إطلاق القناة الثانية كان بهدف تمرير انفتاح إعلامي متحكم فيهسعيد فرديمنذ عقد وأكثر من الزمن، دخل الإعلام السمعي البصري المغربي في مرحلة موسومة بجملة من التحولات المهنية والسوسيو سياسية، حيث انتقل هذا المجال من إعلام مركزي صارم إلى مجال تعددي، وأصبح يقارب بعض الموضوعات السياسية التي ظل محافظا اتجاهها.
وفي خضم هذا التحول، برز نوع من انفتاح الإعلام السمع البصري على الحقل الجامعي وخصوصا المشتغلين بعلم السياسة، وأضحى وجودهم عنصرا قارا سواء لتنشيط البرامج ذات الصبغة السياسية أو من خلال إبداء رأيهم حول بعض القضايا والوقائع الوطنية والدولية.
هذا الوضع أصبح يطرح أسئلة عدة، من قبيل ما طبيعة التداخل بين السياسة والإعلام السمعي البصري؟ ما هو حجم تناول المادة السياسية في هذا الصنف من الإعلام؟ ما حدود تأثير البرامج السياسية على حقل علم السياسة؟ ما مدى الاستفادة مما ينتجه علم السياسة في الإعلام السمعي البصري؟ كيف ينظر الباحثون السياسيون إلى البرامج ذات الصبغة السياسية في هذا المشهد الإعلامي؟
ضمن هذه المجموعة من الأسئلة الجوهرية والقضايا الكبرى التي يطرحها اليوم الإعلام السمعي البصري في المغرب، نقترب أكثر من اراء وتصورات فاعلين إعلاميين وجامعيين حول مدى استجابة قطاع الإعلام السمعي البصري لجملة من انتظارات النخب السياسية والإعلامية وطموحاتها المشروعة في إعلام تعددي منفتح وديمقراطي.
مليكة ملاك (مقدمة برامج سياسية وأستاذة جامعية )إطلاق القناة الثانية كان بهدف تمرير انفتاح إعلامي متحكم فيهيا ريت لو تكون عندنا اليوم معارضة مثل التي كانت في الثمانينات حيث كانت المعارضة تمثل قوة ضغطهي إعلامية وباحثة في السياسة، مليكة ملاك خريجة جامعة كيبيك في العلوم السياسية، أعدت وقدمت برامج حوارية وسياسية ناجحة، كبرنامجها الشهير ‘في الواجهة’ على القناة الثانية ‘دوزيم’ ونشطت برامج مماثلة على القناة الفضائية ‘الحرة’. تشهد مدرجات الجامعة على أنها مرت من هنا ذات زمن آخر، ترجع نجية مالك بذاكرتها إلى سنوات الثمانينات لما كانت طالبة بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بالرباط.
تجربتها المهنية الإعلامية في قناة عين السبع (القناة الثانية المغربية) لا زالت حاضرة بقوة في ذاكرة المشهد الإعلامي المغربي، تجربة فارقة بما لها وما عليها، عشر سنوات مرت أو أكثر قدمت خلالها نجية ملاك برامج تلفزيونية سياسية ناجحة، تعاطت مع قضايا السياسة وساهمت في التحول السياسي المغربي، استضافت فيها سياسيين واقتصاديين ومثقفين، مسار وتجربة صحافية تتعامل مع مواطنين، نصفهم أمي فتقوم بدور تثقيفي وتسمو بالمواطن إلى درجة أسمى.
تقول نجية ملاك عن إنشاء القناة الثانية ‘دوزيم’، أنها كانت مبادرة من المرحوم الملك الحسن الثاني من طرف المؤسسة الملكية، وترى مليكة مالك أن تعاطي وسائل الإعلام السمعي البصري مع السياسة كفعل بدأ في سنوات الثمانينات، ولم تكن هناك شجاعة مهنية للتطرق للمواضيع الحساسة والساخنة قبل هذا التاريخ.
مرحلة تقول، انها كانت عصيبة، تعرضت فيها نجية ملاك للضرب’كلت فيها العصا’ بمفاهيم سياسية ( كنا نعاقب)، فالعلوم السياسية كانت مسألة محرجة بالنسبة للمسؤولين.
وهي مراحل مر منها الإعلام الوطني، تقول نجية ملاك، حيث في نهاية الثمانينات اندلعت أزمة اقتصادية واجتماعية خانقة في المغرب، سماها الراحل الملك الحسن الثاني ‘بالسكتة القلبية’، عرفت بمرحلة صراع، كل فئة تتصارع من اجل اثبات الوجود، بما فيها المؤسسة الملكية في مواجهة أحزاب المعارضة، تتأسف ملاك وتقول: ‘يا ريت لو تكون عندنا اليوم معارضة مثل التي كانت في الثمانينات، حيث كانت المعارضة تمثل قوة ضغط’. في الثمانينات كانت تقارير البنك الدولي الشهيرة وملف المعتقلين السياسيين، وضغوطات دولية تنبه إلى خطورة الأوضاع المزرية، ففي الثمانينات كان لازال عندنا معتقلون سياسيون، ومشكل مصدر الخبر، وصعوبة الحصول على الخبر، وغياب حرية التعبير، الرجوع إلى الوراء وحتى الأمس القريب للوقوف على حجم تطور إعلامنا اليوم، فالتغييرات والتحولات لا تأتي هكذا ولكن بعد صراعات ومعاناة.
مع نهاية 1989 خلقت القناة الثانية من خواص وبمباركة من الحسن الثاني (قناة دوزيم المغرب الثاني) المغرب الآخر وليس مغرب القناة الأولى، من خلال برنامج ‘ لقاء’ الذي سهرت على إعداده مالكة ملاك وزميلات لها، نساء قدن مرحلة تحولات الإعلام المغربي، كل مساء يفتح برنامج ‘لقاء’ أبوابه للجمهور، مع الصحافية نسيمة الحر، وبرنام ‘ Le monde en question ‘، برنامج ‘الوجه الآخر’ الذي كان يتناول قضايا وطنية ودولية، وحتى بالنسبة لنشرات أخبار دوزيم، كان هناك خط تحريري متميز جدا مع الصحافي أنس بوسلامتي الذي أدى الثمن، طرد وعوقب لما استضاف ضيفا للحديث عن حرب العراق، حرب الخليج الأولى 90-91، القناة الثانية استطاعت آنذاك أن تدخل مفاهيم جديدة في اللغة الإعلامية، والتحول من وضع معين إلى وضع آخر من أجل التغيير ورفض الوضع الاجتماعي والحقوقي والصحي والتعليمي المزري والمتردي.
لابد من الرجوع إلى التاريخ لفهم واستيعاب ما يقع في مشهدنا السمعي البصري، وحينما يتم الحديث عن شراكة بين الفاعل الإعلامي والفاعل السياسي، لابد من أن تكون شراكة محكومة بضوابط وقوانين محترمة، حتى يتم توظيف علم السياسة في مجالنا السمعي البصري بالشكل الجيد.
صباح بن داوود (رئيسة خلية التعددية السياسية بالشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة المغربية)هناك علاقة غير صريحة بين الإعلامي والسياسيكل ما هو سياسي قادر على أن يصبح مادة إعلامية، والديمقراطية هي مطلب كوني، يطمح إليه الجميع، والسياسيون ملزمون بالولوج إلى وسائل الإعلام لتكون هناك تعددية في الرأي وعلى وسائل الإعلام أن تبرز هذه التعددية. خطاب 21 ايار/مايو 1983 شكل منعطفا حاسما ومفصليا في مسار انفتاح الإعلام المغربي على السياسي، وأشر الى الدخول في تجربة جديدة تسمح للسياسيين باستعمال الإعلام العمومي وطرح الأحزاب لتدخلاتها وبرامجها خلال الاستحقاقات الانتخابية، غير أن هناك علاقة غير صريحة بين الإعلامي والسياسي وضعف انتشار وسائل الإعلام كالصحافة المكتوبة مثلا، بظهور وسائط أخرى للإعلام والتواصل إلى جانب الصحافة المكتوبة والسمعي البصري، هناك إعلام الإنترنت كالمدونات والمواقع والجرائد الإلكترونية، لقوة تأثيرها وسهولة الوصول إلى أكبر عدد من الناس.
ويظل الخوف كل الخوف من هيمنة السياسي على الإعلامي كما هو واقع في الإعلام المكتوب في ما يتعلق بالجرائد الحزبية.
فاطمة يهدي (إذاعية بالإذاعة الوطنية المغربية)برنامج ‘حوار’ نافذة إعلامية منفتحة على الساحة السياسية الوطنيةالبرنامج السياسي ‘حوار’ على القناة الأولى قدم للمجتمع المغربي نخبة سياسية جديدة، وهو البرنامج السياسي الذي يحظى بنسبة متابعة كبيرة، استطاع أن يقدم تلفزيونيا كل ألوان الطيف السياسي، وان مقدمه مصطفى العلوي هو محرك لتجربة إعلامية سياسية واضحة، لأنه صحافي مهني يأخذ مسافة بينه وبين ضيوفه السياسيين، وهي المسافة التي من المفروض أن تحكم علاقة الصحافيين بالسياسيين، من دون تمييل ميزان القوة لصالح هذا الطرف على حساب الطرف الآخر، وأن الصحافيين الذين يشاركون العلوي في الحوار يختارهم الضيوف.
برنامج ‘حوار’ يظل نافذة إعلامية منفتحة بامتياز على الساحة السياسية الوطنية بمهنية وكفاءة عالية.
صحافي/ باحث في السمعي البصري من المغرب[email protected]