“لو أمسكوني من ياقتي وقالوا انظر، ستحدث كارثة فظيعة، وأكدت بأنني سأعالج الأمر”، قال نتنياهو في شهادته أمام لجنة التحقيق في كارثة جبل ميرون. قبل ذلك، عرضت عليه رسائل وتقارير لمراقب الدولة وتحذيرات أخرى تسلمها خلال سنين سبقت عما كان يتوقع حدوثه في هذا المكان. حاول رئيس الحكومة مراراً التملص من مسؤوليته عن الفشل الذي أدى إلى موت عشرات الأشخاص. معالم طريق هربه كانت “لم أعرف”، “لم أتعمق”، “لا أتذكر”، “لا أعرف”، “لم يصل لي”، “لم أنشغل بذلك”، “لقد كان هناك مسؤول يجب أن يقوم بعمله”، “اسم رئيس الحكومة يظهر في آلاف الشكاوى”، “رئيس الحكومة لا ينشغل بذلك”، “قد أكون مسؤولاً عن الأمر الذي أراه”، “لا يمكن أن تكون مسؤولاً عما لا تعرفه”، “أنت مسؤول أيضاً عما لا تعرفه”، أشار عضو اللجنة شلومو يناي.
تقرير اللجنة شديد اللهجة يوضح أن أعضاءها لم يسقطوا في شرك نتنياهو، “على أساس المواد والشهادات التي عرضت علينا وانطباعنا المباشر منها، نستنتج أن هناك أساساً معقولاً للقول إن نتنياهو عرف أن موقع قبر الحاخام شمعون بار يوحاي يتم علاجه طوال سنين بشكل معيب، وأنه أمر قد يخلق خطراً على زائري المكان، لا سيما في عيد لاغ بعومر”، كتب في التقرير. “ولو افترضنا، حذراً فقط، بأن نتنياهو لم يكن يعرف حقيقية الموضوع، لكان عليه معرفة ذلك مثل هذه الظروف.. يجب عدم قبول ادعاء نتنياهو الذي يقول “لم يمسكوني من ياقتي”.
هذه الاستنتاجات تنعكس مباشرة على موضوع المسؤولية عن كارثة 7 أكتوبر/ تشرين الأول. إذا كان نتنياهو قد تجرأ بعد كارثة ميرون وادعى بأنه لا وجود أساساً للافتراض بأن المكان مخصص لأعمال الفوضى، فإن خط الدفاع الذي رفضته اللجنة لم يساعده في هذه المرة. وكما تدل الاقتباسات التي طرحت في “هآرتس” في الأشهر الأخيرة، فإن خطة حماس القاتلة قد عُرف أدق تفاصيلها قبل عقد. ففي ربيع 2014 عرض عليه رئيس “الشاباك” يورام كوهين، معلومات دراماتيكية استندت إلى عدة المصادر: حماس تقوم بتدريبات واسعة تدل على نيتها اقتحام الحدود وإرسال ألف مقاتل مسلح من قمة الرأس إلى أخمص القدم لاحتلال بلدات وقتل إسرائيليين واختطاف جنود ومدنيين.
محاضر جلسات الكابينت في تلك السنة تدل على أن نتنياهو أدرك أبعاد الخطر جيداً. ففي حزيران، عشية عملية “الجرف الصامد”، اعتبر الخطة “تهديداً حقيقياً لدولة إسرائيل”، وأوضح بأن “هذا السيناريو مختلف، لأن عمليات الاختطاف أو اقتحام حدودنا ستغير الميزان بيننا وبينهم… أي أنه لو دخلت كتيبة أخرى فستقوم في حينه بالاختطاف والقتل أيضاً. هذه خيبة أمل كبيرة… هذا سيتسبب بضربة فظيعة لنا”. في آذار 2017 قال لأعضاء لجنة مراقب الدولة: “أي هجوم مفاجئ كما تخطط حماس تقتحم فيه مستوطنات واحتلال بلدات والسيطرة عليها، للمرة الأولى منذ العام 1948، أعتقد أنه أمر سيشكل تهديداً كبيراً جداً. لم ينس الخطة منذ ذلك الحين. وفي حزيران الماضي، في ذكرى ضحايا عملية “الجرف الصامد”، ذكر أن مئات المخربين كان يمكن أن “يدخلوا إلى البلدات وإلى رياض الأطفال والكيبوتسات والمدن لاختطاف جنود ومدنيين، ويقتلون ويعودون”.
في كل ما يتعلق بفشل أكتوبر، يتحمل نتنياهو المسؤولية من كل الجوانب. من عاد وادعى منذ فترة رابين وحتى فترة بينيت- لبيد أن الضعف يستدعي الإرهاب، انطلق بسرعة على ظهر حكومة الهراءات نحو الانقلاب النظامي وقام بتمزيق المجتمع الإسرائيلي بشكل ممنهج، مع تجاهل تحذيرات صريحة، خطية وشفوية، تفيد بأن العدو يبحث عن الوقت المناسب. عزز حماس بشكل متعمد خلال سنين، بل وفر لها حقائب الأموال النقدية القطرية، ليعمق الانقسام بين القطاع والضفة الغربية، ودفن حل الدولتين. قبل خمسة أشهر، انفجر كل ذلك في وجه الإسرائيليين.
من عاد وادعى منذ فترة رابين وحتى فترة بينيت- لبيد أن الضعف يستدعي الإرهاب، انطلق بسرعة على ظهر حكومة الهراءات نحو الانقلاب النظامي وقام بتمزيق المجتمع الإسرائيلي بشكل ممنهج
جاء في التقرير أيضاً أن علاج ثغرات الأمان ذات الإمكانية القاتلة في موقع تراث ديني هو جزء من مهمات رئيس الحكومة، لكن المهمة الأهم له التي استيقظ من أجلها صباحاً أو لم ينم ليله، هي فعل كل ما في استطاعته لضمان عدم تكرار ما حدث في 7 أكتوبر/ تشرين الأول. وادعى ممثلو نتنياهو دفاعاً عنه في لجنة ميرون، بأنه كرس 90 في المئة من وقته لأمن الدولة. “أنا المسؤول عن قيادة دولة إسرائيل”، قال في جلسة لجنة مراقب الدولة في 2017. “هذا الأمر يلزمنا بأن نكون في وضع يمنحنا القدرة على منع الحرب القادمة أو تأخيرها، وإذا اندلعت فعلينا أن نكون في موقف قوي جداً، وأن نفاجئهم ونضربهم بشكل لا يتخيلونه. هذا واجبي الأسمى”.
هذا الواجب الأسمى خانه نتنياهو بثمن جبي غير معقول لحياة الناس وحرب نهايتها غير معروفة. كرس السنة الأخيرة لبقائه الشخصي وتعزيز ائتلاف غير شرعي شكله. هذه الدوافع كانت هناك حتى قبل الـ “هالولا” في ميرون. فالرغبة في الانتقام من الذين حققوا معه جعلته يعين أمير أوحانا في منصب وزير الأمن الداخلي، وهو شخص لا تجربة له، واللجنة تنسب له المسؤولية عن الكارثة. الخوف على مستقبله السياسي أجبره على الموافقة على أي نزوة لشركائه الحريديم. وجلوس بن غفير الآن على كرسي أوحانا، يدل على أن نتنياهو لم يتعلم شيئاً منذ ذلك الحين.
الواجب الأسمى خانه نتنياهو بثمن جبي غير معقول لحياة الناس وحرب نهايتها غير معروفة
في دولة سليمة، كانت استنتاجات لجنة ميرون ستجبر نتنياهو على وضع المفاتيح على الطاولة، ولكن لا احتمالية لأمر كهذا. نأمل ألا يبقى في الحكم عندما يقدم تقرير اللجنة التي ستحقق في مذبحة 7 أكتوبر/ تشرين الأول. ستكون استنتاجات اللجنة في حينه بمثابة ذكرى صعبة لتأثير تدميره لإسرائيل في العقد الأخير.
غيدي فايس
هآرتس 7/3/2024