في نهاية الأسبوع قامت في اليمن دولة جديدة “المجلس الانتقالي المؤقت” برئاسة عيدروس الزبيدي، سيطرت على مباني الحكومة والبنك المركزي في عدن وأعلنت عن إقامة حكم ذاتي في محافظات الجنوب في الطريق لإنشاء دولة جنوبي اليمن. بهذا تحطم اتفاق وقف إطلاق النار الذي وقع في تشرين الثاني بين الحكومة اليمنية المعترف بها بقيادة عبد ربه منصور هادي و”المجلس الانتقالي”.
ظهرت السعودية بدون سيطرة حقيقية على التطورات في اليمن، والولايات المتحدة التي سارعت إلى “التعبير عن القلق” من هذه الخطوة، تدرك أن النضال من أجل صد نفوذ إيران في اليمن آخذ في التلاشي. خلف الزاوية ينتظرها وباء كورونا الذي لم ينتشر بكامل قوته في اليمن. ولكن في مثل هذه الظروف سيكون القضاء عليه أصعب عندما يتفشى.
إن توق 26 محافظة في جنوب اليمن للانفصال ليس بجديد، فمنذ توحيد اليمن في العام 1990 بقيادة علي عبد الله صالح، تم إبعاد جنوب اليمن عن مراكز السلطة والجيش ومصادر التمويل، رغم أن معظم آبار النفط تتركز في الجنوب. وعندما بدأت حرب الحوثيين في الشمال ضد النظام اليمني الذي نشأ بعد ثورة الربيع العربي التي تم فيها إقصاء صالح عن الرئاسة الطويلة التي شغلها وعين بدلاً منه منصور هادي في 2012.. وافقت قبائل الجنوب على الانضمام للمعركة ضد الحوثيين، لكنهم طلبوا في المقابل إشراكاً سياسياً ومالياً، وهذا لم يتحقق.
في 2015 بادر ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، وحاكم الإمارات، إلى إنشاء التحالف العربي للمحاربة ضد معاقل إيران في اليمن، بمشاركة المليشيات الداعمة للحكومة والجيش اليمني، وهكذا بدأت الحرب الدموية التي أدت إلى موت أكثر من 100 ألف شخص، سواء بسبب الحرب أو المرض أو الجوع. ولكن التعاون العسكري ضد العدو المشترك لم ينه الخلافات الداخلية القديمة أو الفجوة الاستراتيجية بين الرياض وأبو ظبي.
في الوقت الذي سعت فيه السعودية إلى إقامة دولة يمنية موحدة يمكنها بنفسها تشغيلها عن بعد، أيدت دولة الإمارات الانفصاليين بهدف ترسيخ السيطرة على جنوب اليمن ومضيق باب المندب. ولكن بعد أن تعرضت لهجمات صاروخية من الحوثيين وخشيت من أن تتحول مثل السعودية إلى هدف، غيرت سياستها وعززت علاقاتها مع إيران وسحبت معظم قواتها من اليمن. أما السعودية التي تبدو وحيدة إلى حد ما، فبحثت عن ما يخرجها من هذه الحرب غير المحسومة التي كشف فيها ضعفها العسكري، رغم أنها كانت مزودة بأفضل السلاح والذخيرة الأمريكية. بعد خمس سنوات من القتال، تبين أن قوات التحالف غير قادرة على حسم المعركة والانتصار على الحوثيين الذين أملت السعودية بتصفيتهم خلال بضعة أسابيع. هكذا وجدت السعودية والرئيس الأمريكي ترامب حالهما أمام حرب ضد الكونغرس الأمريكي الذي اعتبر محمد بن سلمان المسؤول المباشر عن قتل آلاف المدنيين في اليمن، إضافة إلى مسؤوليته عن قتل الصحافي المعأرض للنظام جمال الخاشقجي.
الخلاف العميق بين “المجلس الانتقالي” الجنوبي والحكومة المعترف بها تطور من مواجهة سياسية إلى عسكرية، وازداد بعد أن قرر الرئيس اليمني –الذي يعيش في السعودية ولا تطأ قدمه اليمن – إقالة زعيم المليشيات الجنوبي الزبيدي من وظيفة حاكم عدن بذريعة مبررة كما يبدو، بأنه يتآمر ضده. الزبيدي الذي يعيش الآن في دبي أعلن في العام 2016 عن نيته إنشاء جسم سياسي مستقل من أجل الانفصال عن الحكومة المركزية اليمنية. وفي نيسان 2017 بعد تطبيق نيته، سيطر على القصر الرئاسي واعتقل الرئيس. وبتدخل السعودية ودولة الإمارات تم إطلاق سراحه.
ولكن المواجهات بين الطرفين لم تتوقف؛ ففي تشرين الثاني بادرت السعودية إلى عقد اتفاق لوقف إطلاق النار بين الحكومة والانفصاليين، الذي بحسبه يتم تشكيل حكومة مشتركة وعد الانفصاليون من الجنوب فيها بعدد متساو من الوزراء وتوزيع متساو لميزانية الدولة. في حينه ظهر أن الاتفاق يرسم خريطة طريق متفقاً عليها، يمكنها أن تؤدي إلى وقف طويل لإطلاق النار وإلى حل سياسي، بالأساس إلى اتفاق ربما يشكل للسعودية مسار خروج من مستنقع اليمن.
ولكن بعد أشهر تلت هذا التوقيع لم تتوقف المواجهات، والآن يبدو أن العملية السياسية التي تشارك فيها الأمم المتحدة أيضاً، وصلت إلى طريق مسدود. ولم يبق أمام السعودية ذخيرة كثيرة في جعبتها يمكن أن تعرضها على الانفصاليين مقابل الانضمام إلى الحكومة المعترف بها بعد انهيار الاتفاق السخي. إضافة إلى ذلك، توقفت الإمارات عن دفع رواتب المقاتلين في الجنوب، وهي تبعد نفسها عن الساحة اليمنية؛ في حين يعتبر الحوثيين وإيران خطوة الجنوبيين فرصة ومكسباً مباشراً أيضاً.
في ظل عدم وجود احتمال لحسم عسكري، وفي الوقت الذي تتقوقع فيه الرياض وأبو ظبي على نفسيهما يقف أمام الحوثيين: إما توسيع هجماتهم العسكرية على جنوب اليمن من أجل احتلال عدن ومحافظات النفط؛ أو التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار ومشاركة حكومة اليمن في الحكم، وهي خطوة بدأت السعودية بالدفع بها قبل بضعة أسابيع بضغط من الولايات المتحدة. وأعلنت السعودية والإمارات قبل أسبوعين عن وقف شامل لإطلاق النار في اليمن في إطار جهود مكافحة كورونا.
ولكن الحوثيين لم يتحمسوا بشكل خاص، وطلبوا المزيد من التنازلات من السعودية مقابل الانضمام إلى اتفاق وقف إطلاق النار. المعارك مستمرة في هذه الأثناء، ومنظمات الإغاثة تجد صعوبة في تسيير قوافل الغذاء والدواء والوصول إلى المحتاجين، والخدمات الصحية يبقى مفهوماً مجرداً؛ والتدخل الدولي الذي كان على أي حال محدوداً توقف بسبب تحويل الجهود من أجل النضال الدولي ضد كورونا.
بقلم: تسفي برئيل
هآرتس 30/4/2020