بعد اتفاق ابوجا الجزئي: اعادة أزمة دارفور الي حجمها الطبيعي
د. عبدالوهاب الافنديبعد اتفاق ابوجا الجزئي: اعادة أزمة دارفور الي حجمها الطبيعيفي نهاية الثمانينات حينما كان النظام الاثيوبي يواجه الأزمة التي أدت في النهاية الي انهياره، علمت المخابرات الاثيوبية بوجود زعيم الثورة الاريترية اسياس افورقي في زيارة سرية للخرطوم، فأرسل الرئيس مبعوثاً للعاصمة السودانية بعرض مفاده اننا نعلم ان افورقي موجود في الفندق الفلاني ونقترح عليكم الصفقة التالية: سلمونا افورقي مقابل تسليمكم العقيد جون قرنق، يداً بيد. الحكومة السودانية رفضت الصفقة حينها لأنها كانت واثقة من ان حلفاءها كانوا علي وشك الوصول الي اديس ابابا، وهو ما حصل بالفعل خلال عام وبعض عام.هذه الواقعة تذكر بأن حركات التمرد في البلدان الافريقية وغيرها لا بد لها من ان تخدم اكثر من اجندة. وقد ظلت حرب الجنوب علي سبيل المثال مستعرة ليس فقط بسبب المطالب الموضوعية لأهل الجنوب، بل لان بعض الدول الكبري ودول المنطقة كانت تستخدم الحرب لتصفية حسابات اخري مع حكومة الخرطوم. وقد بدأت الخطوات الجدية نحو السلام تحديداً بعد ان قررت الولايات المتحدة والدول الاقليمية المهمة ان الحرب قد استنفدت اغراضها بالنسبة لهم. وعليه كانت الضغوط الامريكية والاوروبية عاملاً حاسماً في صياغة اتفاق السلام دفع الاطراف الي التوقيع عليه.الامر نفسه حدث الآن بالنسبة لدارفور، حيث ان القوي الدولية والاقليمية (ما عدا تشاد) عادت الي التركيز علي لب المشكلة، وهي الصراع في دارفور. ومن هذا المنطلق فان الأزمة في دارفور لها شقان، التمرد نفسه، وهو موضوع اهتمام هامشي وتعاطف محدود من المجتمع الدولي، وردة الفعل الحكومية المبالغ فيها التي كانت هي محور الاهتمام الدولي والادانات المكثفة. ففيما يتعلق بالتمرد، فانه ما كان يحظي بكبير اهتمام دولي، باعتبار القارة الافريقية اصلاً تقع علي هامش اهتمام العالم، ووقوع تمرد محدود في ركن قصي من القارة ما كان ليعتبر بالحدث المزلزل. من جهة اخري فان القوي الدولية والاقليمية التي استثمرت جهداً ضخماً في هندسة اتفاق نيفاشا للسلام في الجنوب نظرت بكثير من الضيق والغضب لتوقيت تفجر التمرد في دارفور الذي افسد عليها احتفالها بانجاز انهاء اطول حرب في افريقيا.كل ذلك تغير بعد ردة الفعل الحكومية العنيفة التي حولت تمرداً محدوداً في جيوب معزولة من اقليم شبه منسي الي اخطر أزمة انسانية في القرن الحادي والعشرين، وركزت انظار العالم بأجمعه علي اقليم دارفور الذي اصبح فجأة اشهر اقليم في العالم، واصبح معروفاً حتي لدي اطفال المدارس في الولايات المتحدة ومعظم دول اوروبا الذي اشتغلوا بجمع التبرعات والدعم لمنكوبي دارفور. وهذا بدوره ولد دايناميات سياسية فرضت علي الحكومات الغربية ان تتحرك للمساهمة في معالجة الأزمة.وكان لا بد ان ينعكس هذا الوضع علي ميزان القوي في المنطقة، حيث اصبح المجتمع الدولي بأجمعه تقريباً يقف الي جانب المتمردين ويمارس الضغوط علي الحكومة التي اجبرت علي القبول بدخول قوات اجنبية الي الاقليم واصبحت معرضة لعقوبات دولية، كما تم تحويل ملف انتهاكات حقوق الانسان للمحكمة الجنائية الدولية. وقد انفتحت امام حركات التمرد فرصة ذهبية للضغط وانتزاع التنازلات من الحكومة تحت هذه الضغوط. ولكن قيادات حركات التمرد التي كانت تفتقد الي الخبرة وتعاني انقسامات وشقاقات لاحصر لها، اضاعت النافذة الذهبية التي انفتحت لها، وتلهت بالدعم الدولي الكاسح الذي لم يكن موجهاً لها بقدر ما كان موجهاً ضد الحكومة.نفس دايناميات الحراك الدولي تلك عادت اخيراً لتلعب ضد الحركات. فمن جهة فتر الاهتمام الاعلامي بالقضية بعد ان تحقق استقرار نسبي في الاقليم، مما خفف الضغوط علي الحكومات الغربية. ومن جهة اخري فان الانفاق الضخم علي الاغاثة في دارفور وعلي بعثات الامم المتحدة والاتحاد الافريقي اخذت تثقل كاهل ميزانيات تلك الدول وتدفعها الي المطالبة بحل سريع للأزمة. ومع تضاؤل الضغوط الاعلامية وتزايد الضغوط الاقتصادية، عادت أزمة دارفور الي حجمها الطبيعي في اهتمامات المجتمع الدولي، الذي كما ذكرنا لم يكن متعاطفاً اساساً مع معظم مطالب المتمردين، خاصة الشق منها الذي يتعارض مع اتفاقية نيفاشا.كل هذه التطورات كانت متوقعة، خاصة بالنظر الي قيام الجهات الدولية بالفصل بين الجانب السياسي والجوانب الانسانية، وتحويل الثانية الي الامم المتحدة والمحكمة الجنائية، مما اخرج اهم ورقة من يد متفاوضي دارفور. وكانت الخطوة التالية هي فرض اتفاق للسلام. وقد زاد الحاح عقد مثل هذا الاتفاق بعد تصريحات اسامة بن لادن الاخيرة التي عبر فيها عن نيته نقل معاركه مع الولايات المتحدة وحلفائها الي دارفور، وهو امر جعل انهاء النزاع هناك وقفل ملفه اولوية مطلقة لدي الساســة الغربيين.نتيجة لكل هذا كان لا بد من ان تأتي صيغة السلام التي طرحها الاتحاد الافريقي باستجابة محدودة لمطالب حركات التمرد في دارفور، مع وعود بالمزيد، ووعيد بالويل والثبور لمن لا يمتثل. وقد أثار هذا اعتراض فصائل وحركات (حركة العدل والمساواة، وفصيل عبدالواحد نور من جيش تحرير السودان). ولعل المستغرب ان الفصائل التي رفضت التوقيع كانت معروفة بأنها الأكثر مرونة في المفاوضات، بينما كان فريق مني اركو مناوي الذي وقع يعتبر الاكثر تشدداً. وقد كان لهذه الحركات عدة اعتراضات، منها ان وثيقة الاتفاق التي اعدها الاتحاد الافريقي خلت من عدد من مطالبهم، ومنها منصب لنائب رئيس الجمهورية، ووحدة اقليم دارفور، وحل ميليشيات الجنجويد قبل تجريد حركات التمرد من سلاحها، اضافة الي زيادة نصيب اهل دارفور والحركات في ادارة الاقليم والحكم الاتحادي، اضافة الي اقرار تعويضات فردية لضحايا الحرب (بدلاً من انشاء صندوق للتعويضات).ولان الاتفاقية استندت الي الدستور الحالي واتفاق نيفاشا الذي صيغ علي اساسه، فانه يكرس هيمنة المؤتمر الوطني علي السلطة الانتقالية التي سيتم انشاؤها في دارفور، ويمنح الحركات المركز الثاني فيها علي غرار ترتيبات جنوب دارفور وجنوب النيل الازرق. وتصر الحكومة علي الادماج الكامل لمجندي الحركات في الجيش، وان يتم طرح موضوع اعادة توحيد الاقليم في استفتاء شعبي تسبقه انتخابات عامة. ويمنح اقليم دارفور منصب مساعد لرئيس الجمهورية بصلاحيات تم تحديدها في الاتفاق، بينما تمت زيادة ممثلي اهل دارفور في المجلس الوطني بأثني عشر نائباً (من 58 الي 70). وتعطي الاتفاقية صلاحيات واسعة لقوات الاتحاد الافريقي (التي تزداد الضغوط لتحويلها الي قوات اممية) صلاحيات واسعة في مجال حفظ الامن وتأمين سلامة المواطنين، وهي خطوة لا تبشر بخير كثير لمستقبل البلاد لأنها تمثل اعترافاً من الاطراف السودانية بالعجز عن توفير الحد الأدني من المتطلبات، وهي الأمن، عبر سلطة وطنية.الاتفاقية بصورتها الحالية هي اقصي ما يسمح توازن القوي الحالي للحركات بالحصول عليه، وهي بالقطع خطوة للامام. ولكنها ليست نهاية المطاف، لا بالنسبة للحكومة ولا بالنسبة للاطراف الاخري. بالنسبة للحكومة لان هناك عواقب ستترتب علي الاتفاق، ابرزها دخول القوات الدولية اضافة الي تقديم الحكومة تعهداً جديداً بالالتزام بالديمقراطية، وهو التزام سيكون له ثمن باهظ في حال تنفيذه. ولا ننسي بالطبع المحكمة الجنائية الدولية التي تنوي ملاحقة عدد من كبار المسؤولين في النظام. وبالنسبة للحركات فانها تواجه التنافس فيما بينها ومع القوي الاخري، وتراجع دورها الذي فرضته عسكرياً في مناخ السلم الذي يعيد الي الساحة القوي الاخري. بعض الحركات، مثل حركة العدل والمساواة ، تواجه خطر التهميش الكامل، حيث صرح الوسطاء الغربيون بأنهم لا ينوون حتي معاودة الاتصال بها لاقناعها بالتوقيع علي الاتفاق في المهلة التي حددها الاتحاد الافريقي بالخامس عشر من الشهر الجاري. ويرجع هذا الي الضعف الميداني للحركة ونظرة البعض لها بأنها الواجهة السياسية لحزب الترابي، اضافة الي تورطها البادي في الحرب الاهلية في تشاد. اضافة الي ذلك فان المفاوضات لم تتطرق اساساً للب المشكلة، وهو الصراع السياسي والعرقي الذي يمزق دارفور ويضع موضع التساؤل مجرد فكرة وجود كيان يمكن ان يسمي بهذا الاسم وان تكون له مطالب في ظل الاستقطاب الحاد القائم بين مكونات الاقليم.الاتفاق اذن يعبر عن ارادة دولية باغلاق ملف دارفور اكثر مما يعبر عن رغبة في حسم الصراع هناك، وهو تطور لا يحق للحركات ان تعترض عليه بعد ان احتفلت طويلاً بالسند الدولي دون ان تستثمره في الوقت المناسب. وهو كما ذكرنا لا يوفر حلاً للأزمة بقدر ما يعيدها الي حجمها الطبيعي كمشكلة سودانية داخلية اطرافها للاسف يمثلون المشكلة لا الحل، كل علي طريقته.9