د. ابراهيم ابراش
هل يمكن ان يكون المشروع الوطني الفلسطيني اكذوبة كبري؟ سؤال كبير ينبثق من وسط الحالة المأسوية التي اوصلتنا اليها القوي المتقاتلة في قطاع في مناطق السلطة وخصوصا في قطاع غزة والتي كان يفترض ان تكون نواة الدولة الموعودة او الترميز المجسد للمشروع الوطني. ما يجري قي غزة من اقتتال بين مجموعات، هي اقرب للمرتزقة، تدعي كل منها انها تمثل القضية الوطنية، والتداعيات السياسية والنفسية والاقتصادية المرئية او الخفية لهذا الاقتتال في الضفة والشتات والتي لم تثر اهتمام احد لانشغال الجميع بصوت الرصاص ومشاهد الموت، هذه التداعيات ستتكشف قريبا وسنكتشف كم هو مهذب ومخادع لفظ الانفلات الامني او الاشتباك بين مجموعات مسلحة الذي نصف به الحالة. ايضا فان ما يجري لا يمكن ان يختزل بالقول بأنه صراع علي السلطة ما دام لا توجد اية سلطة فلسطينية حقيقية علي اي شبر من ارض فلسطين، وما يجري لا يمكن ان يقال بانه مجرد حرب بالوكالة عن اطراف خارجية سواء كانت امريكا واسرائيل من جانب او ايران وسورية واصولية اسلامية من جانب ثان… الحالة تستوعب كل هذه الاشياء ولكنها عندما تجتمع سويا يصبح الامر اخطر واكبر، ما يجري يبعث رسالة خطيرة مفادها انه لم يعد هناك وطن ولا مشروع وطني ولا قيادة وطنية، فكيف يكون للفلسطينيين ذلك او يطالبون به وهم غير القادرين علي حكم ما هو متاح بيدهم من ارض بسلطة محدودة، كيف سيقنعون العالم بأنهم يستحقون ان يحكموا انفسهم بأنفسهم في دولة مستقلة تشمل ايضا الضفة والقدس فيما نخبتهم وقياداتهم منشغلة فيما هو دون ذلك؟! عندما تصل الامور الي ان يتقاتل من يُفترض انهم حماة وحملة المشروع، وعندما يُخوِنون او يُكفِرون بعضهم البعض، عندئذ تنتصب امامنا اسئلة كبيرة وخطيرة… هل كنا نعيش في وهم وعلي وهم؟ هل كل هذا التاريخ النضالي المليء بالمعاناة والتضحيات والبطولات والاحلام الكبيرة والتي سربلت تاريخا امتد منذ حوالي مئة عام، هل كان اكذوبة كبري؟ هل الذين سقطوا في هبة البراق الاولي كانوا علي خطأ؟ هل عطا الزير والحجازي وجمجوم كانوا قطاع طرق؟ هل عز الدين القسام وجماعته وثورة وثوار 1936 كانوا علي باطل؟ هل النكبة لم تكن نكبة بل عقابا إلهيا لأننا عارضنا مشروع شعب الله المختار؟ هل جموع اللاجئين في مخيمات الوطن او (الوطن المخيم) وفي الشتات كانت تعيش في وهم وعلي وهم لا اساس له وحق ليس بالحق عندما كانت تتمسك بأمل العودة لوطن اثبتت قيادتنا ونخبتنا العتيدة بغباء وعنجهية وفساد نسبته الينا، اننا لا نستحق هذا الوطن؟ هل الشهداء الذين سقطوا في جرش وعجلون وعمان وعلي ضفتي نهر الاردن وبيروت والجنوب اللبناني وصبرا وشاتيلا والخضيرة والقدس وتل ابيب.. الخ قد اغدقنا عليهم صفة الشهادة زورا وبهتانا؟ هل كانت الانتفاضتان، وما سقط خلالهما من شهداء واسري وجرحي انتفاضتي لصوص وجياع وقطاع طرق؟ هل ننزع شواهد القبور من علي مقابر سميناها مقابر شهداء فلسطين وزينا بها وباركنا ارض بلاد الغربة في عمان ودمشق وبيروت وتونس.. الخ، لانه ثبت ان هؤلاء لم يكن عندهم قضية عادلة يقاتلون من اجلها؟ هل ننزع صور الشهداء والشعارات من علي الجدران ونعتذر للجدران لأننا كذبنا عليها باثقالها بأوهام واكاذيب وبشعارات لا تساوي الدهان الذي خطت به؟ هل نعيد النظر في كتب التاريخ والجغرافيا والتربية الوطنية بتنظيفها من اوهام واساطير عن وطن وقضية وطنية ونضال وحقوق مشروعة تقول ممارسات امراء الحرب القذرة في شوارع غزة بأنه ليس وطنا ولا حقا مشروعا؟ هل كان ياسر عرفات وابو جهاد وابو اياد وابو يوسف النجار والكمالان والشيخ ياسين والرنتيسي وابراهيم المقادمة وصلاح شحادة ويحيي عياش والشقاقي وابو علي مصطفي.. الخ هل كانوا قادة مافيات وعصابات مسلحة غرروا بفارس عودة وبآلاف من اطفال الانتفاضتين؟
ولكن ومع افتراض ان كل ما ذكرنا صحيح واننا من شعوب العالم الثالث المتخلفة التي تجري وراء الشعارات والقيادات الديماغوجية… الخ، وبالتالي فالقضية كلها كانت اوهاما من صنع خيالنا! فهل كانت قوي التحرر عبر العالم ساذجة ومُغرر بها وبالتالي كانت علي خطأ ايضا عندما تبنت القضية ورفدت المقاومة الفلسطينية بالمقاتلين والمناضلين وكانت الثورة الفلسطينية قدوتهم والمدرسة التي تعلموا فيها دروس النضال والمقاومة؟ ولنفترض ايضا بأن هذه جموع شعبية عاطفية وانفعالية يمكن ان تنساق وراء اوهام وشعارات كبيرة، فماذا بشان اعتراف اكثر من مئة دولة بعدالة قضيتنا واعترافها بمنظمة التحرير ممثلا لشعب له حقوق سياسية وبالتالي فتحت له سفارات وممثليات؟ وماذا ايضا بالنسبة للشرعية الدولية؟ هل كانت عشرات القرارات التي صدرت وتعترف بحق تقرير المصير للشــــعب الفلسطيني وحقه بالعودة لوطنه وحقه بالمقاومة بدءا من قراري التقسيم وحق العودة الي قرار محكمة العدل الدولية حول الجدار، هي ايضا اوهام واخطاء تاريخية؟
يقينا لا يمكن ان يكون تاريخنا اكذوبة وحقوقنا وهما والعالم كله الذي اعترف بحقوق سياسية لنا حتي وان لم تكن متطابقة مع حقوقنا التاريخية علي خطأ، ولا يمكن ان يكون شعب بكامله علي خطأ. اذن اين الخطأ والخلل ومن المسؤول عما آلت اليه القضية؟
كل مشروع وطني او قضية وطنية تتكون من مرتكزات او محددات داخلية وخارجية:
المحددات الداخلية اربعة وهي: 1) الهدف الوطني المشروع: قد يؤسس علي شرعية تاريخية او شرعية دينية او شرعية دولية او شرعية وطنية توافقية. 2) الاستراتيجية الوطنية للوصول للهدف: اما عسكرية او سياسية او توفيقية بينهما. 3) الشعب صاحب القضية: وفي الحالة الفلسطينية مفهوم الشعب مرتبط بالمفهوم الوطني. 4) القيادة السياسية.
وفي الحالة الفلسطينية هناك خلاف حول المحددات الاربعة ولا مجال هنا للتوسع بالموضوع. اما المحددات الخارجية فهي اربعة ايضا: 1) العدو او الاعداء: وهؤلاء يقسمون لاساسيين وثانويين ومحتملين… الخ. 2) الحلفاء: وهؤلاء ايضا ينقسمون لحلفاء مبادئ وحلفاء مصالح… الخ. 3) المحايدون: وقد يكون حيادهم استراتيجيا او حيادا مؤقتا او مشروطا… الخ. 4) الشرعية الدولية. وهذه مجتمعة يمكن تسميتها بالمحيط الخارجي او المحددات الخارجية.
تجاوب وفعالية البيئة الخارجية مرتبط بالمحددات الداخلية، والمحددات او الركائز الداخلية مرتهنة بالقيادة التي تُحسن توظيف العناصر الثلاثة الاخري. من كل ذلك نستنتج بأن البوصلة المحددة للاتجاه، ومناط المسؤولية هي القيادة الوطنية للشعب صاحب القضية، كثير من الامم تعرضت للهزائم والدمار بسبب قياداتها الفاشلة او المتواطئة، وامم اخري كانت مؤسسة القيادة عندها ســــببا في نهوضها من كبوتها وهزائمها وتحقيق انتصارات، واهم مَن يعـــتقد ان الشعوب تحكم نفسها بنفسها سواء بأنظمة الديمقراطية او انظمة الثورة، وواهم ايضا من يعتقد بأن التحالفات او المحاور الخارجية يمكنها ان تحقق لشعب ما حقوقا سياسية قابلة للدوام حتي وان كانت التحالفات قائمة علي أسس عقائدية او ايديولوجية. فاذا كانت قضيتنا عادلة ولا غرو في ذلك، ليس عدالة مستمدة من ممارسات امراء الحرب او ايديولوجياتهم المأزومة، بل من صمود الشعب ومعاناته والاعتراف الدولي بهذه العدالة حتي وان كانت عدالة الشرعية الدولية، وحيث لا يمكن ان نحمل المسؤولية لاسرائيل لان امرها محسوم كدولة احتلال وعدو ولا يمكنها ان تمارس الا كعدو يريد ان يدمر مشروعنا الوطني، اذن الخلل يكمن فيمن نصبوا انفسهم قيادة الشعب ونخبه السياسية او دفعوا الشعب لصيرورتهم كذلك، المشكلة في اشباه قيادات ليست في مستوي عظمة الشعب وعدالة القضية، المشكلة في نخب سياسية تعتبر المناصب والمواقع القيادية والامتيازات ومظاهر الابهة من مرافقين وسيارات وجولات خارجية ولقاءات مبهرجة في فنادق فخمة وامام الفضائيات… الخ ـ تعتبر هذه الامور هي القيادة او مواصفات القيادة. اما القلة من القيادات الحقيقية فمغلوب علي امرها فأعداء القضية يحاصرونهم اما بالقتل او الحصار المالي والحد من حرية التحرك، والنخبة الغالبة تحاصرهم بكثرة مالها وسلاحها وسيطرتها علي مراكز القرار في مؤسسات السلطة ومؤسسات المجتمع المدني. كنا نتمني ان تردعهم التداعيات المدمرة والمخجلة لجولة الاقتتال الاولي التي سبقت لقاء مكة، بعدما فشل شرف التوقيع علي وثيقة الاسري عن ردعهم، وتفاءلنا بلقاء مكة وما انتج من تفاهمات الا اننا فجعنا بأنهم اهتموا وانشغلوا بالمحاصصة ولملمة ملفات الفساد والتجاوزات فيما بينهم اكثر من اهتمامهم بوضع استراتيجية عمل وطني حقيقية وشراكة سياسية حقيقية، كانت حكومة وحدة وطنية بالمسمي وحكومة محاصصة بالواقع، كان هناك برنامج للحكومة شكلا وبرامج تطبق علي الارض واقعا، نتيجة كل ذلك كان من المحتم ان تفشل الخطة الامنية قبل بدء تطبيقها وان يؤدي فشلها لوضع اسوأ مما كان قبل لقاء مكة، لان المحرمات انكسرت ولم يعد الدم الفلسطيني علي الفلسطيني حراما واستمراء البعض حالة الفلتان والفوضي والقتل العبثي، ولان مفتيٍ السوء والفتنة تكاثروا بقدر تكاثر تجار السلاح والفساد السياسي. ولاننا نؤمن بأنه ما زال في شعبنا خير وفي قيادتنا بقية من عقل فقد استبشرنا خيرا بتوقيع اتفاق وقف الاقتتال الداخلي بالامس (18ايار/مايو)، بالرغم من انه الاتفاق الخامس خلال ست ايام، ولان اسرائيل استغلت الفتنة الداخلية لتعاود عدوانها سعيا منها في ان يؤدي هذا العدوان الي زيادة الاحتقان الداخلي بدلا من توحيد الجهود الوطنية في مواجهتها. ولكن… وحتي نخترق مفردات الألم والحسرة والاخلاق او المثاليات وهي التي سيطرت علي كل من تناول موضوع الاحداث الدامية في غزة، سنطرح تساؤلات نتمني ان تتوقف عندها قيادتنا العتيدة انطلاقا من مبدأ انه ما زال هناك امل، والتساؤلات هي التالية:
اولا: هل لدينا رئيس منتخب وصاحب قرار ويفترض ان يكون بيده مصدر القرار الوطني؟ ام ان الرئيس لم يعد رئيس كل الشعب بل رئيس فريق من الفرقاء المتقاتلين؟ او ان ما يجري يتوافق مع تصور يتبناه ومخطط يهدف الوصول اليه؟
ثانيا: هل يمكن الفصل ما بين موجة الاقتتال الراهنة والتحركات الامريكية والاردنية الاخيرة، وبالتالي نبدد الشك بأن الاقتتال من مستلزمات هذه التحركات وهناك قوي حرضت عليه واشعلت فتيله؟ ثالثا: هل هو انزلاق محسوب ومخطط له نحو شكل من اشكال الوصاية يعيد الامور الي ما قبل حرب 1967 ولكن هذه المرة بحق اقل وارض اقل وكرامة اقل؟ ام ان تعاظم الدور المصري في غزة والتحرك الاردني في الضفة والحديث عن قوات دولية هي من التداعيات المنطقية لتطور الاحداث الاخيرة وبالتالي لا داعي للتأويل او التفسير؟
رابعا: هل حقيقة ان الاقتتال هو بين جماعات متطرفة ومتمردة علي قيادتها في كل من حركة حماس وحركة فتح وتنفذ اجندة خارجية؟ ام هو قتال بين الفصيلين بقيادتيهما وبالتالي صراع بين استراتيجيتين لم يفلح لقاء مكة ولا حكومة الوحدة الوطنية في التقريب بينهما؟
خامسا: هل بعد كل ما جري يمكن ان نستمر بالحديث عن حكومة وحدة وطنية؟ ام يجب ان نعيد النظر ببرنامجها واستراتيجيه عملها وعامل الثقة بين مكوناتها حتي لا يبقي الاسم ستارا ترتكب من خلفه كل المحرمات والجرائم؟ واخيرا ولانه ليس لنا بديل لفلسطين الا فلسطين وليس لنا بديل عن هذه القيادة الآن ما دام الشعب انزلق بارادته نحو خيار الانتخابات الذي هو خارج سياق مرحلتنا، انطلاقا من ذلك نتمني علي هذه القيادة ان تصارح شعبها بالحقيقة كل الحقيقة بدلا من الهروب للأمام نحو مقاومة دون استراتيجية او مفاوضات دون افق سياسي. ہ كاتب من فلسطين8