لندن- “القدس العربي”: مازالت موسكو تتخذ قرارات مبهمة بالنسبة للغرب في استراتيجيتها العسكرية، غير أنها حققت هدفين، الأول وهو تدمير البنية الصناعية العسكرية الأوكرانية، ثم ضم مناطق شرق البلاد حيث لم يعد لكييف أي منفذ على بحر أزوف. وقد يكون توجه موسكو لاحقا هو التوسع نحو السيطرة على شواطئ أوكرانيا المطلة على البحر الأسود.
وبعيدا عن خطاب وسائل الإعلام الذي يركز على فشل الجيش الروسي، يحتار المراقبون العسكريون في تقييم حقيقي لاستراتيجية الكرملين في هذه الحرب بين القوة والضعف والخداع. وأعلنت موسكو مرة واحدة على لسان الرئيس فلاديمير بوتين عن أجندتها في هذه الحرب وهي حماية سكان دونباس (دونيتسك ولوغانسك) من هجمات كييف. وكان ذلك يوم شن الهجوم في 24 فبراير/شباط الماضي.
واكتمل هذا الهدف خلال الأسبوع الجاري نتيجة الاستفتاء الذي شهدته مناطق الشرق، التي تعتبر الآن جزءا من روسيا بعد المصادقة على الانضمام. غير أن المفاجأة الحقيقية هو امتداد الضم الى أبعد من دونباس من خلال الاستحواذ على كل من خيرسون وزاباروجيا.
ومن خلال تأمل خريطة الضم والاستحواذ، يتبين كيف فقدت أوكرانيا كل منفذ على بحر أزوف، الذي كانت تتقاسمه مع روسيا. وكانت البداية مع فقدان شبه جزيرة القرم من خلال استفتاء سنة 2014، والآن فقدت منافذ كل من خيرسون وزاباروجيا ودونيتسك. وكان بحر أزوف يشكل نقطة ضعف كبيرة لروسيا بسبب رسو سفن غربية ومنها أمريكية بالأساس في موانئ أوكرانيا، وأصبح هذا الآن مستحيلا بعد الضم. ويعد بحر أزوف الآن بحرا داخليا روسيا بامتياز كما كان في عهد الاتحاد السوفياتي.
كان بحر أزوف يشكل نقطة ضعف كبيرة لروسيا بسبب رسو سفن غربية ومنها أمريكية بالأساس في موانئ أوكرانيا، وأصبح هذا الآن مستحيلا بعد الضم
وبما أن موسكو لم تقتصر فقط على حماية وضم دونباس بل تعدت إلى خيرسون وزاباروحيا، تشير كل الدلائل الى فرضية محتملة جدا، وهي تخطيطها للاستحواذ على شواطئ أوكرانيا المطلة على البحر الأسود. وقد تكون هذه هي المرحلة الثانية من الحرب الروسية. وبدون شك، فإن التعبئة الجزئية التي أعلنها الرئيس بوتين، الإثنين الماضي، بتجنيد 300 ألف من جنود الاحتياط، تدخل في هذه الاستراتيجية.
وارتباطا بهذا، قد تدخل روسيا مرحلة جديدة من الحرب من خلال اللجوء الى القوات الرسمية مسنودة بقوات الاحتياط للسيطرة التدريجية على جنوب أوكرانيا لتكتمل استراتيجية السيطرة الروسية الكاملة على شواطئ أوكرانيا على البحر الأسود. وقد تترك روسيا لأوكرانيا منفذا صغيرا لاستعماله للتجارة الدولية من خلال التصدير والاستيراد. وهذا السيناريو شبيه بما حدث ما بين تشيلي وبوليفيا، اللتين قامت الحرب بينهما نهاية القرن التاسع عشر، واستحوذت تشيلي على شواطئ بوليفيا وحرمتها من 400 كلم كمنفذ على المحيط الهادئ.
وكانت “القدس العربي” قد تحدثت في مارس/آذار الماضي عن استراتيجية موسكو لتقسيم أوكرانيا، لكن تطورات الحرب بدأت تشير إلى فرضية وجود مخطط روسي يرمي الى حرمان أوكرانيا من الشواطئ البحرية باستثناء ميناء أو مينائين للتصدير والاستيراد. وقد حققت المرحلة الأولى من خلال السيطرة التامة على بحر أزوف الذي أصبح روسيا، والمرحلة الثانية هي السيطرة على شواطئ أوكرانيا في البحر الأسود.
وفي وقت يتحدث فيه الإعلام عن الصعوبات التي يعاني منها الجيش الروسي، فقد فقدت أوكرانيا قرابة 20% من أراضيها لصالح روسيا، وانهار اقتصادها بأكثر من 30% وفقدت ما يفوق أربعة ملايين من سكانها الذين لجأوا الى دول الجوار.