آخر مرة التقيت بحاكم شاب رؤوف يحكم البلاد كانت في حلم طويل عشت تفاصيله بعد وجبة طعام ثقيلة وصحوت منه على خبر انفجار مرفأ بيروت. ومن يومها أحاول أن لا أنام كي لا أحلم. فالأحلام الجميلة مشبوهة. تطارد الواقع. وتلاحقه حتى الموت.
أذكر حاكم الحلم. نعم أذكره جيداً، لأن صفاته لا تشبه تلك التي يتمتع بها أغلب حكامنا. حاكم من نوع آخر يختلف كل الاختلاف عن هؤلاء الذين اعتدنا على رؤيتهم في شاشات التلفزيون وفي الصحف وعلى صفحات مواقع التواصل الاجتماعي. كان في الثلاثين من عمره، وسيماً مبتسماً هادئاً لا يصرخ في المجالس ولا ينفعل ولا يهدد شعبه ولا يساعدهم في حزم حقائبهم والهجرة بعيداً. حاكم الحلم ينام فقط في الليل ولساعات قليلة ويعمل طول النهار. أعرف أنها معلومات مدهشة وبأني أكثرت من أكل الرز في تلك الليلة .
علمت أن ذلك الحاكم الشاب يحمل شهادات عالية وهو مثقف أيضاً. يقرأ كثيراً، وعلمت من بعض سكان الحلم أنه يأخذ من الرأفة منهجاً ومن العدل نظاماً ومن المحبة قوة وشجاعة لمساندتهم وحل ما استطاع من مشاكلهم.
مشيت في شوارع الحلم كانت نظيفة منظمة. رأيت الأطفال يدخلون المدارس الحكومية مبتسمين.
ثم قررت زيارة الحاكم. فاستقبلني بابتسامة عريضة وأخبرني عن كل جهوده وعن مشاريعه لمزيد من التطوير والإزدهار في كل أنحاء البلاد وفي كل القطاعات. أخبرني عن سعيه لزيادة مراكز معالجة السرطان وتمويل كل البحوث التي تصب في هذا الاتجاه. وقبل أن نشرب قهوتنا معاً، نبح كلب الجيران ففتحت عينيّ وتناولت هاتفي المحمول لأقرأ عليه خبرا نشرته «أم تي في»: إن المرضى سيدفعون ثمن أدويتهم «كاش» في المستشفيات اللبنانية، أو لا علاجات بعد اليوم.
لطالما اعتقدت أن الأحلام كالأوطان تماماً نتواطأ معها. تهجرنا ونهجرها حين يسود القهر. وذاك الحلم قهرني بشدة لا لشيء إلا لسخافته فقررت هجره ونسيانه تماماً. لا أدري من أين أتاني ذلك الحاكم الشاب الذي لا وجود له ولا حتى عند جيراننا في كواكب عطارد وزهرة والمريخ وزحل.
لذلك نسيت الموضوع تماماً وحرّمت أكل الرز، وما عدت أشتريه!
حاكمة من نوع آخر
لولا الآمال لانعدمت الحياة. هكذا تصدرت مؤخراً رئيسة وزراء نيوزيلندا الأخبار العالمية والمحلية. إنها حاكمة من نوع آخر وتشبه إلى حد كبير ذاك الحاكم الذي قابلته في الحلم. إنها جاسيندا أردرين، امرأة شامخة وسياسية مبهرة تؤمن أن التعاطف يحتاج الكثير من الشجاعة والقوة. سياسية اتخذت من الإنسانية منهجاً طوال حكمها.
بعد ست سنوات قررت جاسيندا التنحي عن منصبها. ولكن لم تتنح لأنها أصبحت عجوزا في التسعين من عمرها، وترغب بتوريث الكرسي إلى ابنها أو صهرها. ولم تترك منصبها وتأخذ الكرسي معها إلى القصر، حتى يبلغ الحفيد المنتظر السن المناسب للتربع في نفس المنصب. لقد أخذت قرارها لأنها وببساطة شديدة تدرك ما يتطلبه عملها وتشعر بأنها لم تعد تتمتع بنفس الطاقة الكافية لإعطاء المنصب حقه. حين بدأت عهدها لم تصل عملة بلادها إلى الحضيض. ولم تسرق أموال الشعب ولم تجوعهم وتنهب أحلامهم وتشردهم جياعاً على الطرقات. ولم تتسبب في انتحار بعض الشباب وموت الكثيرين غرقاً في البحار، بعد انعدام فرص الحياة في الوطن، بل زادت من خدمات الرعاية الحكومية وحلت أزمة السكن وساندت حقوق العمال ورفعت أجورهم بنسبة 30 في المئة. ولم تنس أن تزيد من فرص العمل ومن إجازات الأهل، رغم كل التحديات التي واجهتها كرئيسة شابة من قبل الذكوريين في الوسط الصحافي والسياسي. امرأة حديدية وقفت في وجه الإرهاب وتعاطفت مع الضحايا، خصوصاً بعد الهجوم المسلح على المسجدين، الذي تسبب بقتل 51 مسلماً عام 2019. لم تبق جالسة في منزلها – كما فعل سياسيون آخرون حين انفجر قلب عاصمتهم – بل تحركت بسرعة وبدافع كبير من الإنسانيّة، وزارت موقع الجريمة حاملة الورود ومعانقة الأهالي. حاربت التطرف العنصري بكل قوتها وشددت الرقابة على حيازة السلاح. تماماً كما هو حالنا! لا أحد يحمل السلاح في بلدنا إلا الجيش. ولم يمت أحد برصاصة طائشة في الاحتفالات. ولم نسمع من قبل عن الاغتيالات.
يبدو أن جاسيندا شعرت بالغيرة، لذلك سعت بجهد إلى تطبيق قوانيننا في بلادها. وحرصت أيضاً على فرض كل الترتيبات الصحية التي أخذتها حكومتنا للتقليل من نسبة الوفيات بكوفيد. كما قلّدت كرم سياسيينا في التبرع بنصف مرتباتهم للمواطنين الفقراء المتضررين من الجائحة. هكذا قامت بنفس الحركة وقطعت من راتبها ورواتب الوزراء 20 بالمئة لمساندة الشعب.
الجود من شيم حكامنا وهم مدرسة عالمية في العطاء ومشتقاته!
لا بد أن يخلد التاريخ على طريقته أسماء كل من رئيسة وزراء نيوزيلندا وحكامنا: جاسيندا أردرين ستكون في لائحة أفضل حكام العالم وهم سيكونون الأفضل في مزابله، ومن دون منازع.
كاتبة لبنانيّة