رامي أبو جبارة بعيدا عن التساؤلات اليومية للانتفاضات العربية وانتخاباتها، من قام بتلك الانتفاضات ومن قطف ثمارها؟ هل كانت المعارضة السياسية على قدر المسؤولية في معارضتها حتى تصل إلى سدة الحكم؟ وهل مثـّلت الاحزاب السياسية شباب الانتفاضات أم عملت على اقصائهم؟ أقول بعيدا عن هذه التساؤلات، بات هناك واقع جديد بوصول الاحزاب السياسية المعارضة إلى سدة الحكم، وسقوط نظيراتها الحاكمة بدرجة امتياز. ومع هذا التحول الكبير الذي طرأ على ثلاثة أقطارٍ عربيةٍ حتى الآن بإعتلاء أقطاب معارضة الماضي سدة حكم الحاضر، تبرز تحديات كبيرة امام المسؤولين الجدد منها معالجة الانفلات الأمني وتحريك عجلة الاقتصاد وخلق فرص عمل جديدة واعادة الاستقرار السياسي (بمفهومه الايجابي) وغيرها من التحديات التي تناقشها العامة والخاصة بشكل يومي. إلا أن أكثر هذه التحديات صعوبة وخطورة هي ما لم يتم الخوض أو قلما تم الخوض فيه حتى الآن، ألا وهو التناقض المحتمل بين الجسم المدني العامل في مختلف مرافق الدولة ومؤسساتها من جهة، وبين الرؤوس الجديدة لهذه المؤسسات متمثلة بأقطاب المعارضة ورجالاتها من جهة أخرى. قبل الخوض في الموضوع وحتى يتسنى لنا التصدي لهذه الاشكالية – التي اعتقد أنها أزمة وليست مجرد اشكالية – بمنهجية وموضوعية، لا بد لنا من التعريف بمفهوم الخدمة المدنية. رغم عدم وجود تعريف موحد لمفهوم الخدمة المدنية في العلوم السياسية وعلم الاجتماع، إلا أنه يمكن القول ولغايات هذا المقال أنها ذلك النوع من الخدمة التي يقوم بها مجموعة من العاملين/العاملات في مرافق الدولة المختلفة لتسيير شؤونها. وكما هو معروف فإن هؤلاء العاملين يختلفون عن الوزراء وكبار المسؤولين، حيث من المفترض أن يتم تعيينهم على أسس الكفاءة والمهنية، وأن لا تدخل الحسابات السياسية في معايير توظيفهم. وهم بذلك يخدمون الدولة (المكونة من الشعب والأرض ونظام الحكم) ولا يخدمون حكومة ً أونظاما سياسيا بعينه، ولذلك فإن العامل المدني في الدول الديمقراطية لا يتغير بتغيّر الأحزاب الحاكمة. ولكن ما لا يمكن تجاهله أن أنظمة الاستبداد التي حكمت الأقطار العربية طوال العقود الماضية استطاعت افساد قطاع الخدمة المدنية في بلدانها، وذلك من خلال تعيين الموظف المدني بناء على ولائه وليس على كفاءته، وبناءا على قدرته على النفاق والتملق بدلا من قدرته على العطاء. وقد عملت هذه الاجسام على احتضان كل ما هو فاسد ومحاربة كل ما هو نقي وشريف، واستطاعت التغلغل في جميع مفاصل الدولة والتحكم بجميع مقدراتها، وفرز مجموعة هائلة من العاملين المدنيين الضالعين بالفساد، جاعلينه – أي الفساد – بذلك منظومة يصعُب تفكيكها. كما لا يمكننا تجاهل – وهنا لب الموضوع – الصدع الكبير بين أعضاء المعارضة سابقا وعدد مؤثر من أعضاء الجسم الحكومي والرسمي المتمثل بموظفي الخدمة المدنية. نعم أقول أن هذا الصدع يشمل الجسم وليس الرؤوس فقط لأن الانظمة السياسية السابقة استطاعت توظيف هذا الجسم الكبير في محاربة من يعارضها، وخلقت بذلك عددا كبيرا من المعارك الفرعية على جميع المستويات بين هؤلاء العاملين وبين من كانت تريد السلطة السياسية محاربته. فعلى سبيل المثال كانت اجهزة الامن التابعة لوزارة الداخلية تبطش بالمعارضين وتنكل بهم، ولم يكن الوزير أو مساعده فقط من يقوم ويشرف على ذلك، بل كان معظم العاملين في الأجهزة الأمنية يتورطون في هذه الممارسات البشعة. وقد امتد هذا المشهد ليشمل جميع مناحي الحياة الاخرى، فقد كانت السلطة السياسية تـُوظـّف اساتذة الجامعات الحكومية الموالين لها ضد زملائهم المعارضين، وتـُجيّش موظفي وزارة الثقافة والقطاع الثقافي العام ضد المعارضين من الكتاب والمثقفين، وتـُشّغل صحفيي وموظفي القطاع الاعلامي العام لتشويه المعارضين لها من الاعلاميين والسياسيين، وغير هذا الكثير من تلك المعارك الفرعية. هنا اذن تبرز الأزمة في اوضح تجليّاتها، فكيف سيتعاطى وزير داخلية جديد وطاقمه مع من قاموا بتعذيبهم في ماض ٍ ليس ببعيد؟ وكيف سيتعاطى وزير التربية ورؤوساء الجامعات الحكومية الجدد مع من حاربهم سابقا في لقمة عيشهم من الزملاء؟ وكيف سيتعامل وزير الثقافة الجديد وطاقمه من مدراء مسارح ومتاحف وغيرها من هيئات ثقافية متنوعة مع أعداء الأمس من موظفين حكوميين؟ وكيف سيتعامل وزير الاعلام وطاقمه من رؤساء تحرير ومدراء المؤسسات الاعلامية الحكومية مع من شتمهم من صحفيين ومقدمين ومذيعين؟ ألن تكون روح الانتقام حاضرة في كثير من الأحيان؟ بالمقابل هل من الممكن أن يتقاعس هؤلاء العاملين بغية تحميل الحكومات الجديدة مسؤولية الفشل في هذه القطاعات؟ ألن يشكل هذا الجسم الهائل من قطاع الخدمة المدنية قوة شدة عكسية للاطاحة بالمسؤولين الجدد؟ الجواب هو نعم، كل هذا ممكن بل ومرجح وقوعه، خصوصا وأن هناك شخصنة كبيرة في مثل هذا الخلافات، على اعتبار أن المسؤول الجديد في وزارة أو مؤسسة ما سيأتي غالبا من نفس الوسط الذي حورب فيه سابقا كونه مجال اختصاصه، مما سيضفي مزيدا من الحدّية والندّية على هذا الصراع. وبالتالي فإن اسناد المناصب العليا لوجوه المعارضة في المؤسسات الرسمية والحكومية المدنية مع ابقاء الجسم الحامل لهذه المؤسسات كما هو، من شأنه أن يخلق أزمة كبيرة في تسيير شؤون الدولة على المدى القريب. وفي المقابل إن الاستغناء عن عشرات وربما مئات الآلاف من العاملين المدنيين هو امر غير منطقي نظريا ومستحيل عمليا. أما الابقاء على الوزراء ومدراء المؤسسات العامة وكبار المسؤولين السابقين فهو بالطبع أمر مستحيل لأنه مرفوض من قبل الأحزاب الفائزة بالانتخابات نفسها ومن الشعوب أيضا، فما العمل اذن؟ بإعتقادي أن الوقت فقط هو الكفيل بحل هذه الازمة، شريطة أن تتبع السلطات السياسية القادمة أسس جديدة في اختيار موظفي الخدمة المدنية تقوم على الكفاءة والحرفية، وأن تنتهج سياسات جديدة في تقديم هذه الخدمة للمواطن بناءا على العدل والمساواة. كما على هذه السلطات أن تعمل جاهدة على اعادة تأهيل ونشر الوعي بين أفراد هذا القطاع الهام – ألا وهو قطاع الخدمة المدنية – واعطاءهم دورات تدريبية مكثفة عن مفهوم الخدمة المدنية وغاياتها السامية في خدمة الوطن والمواطن، ولهذا الاجراء أهمية كبيرة لأن غالبية موظفي الخدمة المدنية لا يعرفون ابجديات هذه الخدمة بعد عقود من توظفيها في قمع المواطن وسرقة الوطن. وحتى مرور الوقت اللازم لتجاوز هذه الأزمة، أعتقد أنه من الأفضل أن تتجنب الأحزاب الجديدة الحاكمة تشكيل حكومات مؤدلجة وتعيين طواقم ٍ تـُعبّر عن توجهاتٍ سياسيةٍ واضحة، وأن تكتفي بتشكيل حكومات تكنوقراطية وتعيين طواقم ادارية اصلاحية محايدة، مصحوبة بلجان مراقبة من أعضاء الاحزاب السياسية الفائزة للإشراف على عمل الوزارات ومؤسسات الدولة المختلفة، بالإضافة إلى تشكيل هيئة قضائية نزيهة وحيادية تختص بتجاوزات موظفي قطاع الخدمة المدنية وتفعيل مبدأ المحاسبة والملاحقة القانونية في هذا القطاع. ‘ كاتب اردني