محمود قرني
القاهرة ـ “القدس العربي” يعتزم كل من المخرجين السينمائيين داوود عبدالسيد ومحمد كامل القليوبي تقديم استقالتيهما من لجنة السينما بالمجلس الأعلي للثقافة، في حال قيام وزير الثقافة فاروق حسني بانشاء اللجنة الدينية التي يزمع الحاقها بلجان المجلس الأعلي للثقافة للرقابة علي أعمال الوزارة، علي خلفية المعركة الدائرة الآن بسبب تصريحات الوزير المناهضة لظاهرة الحجاب، في الوقت نفسه أصدرت حركة أدباء وفنانون عقب بيانها الصادر في الأسبوع الماضي بيانا آخر قالت فيه: في الوقت الذي حذرت فيه حركة أدباء وفنانون من أجل التغيير، في بيانها الصادر في الأسبوع الماضي، من التسليم بتحول شرعية الدولة التحديثية الي شرعية الكهنوت وصكوك الغفران، أطلق وزير الثقافة تصريحات تؤكد اعتزامه انشاء لجنة للثقافة الدينية تتبع المجلس الأعلي للثقافة وتكون مهمتها الرقابة علي الأعمال التي تنهض بها الوزارة وذلك علي خلفية المعركة الزائفة بين وزير الثقافة وجماعة الاخوان حول ظاهرة الحجاب وهي الظاهرة التي أهدرت جهد المجتمع وطاقته في مناقشة قضايا زائفة لا تتصل بهموم المواطنين من قريب ولا من بعيد، فتشدهم عما يتعرضون له من قمع وتجويع وتراجع في الدور المصري علي المستويات كافة، واستخدم فيها الدين لأغراض سياسية واضحة بين طرفي الصراع الوهمي لتحقيق مكاسب سياسية.
وتعلن جماعة أدباء وفنانون من أجل التغيير رفضها لهذه المعركة، وادانتها بوصفها تعبيرا عن أزمة المجتمع المصري في مواجهة مشاكله الحقيقية، واستثماره سياسيا في أمور تناقض طبيعته، كما تعلن أن سعي الاخوان المسلمين الي تأسيس سلطة دينية تعتبر وقتها مرجعاً في كل أمور الحياة والسياسة هو ما يقود المجتمع المصري الي تعميق أزماته الخانقة.
وقال البيان: اننا نرفض هذا السعي المحموم الي اعتبار الابداع الفني والأدبي والفكري منطقة ضعيفة يمكن استغلالها من كل الفرقاء السياسيين، وأن هذا السعي يجرد المجتمع من عناصره الحية المتجددة للحياة، ويمارس اعتداء سافرا علي حرية المواطنين وقد تجلي هذا كله في لغة المعركة وأساليبها المتدنية في مجلس الشعب وخارجه لتسفيه الآخرين وارهابهم واغتيالهم رمزيا، مما جعل وزارة الثقافة التي يفترض فيها الذود عن الابداع وحرية الرأي تتحول الي مؤسسة رقابية قامعة بسعيها الي انشاء لجنة دينية في المجلس الأعلي للثقافة، تقوم بمراجعة ما يصدر عنه من كتب، واخضاعها لرقابة صارمة تحد من حرية الفكر، وتحجر علي التفكير في المستقبل، وتنتصر لفئة من الناس تعتبر نفسها حارسا للعقيدة، وممثلة للاسلام وناطقة باسمه.
وتؤكد الحركة في بيانها مجددا رفضها لهذا الاستثمار السياسي للدين واعتبار الابداع أضعف حلقات المجتمع ومن ثم قابليته للاستثمار، ونرفض المعركة الزائفة ومما استخدم فيها من أساليب التسفيه والعنف والمناورات الساعية الي مكاسب رخيصة، وما ترتب عليها من نتائج أبرزها تحويل وزارة الثقافة الي سلطة قامعة للفكر والابداع، وحق الاختلاف، بسعيها الي تملق جماعات الاسلام السياسي عن طريق انشاء لجنة دينية تعمق مفهوم القمع والمصادرة.
وكانت الحركة قد أصدرت بيانا في الأسبوع الماضي رفضت فيه ممارسات الوزير وكذلك الاستثمار السياسي والضجيج الذي قامت به حركة الاخوان المسلمين في الشارع السياسي لتحقيق أعلي المكاسب الممكنة.
في الوقت نفسه اعتبر عدد من المثقفين أن اللجنة عمل من أعمال الرقابة الدينية علي الأنشطة التي تقدمها وزارة الثقافة في مختلف فروع المعرفة، وذلك كثمن للجدل الثائر حول تصريحات الوزير التي قال فيها ان الحجاب يعكس درجة من التخلف في المجتمع المصري، وقد أكد وزير الثقافة أن اللجنة ستتكون من رجال الدين المسيحي والاسلامي لدفع ما أسماه بالثقافة الدينية الي الأمام، فيما اعتبر عبدالسيد والقليوبي أن اللجنة ـ في حال تشكيلها ـ ستكون أكبر نكبة علي الثقافة المصرية طيلة تاريخها، لأنها ستكون بمثابة خضوع كامل لمعايير الدولة الدينية، فيما يبحث الفن عن درجة عالية من التمرد والحرية، وليس التكيف علي هذا النحو المزري.
واعتبر الكاتب الروائي محمد البساطي أن تصريح وزير الثقافة يصب في مصلحته الشخصية ويؤكد ـ بما لا يدع مجالا للشك ـ أن الرجل يهدف الي الكسب الشخصي ولا يعنيه أمر الثقافة من قريب أو بعيد، وما هذا القرار الا رضوخ لارادة التيار الأصولي المحافظ في تيارات النخبة المصرية، وهو كسب كانوا يسعون وراءه وجاء اليهم علي طبق من ذهب.
وأضاف البساطي أن تسليم مقدرات وزارة الثقافة للجنة دينية ـ أيا كانت صفتها ـ عمل مخبول ويقضي كلية علي هامش الحرية الضئيل الذي تتمتع به مناخات الابداع في مصر.
فيما دعا الناشر محمد هاشم الي مزيد من الاستقالات في صفوف أعضاء اللجان بالمجلس الأعلي للثقافة وهو أمر متوقع خلال الأيام القادمة.
وكانت تصريحات وزير الثقافة بشأن الحجاب قد أثارت جدلا واسعا داخل البرلمان المصري من أعضاء حركة الاخوان المسلمين، وتضامن معهم أعضاء الحزب الوطني مخافة المكاسب التي يمكن أن تتحقق للحركة من جراء مزايداتهم علي الوزير، وقد أدت تداعيات الصراع الي انطلاق عدد من التظاهرات الطلابية الكبيرة في جامعات القاهرة، والمنيا وعين شمس، فيما رفض أئمة المساجد الانصياع لتعليمات وزير الأوقاف بالبعد عن الحديث واثارة قضية الحجاب من أعلي المنابر، وشهدت الجمعة الماضية جدلا واسعا في ساحات المساجد، حيث قطع الأئمة بأن الحجاب واحد من الفروض الشرعية التي لا يجوز تأويلها، وهو ترديد لمضمون الفتوي التي صدرت عن الدكتور محمد سيد طنطاوي شيخ الأزهر والدكتور علي دمعة مفتي الجمهورية، وهو ما أكده عدد من أساتذة الفقه الاسلامي في وقت لاحق.
وكان وزير الثقافة قد تعرض لهجوم ضار تحت قبة مجلس الشعب دفعه للاعتكاف في منزله متهما الحزب الوطني بالتخلي عنه، غير أنه صدرت تعليمات عليا لكافة الأجهزة بالتهدئة بعد منح الفرصة لكافة التيارات للتعبير عن رأيها.
وقد عبر الروائي خيري شلبي عن رفضه الكامل لوجود مثل هذه اللجنة، وقال: انني أحترم منجزات فاروق حسني للثقافة المصرية واذا كانت اللجنة سيتم تشكيلها كإحدي لجان المجلس الأعلي للثقافة العاملة فأنا أرحب بها، أما اذا كانت مهمتها الرقابة علي الفنون والابداع وأنشطة الثقافة داخل الوزارة فأنا ارفضها تماما لأن معني ذلك أن تتحول اللجنة الي رقيب بغيض ومرفوض.
كذلك ردد الدكتور محمد بدوي تقديره لدور فاروق حسني الا أنه قال: ان السياسة المصرية منذ القدم لا تقيم اعتبارا للحرية وعادة ما يكون الابداع والفن هو الضحية الأولي للسياسة، ان سعد زغلول هو الذي قدم طه حسين الي المحاكمة بسبب كتابه في الشعر الجاهلي، ان المجتمع المصري يتقاعس كثيرا في الدفاع عن حريته التي يجب أن يناضل لانتزاعها من أيدي الحكام الطغاة.
وقد واجه فاروق حسني أعضاء مجلس الشعب تحت قبة البرلمان، وذلك عبر عاصفة من الاستجوابات التي لم يشفع له معها انكاره تلك التصريحات التي أطلقها، وحديثه عنها بأنها تعبر عن موقف شخصي، غير أن قرار الاقالة الذي كان ينتظره فاروق حسني قد عاد الي أدراجه بعد التطمينات التي وصلته من كبار رجال الدولة وتدخلهم في الوقت المناسب لتهدئة الموقف بعد استيعاب موجة الغضب في الشارع المصري.