بعد الحصار والتجويع: فتنة الحرب الأهلية ـ لعن الله من أيقظها

حجم الخط
0

بعد الحصار والتجويع: فتنة الحرب الأهلية ـ لعن الله من أيقظها

د. عزام التميميبعد الحصار والتجويع: فتنة الحرب الأهلية ـ لعن الله من أيقظهاأعلن مؤخراً مركز سابان المعني بالسياسة في الشرق الأوسط والذي يترأسه مارتن إنديك السفير الأمريكي السابق في إسرائيل عن إصداره ما يعرف بـ مذكرة الشرق الأوسط ، وهي مجموعة من التوصيات تمخضت عن ورشة عمل بين متحاورين عرب وإسرائيليين نظمها المركز بمقره في واشنطن، ستقدم لإدارة الرئيس بوش عشية زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت إلي العاصمة الأمريكية يوم الثالث والعشرين من الشهر الحالي.وتوصيات الورشة ذات شقين، شق يتعلق بالتعامل مع الحكومة الفلسطينية التي تديرها حركة حماس وشق يتعلق بتعامل الإدارة الأمريكية مع خطة أولمرت للانسحاب من الضفة الغربية بهدف تعزيز كيان الدولة الصهيونية داخل حدود واضحة ونهائية. أما فيما يتعلق بالشق الأول فتوصي مذكرة الشرق الأوسط الإدارة الأمريكية باتخاذ الإجراءات التالية:أولاً: التوضيح للفلسطينيين بأن معاناتهم إنما مصدرها رفض حماس الانصياع للأعراف الدولية والفلسطينية والتي توجب عليها الاعتراف بإسرائيل ونبذ العنف واحترام ما اتفق عليه بين السلطة الفلسطينية ودولة إسرائيل. ثانيا: وضع حد للأزمة الإنسانية التي باتت تنذر بعواقب وخيمة.ثالثا: دعم الرئيس المنتخب محمود عباس علي أساس أنه الخيار الوحيد المتوفر بديلاً عن حماس.رابعاً: إقامة صندوق أمانات دولي لإنهاء تحكم وزراء حماس بشؤون الرعاية الاجتماعية للفلسطينيين وإناطة الأمر بمحمود عباس والمجتمع الدولي. وأما فيما يتعلق بخطة أولمرت بشأن الضفة الغربية، فإن توصيات مذكرة الشرق الأوسط فضفاضة، وعلي النقيض منها بشأن الموقف من حماس، فإنها تعطي الإدارة خيارات ثلاثة علي افتراض أنها لا تملك إلا التعامل مع الأمر الواقع الذي ستفرضه خطة أولمرت. وهذه الخيارات هي:أولاً: إضفاء الشرعية علي حدود إسرائيل . يحتاج الرئيس بوش في حالة تبني هذا الخيار دعم مبدأ التعويض عن أي أرض يتم ضمها بشكل دائم ونهائي ، وضمان أكبر قدر من التواصل بين أنحاء الضفة الغربية، ووجود نوع من الترابط بين ضواحي القدس الشرقية وبقية الضفة الغربية، وتوفير حدود مع الأردن، وفي نهاية المطاف إيجاد رابط ما بين الضفة الغربية وقطاع غزة. ثانياً: دولة بحدود مؤقتة . وذلك أنه فيما لو تعسر رسم حدود إسرائيل بشكل نهائي، فإن بإمكان بوش أن يستفيد من رغبة أولمرت في الانسحاب من الضفة الغربية والأحياء العربية في القدس الشرقية لكي يدفع باتجاه التفاوض مع عباس عسي أن ينجم عن ذلك دولة فلسطينية مؤقتة بضمانات أمريكية حول الوضع النهائي. ثالثاً: خيار اللاخيار . إذا فضل بوش تجنب القيام بتحرك دبلوماسي فاعل، فإن البديل هو الإعراب عن دعمه لأي انسحاب إسرائيلي محدود من المستوطنات النائية، وتأييد الاستمرار في بناء الجدار، مع ملاحظة احتمال أن يؤدي ذلك إلي تصاعد الصراع. شارك في ورشة العمل المذكورة أمريكان وإسرائيليون وفلسطينيون وعرب، وضم الفريق الفلسطيني كلاً من زياد أبو عمرو، وخليل الشقاقي، وسلام فياض وشارك من الأردن حسن البراري ومن الخارجية المصرية عزالدين شكري. لم يعد يخفي علي كل ذي بصيرة بأن ما يجري في الساحة الفلسطينية منذ الانتخابات في الخامس والعشرين من كانون الثاني (يناير) 2006 وحتي الآن هو نتاج مؤامرة علي الشعب الفلسطيني بأسره حيكت في دوائر صنع القرار العالمية في واشنطن ولندن، وأريد لها أن تأخذ شكل صراع علي النفوذ أو الصلاحيات بين حركة حماس وحركة فتح. عشرات المراكز الممولة صهيونياً مثل مركز سابان المذكور أعلاه تقوم بجهود مكثفة للتأثير في مسار الأحداث بحيث يخرج الكيان الصهيوني من كل حدث منتصراً أو علي الأقل بأقل قـــدر من الخسائر.في كثير من الأحيان لا يملك الخصم إلا زرع بذور الشقاق بين أبناء الشعب الواحد، وهو في ذلك يستثمر ما لدي الناس من مخاوف وشكوك، وما أكثرها. ربما كانت أول محاولة في هذا الصدد بعد الانتخابات مباشرة هي الخطوة غير الدستورية التي أقدم عليها بعض أعضاء المجلس التشريعي السابق ـ والذي نسخته الانتخابات ولم تبق له أي صلاحيات ـ لتعديل القوانين عشية انعقاد المجلس التشريعي الجديد بهدف نقل أكبر قدر من الصلاحيات من الحكومة إلي الرئاسة. والمضحك المبكي في الأمر أن الرئيس محمود عباس هو الذي كافح في عهد المرحوم ياسر عرفات لنقل هذه الصلاحيات من الرئاسة إلي الحكومة التي كان يرأسها حتي استدعي الأمر أن يقدم استقالته بعد أقل من ستة شهور علي تعيينه بموجب شرط أمريكي مقابل خطة خارطة الطريق. ومن أراد أن يسمع ويشاهد ما كان يقوله محمود عباس في ذلك الوقت حول نزاعه مع أبي عمار حول الصلاحيات، وكيف أنه في نهاية المطاف قدم استقالته لأنه لم يرض أن يكون رئيساً لحكومة لا تحل ولا تربط، فليرجع إلي البرنامج الوثائقي الذي أنتجته مؤسسة الإذاعة والتلفزيون البريطانية (بي بي سي) ثم عربته قناة الجزيرة وأذاعته. والبرنامج المشار إليه بعنوان من كامب ديفد إلي الانسحاب من غزة، إسرائيل والعرب.. السلام التائه ، وهو سلسلة وثائقية من ثلاثة أجزاء تعالج السنوات الست الأخيرة من مسيرة التسوية العربية الإسرائيلية. فكانت الجولة الأولي من المعركة بين الشعب الفلسطيني بأسره في مرحلة الدمقرطة حول من يدير ماذا، وكسبها الفلسطينيون حينما أصرت الأغلبية العظمي من نواب الشعب المنتخبين إعادة الحق إلي نصابه محبطين أول مؤامرة صيهونية ـ أمريكية علي ديمقراطيتهم.وكانت الجولة الثانية من المعركة حول تشكيل الحكومة، التي أرادت حركة حماس ألا تكون بحال من الأحوال حكومتها وحدها، فخاضت غمار مفاوضات مكثفة مع كافة الفصائل أملاً في إقناعها بالمشاركة معها في حمل العبء الذي نوء بالأمم الكبيرة ناهيك عن شعب مستضعف يئن تحت رحي الاحتلال. إلا أن الجهود لم تتكلل بالنجاح. ولم يطل المقام بنا حتي فهمنا حقيقة ما جري. فقد صرح الناطق باسم الاتحاد الأوروبي مباشرة بعد فشل المحادثات بين حماس وفتح علي تشكيل حكومة وحدة وطنية، بان أطرافاً في الاتحاد الأوروبي كانت تتمني أن تكون الحكومة الفلسطينية المنتخبة ممثلة لكافة ألوان الطيف السياسي في الساحة الفلسطينية وأن تجمع في تشكيلتها جناحي العمل السياسي المنظم حماس وفتح، إلا أن الإدارة الأمريكية هي التي أحبطت ذلك من خلال الصغط الذي مارسته علي شخصيات متنفذة في حركة فتح، بالإغراء تارة وبالتهديد تارة أخري بما في ذلك التلويح بأن أمريكا قد تضع أسماءهم علي قائمة الإرهاب إن هم وافقوا علي المشاركة في حكومة وحدة وطنية. ما من شك في أن الإدراة الأمريكية ما كان بإمكانها أن تحقق شيئاً من مرادها لولم تتوفر لدي من تواصلت معهم من رموز السلطة السابقة الرغبة أو الاستعداد للتجاوب إما رغباً أو رهباً. بل إن من هؤلاء من له مصالح تجارية كبيرة بات يخشي عليها إذا ما استقر الأمر لحكومة تضع نصب عينيها سيادة القانون والمساواة أمام القضاء. ولهؤلاء شركاء بيزنيس في حكومات عربية مجاورة ما لبثت أن شدت علي أيديهم بل وانضمت إليهم بما تيسر لها من جهد لإفشال المساعي في تشكيل حكومة وحدة وطنية. ولا يمكن تفسير تواطؤ تلك المجموعات الفلسطينية والعربية في المؤامرة علي كل الشعب إلا بالخوف علي ضياع ما جنوه حتي الآن خلال مرحلة السلام التائه التي شهدت تدفق مليارات الدولارات علي المنطقة من أجل الفلسطينيين لم يصل لأيديهم منها في نهاية المطاف إلا الفتات. وكانت تلك هي أولي جولات المعركة بين الفلسطينيين والصهاينة في فترة ما بعد الانتخابات التي كسبها الصهاينة آنياً، ولكن ما لبثوا أن فقدوا الزمام حين مضت حركة حماس في تشكيل حكومتها رغم المقاطعة الفتحاوية.لم يكن مستغرباً ولا مستبعداً أن يكون الهم الأمني أول ما تواجه به الحكومة الفلسطينية الجديدة. فقد سادت الساحة الفلسطينية منذ انتهاء الاحتلال الإسرائيلي المباشر لقطاع غزة حالة من الفوضي وانعدام الأمن، كان من أهم مظاهرها تسلط فئات مسلحة علي الممتلكات العامة والخاصة، حتي لم يعد الناس يأمنون علي حياتهم أو ما يملكون. في نفس الوقت، كانت أجهزة الأمن التي استحوذ علي النفوذ فيها الرئيس عباس معطلة تماماً، أشبه ما تكون بتلك القوات العربية التي تركت فلسطين نهباً للصهاينة عام 1948 وعام 1967 لأنه ماكو أوامر . ثم إذا ما تحرك وزير الداخلية ليضبط الأمن، وما كان له أن يفعل ذلك إلا بتشكيل قوات بديلة لتلك المعطلة، حتي قامت الدنيا ولم تقعد، وكأن لسان حال عباس ومن حوله من بقايا السلطة السابقة المثل الشعبي رغيف صحيح لا تقسم ومقسوم لا تأكل . ولكنها جولة كسبتها الحكومة بثباتها عند موقفها وتحديها لمن يصرون علي استمرار حالة الفوضي وانتشار السلب والنهب بحجة أن الأمن واجبهم وحدهم لا يجوز لأحد أن ينازعهم فيه. ثم جاء الحصار الاقتصادي والسياسي بكافة أبعاده عقاباً لا لحركة حماس أو حكومتها بل للشعب الذي ضل السبيل بانتخابه ممثلين له علي غير شاكلة من تهواهم أمريكا وإسرائيل وتقبلان بالتعامل معهم. ورغم لا أخلاقية الحصار وفرض العقوبات، إلا أن المشاركين فيها أصلوا لها بكافة التبريرات. ومرة أخري، ما كان لهذا الحصار أن ينجح لولا تورط ذوي القربي فيه أملاً في أن تنهار الحكومة أو يثور الشعب عليها فتضطر إلي أن تحل نفسها. ولو كان الحصار مقتصراً علي ما يأتي من أمريكا وأوروبا لهان الأمر، إذ انهالت التبرعات من كافة العواصم العربية والإسلامية ـ شعبياً وحكومياً ـ إلا أن المصارف هددت حتي تمسك عن تحويل الأموال، ووقف حراس الحدود وكلابها البشرية بالمرصاد لكل من يدخل مالاً ليسعف به الوضع المتأزم، وكانت آخر المهازل القبض علي سامي أبو زهري متلبساً بجريمة تهريب أموال جمعت لرفع المعاناة عن المحاصرين والتهديد بتحويله إلي المدعي العام. والمهزلة الأكبر أن يحتفل بهذا الانتصار الأمني المؤزر بعض من ينسبون أنفسهم لحركة فتح ليجملوا بها صورتهم القبيحة ويستروا عورة خيانتهم لأمتهم ـ وما عاد يشرف فتح أن تنسبهم إليها. ورغم أن هذه الجولة من المعركة لم تنته بعد إلا أن امارات انتصار الشعب الفلسطيني فيها تلوح في الأفق، فقد بدأت علامات التصدع تظهر في جسم المعسكر الغربي المحرض علي المقاطعة، وانفضح المتورطون في الحصار في الداخل والخارج، وتعالت الدعوات برفع العقوبات التي من شأنها أن تقود إلي ما لا تحمد عقباه. ولا تقتصر هذه الأصوات علي ما نسمعه في أوروبا أو يتسرب إليها من حين لآخر من داخل الولايات المتحدة، بل ثمة أصوات كثيرة في داخل الكيان الصهيوني باتت تري بأن الإسرائيليين في النهاية هم من سيدفع الثمن. ولا أدل علي ذلك مما نشر في صحيفة هاآرتس الإسرائيلية يوم الجمعة 19 ايار (مايو) 2006، وهو إعلان مدفوع الأجرة يقول: يعد الأمريكان بأنه إذا ما استمر الحصار علي الفلسطينيين وبأننا إذا ما جوعناهم فإن حكومة حماس ستنهار خلال شهور ثلاثة. ثم ماذا سيحدث من بعد؟ الجهاد؟ الفوضي؟ إرهاب لا قبل لأحد بالسيطرة عليه؟ المحصلة لا تعني الأمريكان، فهم لا يعيشون هنا. أما نحن فإن الأمر يعنينا، ويعنينا جداً .أما الجولة الأخيرة من المعركة، فهي كما يبدو محاولة إشعال نار الحرب الأهلية من خلال دفع بعض المأجورين ممن لا دين لهم ولا ضمير لإثارة الفتنة بين أبناء الشعب الواحد من منتسبي حماس وفتح. وقد شهدنا تسارعاً خطيراً في الأحداث خلال الأيام القليلة الماضية، بدأ بإطلاق نار من مجهولين، ثم باغتيال أعضاء في حركة حماس، وأخيراً بمحاولة اغتيال رئيس جهاز المخابرات الفلسطيني. وكثير من هذه الاعتداءات، وخاصة الأخير، لا يمكن لأحد أن يفتي فيها دون إجراء تحقيق دقيق فيمن يقف وراءها، وهذا يتطلب بالدرجة الأولي ضبط النفس وتفويت الفرص علي كل من يريد أن يصطاد في الماء العكر لأن احتمال تكرار الاعتداءات وارد، لأن من يقف وراءها لن يرضيه إلا أن يغرق الفلسطينيون بدمائهم. وكم من المحزن ألا يبالي بعض الفلسطينيين والعرب بأن يحدث ذلك شفاء لغيظ في صدره أو تمنياً بأن ينال به مراد نفسه. لا مفر أمام الشعب الفلسطيني من أن يوحد صفوفه وأن يتمسك بخياره وأن يدافع عنه، وهذا وحده كفيل بإحباط ما يمكر به الكائدون. إن الحكومة الحالية، وحسبما يقتضي العرف الديمقراطي، هي حكومة كل الفلسطينيين، وإذا أراد الفلسطينيون في الداخل حماية حقهم في اختيار من يحكمهم ومن ينطق باسمهم ومن يمثلهم، فإن عليهم أن يلتفوا حول الحكومة، ليبطلوا مؤامرات أمريكا وإسرائيل عليها ويفرضوا علي العالم التعامل معها. أما حركة حماس، فعليها أن لا تدخر وسعاً في تجنب التورط في حرب أهلية، فهذه هي أكبر الكبائر وأغلظ المحرمات. ولكن عليها في نفس الوقت أن تحمي خيار الشعب الفلسطيني الذي أراد حكومة نظيفة تمثله لا تمثل مصالح فئوية أو فردية، حكومة تفرض سيادة القانون وتساوي بين الناس أمام القضاء، وهذا يعني عدم الرضوخ لا لضغوط أمريكا ولا لعملائها صغروا أم كبروا. إن التحدي الأكبر، هو الموازنة ما بين تجنب الاقتتال الداخلي وعدم الانسحاب من الساحة أو التفريط بأداء الأمانة. 9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية