بغداد-“القدس العربي”: تتزامن محاولات تصفية الجيب الأخير لتنظيم “داعش” في سوريا مع مخاوف جدية وتحذيرات من نشوء تنظيم إرهابي جديد في العراق، يكون أخطر من القاعدة و”داعش” في إلحاق الأذى بالشعب العراقي والمنطقة.
ولأنها ليست مجرد هواجس بعيدة عن الواقع، فقد جاءت اعترافات مسؤولين وسياسيين عراقيين، لتؤكد صحة المخاوف من خطر إرهابي جديد مقبل نحو العراق والمنطقة. فمن باريس أقر الرئيس العراقي برهم صالح، ان النصر على “داعش” لم يكتمل وما زال خطر الإرهاب مستمرا، فيما ذكر رئيس مجلس الوزراء عادل عبد المهدي: “أن داعش محاصر في سوريا ويحاول استغلال أي ثغرة” مؤكدا تعامل حكومته بحذر مع ملف عوائل (داعش) في سوريا، من خلال العمل على الفرز بين العوائل المحاصرة وعوائل (داعش) من عراقيي الجنسية في سوريا”.
أما زعيم ائتلاف الوطنية أياد علاوي، فقد كان أكثر جرأة عندما أطلق تحذيرا شديدا في مؤتمر صحافي في بغداد، ليؤكد “أن المنطقة مقبلة على دمار وخراب أكثر، وان هناك دورا جديدا لداعش” مشيرا إلى أن “داعش الجديد بدأ يتكون الآن وملامحه بدت واضحة، وأننا في “مواجهة جيل ثالث للإرهاب يكون أخطر من تنظيمي القاعدة والدولة الإسلامية”. وعزا علاوي ذلك إلى أن “البيئة السياسية في العراق والمنطقة تعيش في فوضى وأصبحت حاضنة للإرهاب والانقسام، كونها تحتضن الطائفية والتهميش كمنهج”.
ويراقب العراقيون باهتمام تطورات الصفحات الأخيرة في معركة التحالف الدولي ضد آخر معاقل تنظيم “الدولة” الإسلامية في سوريا، مركزين على متابعة مصير بقايا التنظيم على محورين، الأول ما تعلنه السلطات العراقية عن تسلمها للمئات من مقاتلي التنظيم الذين وقعوا في الأسر أو استسلموا إلى قوات المعارضة السورية، والثاني عن أخبار تصاعد نشاط عناصر التنظيم، العائدين غالبهم من سوريا، في مناطق عراقية كانت حتى وقت قريب خالية من ذلك النشاط الإرهابي منذ إعلان الحكومة العراقية القضاء على التنظيم عام 2017.
وكشفت خلية الإعلام الأمني العراقية أن قوات سوريا الديمقراطية “اعتقلت عددا كبيرا من الدواعش داخل سوريا ومن جنسيات متعددة بينهم عراقيون يقدر عددهم بأكثر من 500 مقاتل، تم استلام 280 مقاتلا منهم وفق اتفاق بين الطرفين”.
وتشير المصادر المطلعة إلى أن الحكومة العراقية تسعى للاستفادة من الأسرى الجدد في محاولة لمعرفة عناصر الخلايا النائمة للتنظيم في العراق وطرق تمويلهم وأوكارهم السرية في المدن والصحارى والمناطق النائية.
إلا أن أبرز التحذيرات جاءت من القوى الشيعية، عن نوايا لإعادة تنظيم “داعش” باسمه أو بشكل آخر، إلى العراق وفق خطة دولية أو إقليمية.
فقد ربط القيادي في التيار الصدري حاكم الزاملي بين تصاعد العمليات الإرهابية في العراق مع تصاعد المطالبات بإخراج القوات الأمريكية من العراق، مشيرا إلى إن “عمليات خطف وقتل أكثر من 35 مواطنا مؤخرا في الصحراء الغربية من الباحثين عن الكمأ ورعاة الأغنام في الحويجة وصيادي الأسماك في صلاح الدين خير دليل على ذلك”.
وأشار إلى أن “حركة الدواعش أخذت تتسارع خلال الآونة الأخيرة وكأن هناك من يحاول تحريكهم لتخويف العراقيين” داعيا الحكومة الاتحادية إلى اتخاذ موقف جاد لإنهاء تواجد القوات الأجنبية والضغط على الأمريكان لعدم استخدام “داعش” كورقة تهديد للعراقيين.
وانسجاما مع هذا الموقف، اتهم النائب عن حركة العصائب حسن سالم، الأمريكان بأنهم “يعدون لداعش ثانية في العراق من خلال إعداد وتدريب 3000 داعشي في وادي حوران ومن جنسيات مختلفة”. وادعى سالم ان “الأمريكان قاموا بنقل قسم من هؤلاء الدواعش إلى الحويجة والموصل وصحراء الأنبار لإعادة الانتشار والقيام بعمليات أمنية”.
ويذكر ان إعلان تنظيم “داعش” مؤخرا، عن تغيير تشكيلاته الإدارية السابقة عبر إلغاء كافة الولايات في العراق وسوريا والاكتفاء بولايتي العراق والشام فقط، جاء كمؤشر على إعادة ترتيب أوراقه وعناصره بعد الهزائم التي لحقت به في البلدين، واعتماده أسلوب حرب العصابات والكر الفر، وهو ما رأيناه من خلال تصاعد نشاط عناصره في العراق عبر هجمات على النقاط الأمنية وتسلل وعمليات خطف وقتل للمواطنين في العديد من المناطق النائية في ديالى وصلاح الدين وكركوك والأنبار والموصل، لإرسال رسالة بأن التنظيم ما زال موجودا في المشهد العراقي.
ووسط هذه الأجواء المعقدة التي لا تبشر بالخير، تبرز من جديد ملامح الصراع الأمريكي الإيراني في العراق، الذي يعرقل خطط القوات العراقية المعلنة للقيام بعمليات في الأراضي السورية لملاحقة بقايا التنظيم الإرهابي، حيث أفادت مصادر مطلعة بأن عمليات وشيكة للقوات العراقية على المناطق الحدودية مع سوريا ضد التنظيم قد تم تأجيلها بسبب اصرار الحشد الشعبي على المشاركة فيها وسط رفض أمريكي لدخول الحشد إلى سوريا وصل إلى حد قصف بعض فصائل الحشد التي تحاول التوغل في الأراضي السورية. ويأتي هذا في وقت تستمر فيه مساعي وضغوط الكتلة الشيعية في البرلمان لطرح مشروع إخراج القوات الأمريكية من العراق وبالتالي فان استخدام ورقة تنظيم “داعش” في هذا الصراع لا يتوقع أن يكون بعيدا.