بعد القحط الذي عاشوه أيام ‘الاخ الهارب’: انفلات اعلامي في تونس؟

حجم الخط
0

توفيق رباحي

مثلما يوجد الانفلات الأمني، هناك أنواع أخرى من الانفلات، بينها الإعلامي.

سمعت هذا المصطلح أثناء متابعاتي للأحداث التي تعيشها تونس منذ فرار الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي.

يبدو أن القحط الإعلامي والتلفزيوني الذي عاشه التونسيون مع ‘الأخ الهارب’ طيلة 23 عاما، أصابهم بحالة عطش يحتار بها الأطباء. هذا ما يفسر وجود هذا الانفلات الإعلامي الذي يعيشه التونسيون محاولين اغتنام كل لحظة وساعة وكأنهم يشعرون بأنه قد لا يدوم طويلا.

سألت زميلا تونسيا عاش ويعيش في قلب الحدث، وناله الكثير من بطش ‘الأخ الهارب’، فنفى وجود انفلات إعلامي، وقال إن هذا المصطلح من اصطناع الذين يحلمون بالعودة الى الوراء كي يستعملوه مبررا. ثم راح يسرد عليّ قائمة مما سماها التراجعات في مجال حرية التعبير والحريات السياسية، من خلال أشياء وقرارات داخل مبنى التلفزيون تخص طريقة تغطية واقع ما بعد الثورة.

ودلّل على ذلك باستقالة مدير التلفزيون التونسي لطفي بن ناصر يوم الأحد. لا أحتاج لأن أذكّركم بأننا نتحدث عن انجازات وتراجع عنها، وقد مر من عمر العهد الجديد أسبوعان لا أكثر!

اشتكى بن ناصر من ‘جهات’ قال إنها تحاول التضييق على حرية عمل التلفزيون التي رافقت سقوط ‘الأخ’. حرصت على متابعة التلفزيون التونسي منذ هروب ‘الأخ’ وأستطيع أن أجزم بأن وهج الحرية يتضاءل يوما بعد يوم. أو لنقل بدأ يأخذ منحى آخر حتى لا يتهمني أحد بالتشاؤم. قد يكون للأمر علاقة بتضاؤل وهج الثورة ذاتها، التي بعد أن كانت ثورة شعب ذهبت الى أقصى مداها، أصبحت ثورة فئات من المجتمع لا يعجبها بقاء الحكومة الانتقالية فتمارس حقها في التظاهر بينما تنصرف بقية المجتمع الى حياته العادية.

آخرون سيقولون إن الوهج لا يتضاءل بل يتعقل. هذه وجهات نظر فيها وعليها!

لكن الحقيقة الساطعة هي أيضا أن التلفزيون التونسي لم يعد مفتوحا لكل الناس، وخصوصا من كانوا يوصفون بالمعارضين الشرسين لـ’الأخ’ وحافظوا على نفس المسافة مع سلطة ما بعده. من هؤلاء الصحافي توفيق بن بريك ـ على سبيل المثال لا الحصر ـ الذي حاول قبل أسبوعين أن يلقي خطبة عصماء في ‘الجزيرة’ موضوعها: لماذا لم تستضيفوني في الماضي من الزمن.

أتمنى أن أكون مخطئا إذا قلت إنني في الأيام السبعة الأخيرة، لم أشاهد في التلفزيون التونسي نقاشا سياسيا جادا، أو وجها سياسيا معروفا بمواقف يتذكرها الناس والتاريخ. حتى الحكومة لا يبدو أنها تستعمل ‘كل حقها’ في هذا التلفزيون. فلا تظهر سطوتها ولا أعضاؤها إلا في الحد الأدنى وللضرورة. يكتفي التلفزيون التونسي هذه الأيام، في الكثير من الأوقات، بإتاحة الفرصة للمواطنين العاديين يطرحون مشاكلهم اليومية، والصحافيين والسياسيين غير المشاكسين (حتى لو كانوا معارضين) يطرحون وجهات نظر لا تطعن في الحكومة الانتقالية. بعبارة أخرى هو مفتوح للناس الذين لا يتسببون في المزيد من الانفلات الإعلامي. وهو أمر فيه بعض بشائر ما سيكون عليه الحال في المستقبل. فإذا كان مفهوما كون مشاكل المواطن هي أساس وجوهر الثورة، وهي ما أشعلها، فلا يحق إهمالها تلفزيونيا، غير المفهوم هو ‘تقليم’ الأصوات التي تطالب برحيل الحكومة الانتقالية والتخلص من رموز الحزب الحاكم في المرحلة الانتقالية.

لا أعتقد أنه من الحكمة ممارسة التضييق من الآن ـ مبكرا ـ قبل أن يروي الناس ضمأهم من سنوات عجاف، حتى إن كانت دواعي الأمن والاستقرار في هذه الظروف الحرجة من تاريخ البلاد معقولة ومفهومة. نأخذ ما يجري الآن من محاولات توجيه الحقل التلفزيوني، ونحاول أن نتخيل واقع الحال، بعد أن تجري انتخابات وتستقر أمور السلطة وتضع لنفسها قانون إعلام يضبط عمل العاملين بهذا المجال.

قد لا تكون الأمور بنفس درجة الخنق الذي أبدعه ‘الأخ’، لكن الخنق سيكون حاضرا، ومعذرة منكم على هذا التشاؤم السابق لأوانه.

مهم التنويه الى أنه أيا كان حال التلفزيون التونسي اليوم، فهو أفضل بسنوات ضوئية مما كان عليه قبل الجمعة المباركة المصادفة 14 كانون الثاني (يناير) 2011. لكن نصف الحرية أو الحرية الموجهة أو الحرية المسؤولة هي من ضروب التعبيرات التي يراد بها باطل. حتى ‘الأخ الهارب’ وجوقة المداحين الذي طبّلوا له، ظلوا يكررون على مسامع الناس أن الحال في تونس ليس قمعا، بل حرية إعلامية وسياسية مسؤولة.

المشهد التونسي حفل بمواقف أخرى تذكرني بالذي حدث (إعلاميا وتلفزيونيا) في الأيام والأسابيع التي أعقبت انتفاضة 5 تشرين الأول (أكتوبر) 1988 بالجزائر. كنا صحافيين نذهب لتغطية أحداث من وحي تلك الانتفاضة فنجد أنفسنا، من دون قصد أو شعور، طرفا فيها ننحاز بسهولة للطرف الأضعف.. الى كل من وما هو خصم للسلطة وما يرمز إليها. كنا نتندر في التحرير بواقعة الزميل والصديق محمد علواش الذي ذهب لتغطية إضراب عمال شركة كابلات بالضاحية الجنوبية للعاصمة، فوجد نفسه يخطب في العمال محرضا إياهم على المزيد من التشدد في إضرابهم! دام هذا الحال نحو سنة، ثم بدأ يستقيم شيئا فشيئا، الى أن أعلن اللواء خالد نزار (وزير الدفاع) في نهاية الاستراحة وخيّرنا، في بداية 1992، بين حذائه وسيف ‘البولحية’ بقيادة شبح اسمه عبد القادر زيتوني، ثم تلت ذلك أيام سوداء لا أريد أن أذكّر بها أحدا.

في الأخير، كان لا بد أن يحفل ‘الفلتان الإعلامي’ بمواقف طريفة تعبر في عمقها عن مدى ما وصل إليه التونسيون في علاقتهم بنظام حكمهم وبتلفزيونهـ(م): في الساعات القليلة التي سبقت هروب ‘الأخ’، استضاف التلفزيون التونسي، في إطار استجابته لخطاب ‘الأخ’ الليلة السابقة الداعي الى الحرية والانفتاح، صحافيا ليناقش أمورا سياسية، فاغتنم الفرصة وقال ما ظل يكتمه في صدره ـ أو يتمناه ـ سنوات طويلة. قال: بن علي الذي تعرفونه مات، لقد مات.. مات! أُصيب المذيع بذعر، وكيف لا؟ فالحرية، ولو دعا إليها الرئيس شخصيا قبل أقل من 24 ساعة، ليست هكذا، فقاطع المتحدث متلعثما: يبدو هنا بعض التشنج، دعونا نستمع الى هذه الأغنية الوطنية ثم نعود.

لحسن حظ الجميع أن بن علي كرئيس كان قد انتهى، وأنه (والطرابلسية) لم يكونوا متفرغين لمتابعة ما يقال ويذاع، وإلا كنا الآن نقرأ الفاتحة ونترحم (وفي أحسن الأحوال نطالب بإطلاق سراح زميل سُجن عقابا له على كلمة (أو أمنية) قالها في برنامج تلفزيوني)! وفي برنامج حواري آخر بقناة تلفزيونية خاصة مقربة من ‘الأخ’، اتصل مشاهد يطلب طرد شخص مشارك في النقاش، بحجة أنه من الحزب الحاكم ومن رموز الحكم البائد، ولأن الكلمة الأولى كانت للشعب السيد باعتباره هو صاحب الثورة، استجاب القائمون على البرنامج لطلب المتصل في سابقة فريدة من نوعها في العمل التلفزيوني.

ربما هذا ما جعل رئيس الحكومة محمد الغنوشي يقلل من ظهوره التلفزيوني. إذا كان مشاهد يتهم قاضيا أو موظفا بكونه من العهد البائد ويطلب طرده، فكيف سيتصرف (وآخرون) مع الغنوشي؟ ربما بزحف على مبنى التلفزيون.

ـ عجيب أمر هؤلاء الحكام العرب وزبانيتهم: كلهم اتفقوا على أن بلدانهم تختلف عن تونس. اليمن (الدولة الفاشلة بكل المقاييس)، المغرب، الجزائر، مصر، السعودية، الأردن.. جميعا رفضوا مقارنة بلدانهم بتونس. (هكذا قالوا أيضا عندما هزت الاقتصاد العالمي في 2008 أزمة عاتية أضعفت الاقتصادات القوية: نحن غير معنيين! وراح زبانيتهم يتفلسفون في شرح أسباب بقائهم في منأى عن أزمة عالمية). ما قصده هؤلاء ولم يجرؤ أحدهم على قوله هو إن الملك محمد السادس وعلي عبد الله صالح والرئيس بوتفليقة والحاج محمد حسني مبارك والملك عبد الله (أو رئيس الحكومة زيد الرفاعي) والآخرين ليسوا زين العابدين بن علي. حقيقة الأمر أن بلدانهم جميعا أسوأ من تونس، وهم من الرئيس المخلوع. لكن الزمن غدار فلا أحد يتمنى أن يُقارَن بـ’الزين’ في هذه الأيام الحالكة. للأمانة كانت تونس أفضل وأكثر استقرارا من هؤلاء جميعا، ورغم ذلك انظروا ماذا حدث لـ’الأخ’ هناك!

ـ يا ناس ‘فرانس24’، بكل اللغات، يا قوم، يا إخوان: قررتم أن تغيّروا ترددات قناتكم على الساتل، طيب، حقكم وبصحتكم. لكن حقنا عليكم أن تدلونا على الترددات الجديدة. أذكر أنها كانت تُكتب على الشاشة قبل يوم الحسم، لكن لكثرة ما رأيتها آنذاك ولم يختف البث، ظننت أنهم ربما يمزحون أو أنني غير معني بالتغيير. على الأقل ضعوها على موقعكم على النت في مكان يسهل على المشاهد رؤيتها من دون أن تتعب عيناه أمام الشاشة ومن دون أن يضطر لقراءة كل الأرقام (وما أكثرها) في الصفحة الرئيسية. لقد تعبت في موقع القناة، باللغات الثلاث، أبحث عمّا يدلني على الترددات الجديدة فلم أجد شيئا اللهم الا إذا كنت أعمى. إن مَن لا يضع معلومة بمثل هذه البساطة، في مكانها المفترض في هذا الزمن السريع، قد أخفق في جزء من مهمته.

على العموم أنتم الخاسرون! كاتب صحافي من أسرة ‘القدس العربي’[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية