د. عبدالوهاب الافندي
يجب أن أعترف أولاً أن هذه أول مرة ـ حسب ما أذكر ـ أضطر فيها إلي تغيير رؤيتي التحليلية التي استغرقت عدة سنوات في بنائها خلال شهر واحد. فقد كنت كغيري من المحللين أعتمد الرؤية الاستراتيجية السائدة لما سمي ثورة الشؤون العسكرية، وهي التطور الذي ظهرت ملامحه أول ما ظهرت في الحرب علي العراق عام 1991. ويعتبر عماد هذه الثورة استخدام التقنية العسكرية المتطورة المعززة معلوماتياً لإدارة الحرب بحيث يمكن توجيه ضربات مصوبة بدقة لأهداف محددة عن بعد والابتعاد عن المواجهة المباشرة في الحرب. وهذا بدوره يقصر أمد الحرب ويقلل خسائرها للطرفين، خاصة الطرف المهاجم والمتقدم تقنياً. وهي بالمقابل تزيد من جرأة الجهة المتقدمة تقنياً علي شن الحروب بسهولة، وتقديم الحلول العسكرية علي السياسية، بينما تجعل الأطراف الأخري في حكم المنزوعة السلاح مهما تسلحت.
وقد تم تجريب هذه التقنيات بفعالية في حرب العراق عام 1991، ثم في البوسنة عام 1995، ثم في كوسوفو عام 1999، فأفغانستان عام 2001 وأخيراً العراق عام 2003. ويجب أن نذكر هنا بأن هذه التقنيات قد استخدمت بشكل أقل تطوراً من قبل إسرائيل في حربها ضد حزب الله في لبنان بين عامي 1990 ـ 2000، ثم ضد الانتفاضة الفلسطينية منذ عام 2000. وقد شمل هذا استخدام الطائرات من دون طيار، والقصف الصاروخي الموجه من بعد.
وبناءً علي هذه المعطيات فإنه أصبح من الصعب عملياً الحديث عن حرب يخوضها طرفان، وربما أصبح أكثر ملاءمة الحديث عن ما يشبه عمل الشرطة في تنفيذ القانون. فعلي سبيل المثال كان معظم العراقيين (واللبنانيين في الحرب الأخيرة) يعيشون ما يشبه الحياة الطبيعية أثناء القصف المستمر علي بلدهم، حيث كان القصف يستهدف مواقع معينة ولم يكن شاملاً كما هو الحال في الحروب التقليدية. وفي الحرب علي العراق عام 1991 كانت خسارة الأمريكيين وحلفائهم أقل من مئة جندي، مقابل ثمانية وخمسين ألفاً في فيتنام. وهذا بدوره غير المعادلة وسهل لأمريكا اللجوء إلي الخيار العسكري خلافاً لما حذر صدام منه السفيرة الأمريكية أبريل غلاسبي في لقائهما الشهير قبيل غزو الكويت حين قال لها إن الولايات المتحدة لا تستطيع تحمل خسارة عشرة آلاف جندي.
ولكن الحرب الأخيرة في لبنان غيرت هذه المعادلة إلي حد كبير، ودعت إلي إعادة التفكير في ملامح ومقتضيات ثورة الشؤون العسكرية. علي سبيل المثال هناك مدعاة لإعادة النظر في قدرة الطيران علي حسم المعارك العسكرية، وهي مسألة كانت مطروحة حتي قبل هذه الحرب. فقد كانت فعالية الطيران محدودة من قبل في الكويت والعراق وكوسوفو، إلا فيما يتعلق بتأثيره النفسي علي الحكومات المعنية التي تجد نفسها تتعرض لاستهداف لا تستطيع إيقافه أو الرد عليه، فتضطر إلي الاستسلام. ولكن أداء حزب الله كان أول اختبار حقيقي للتقنية العسكرية الجديدة يستغني من العامل النفسي. وما أثبتته هذه المواجهة هو أن التقنية العسكرية المتطورة تشبه إلي حد كبير العمليات الإرهابية في كونها تمثل وسيلة للضغط والابتزاز أكثر منها أداة عسكرية فعالة. فالإصابات بين مقاتلي حزبشالله نتيجة لهذه التقنيات تكاد تكون معدومة، ولكن ما تعرض له المدنيون والبنية التحتية شكل عامل ضغط علي حزب الله والحكومة اللبنانية دفعهما إلي المطالبة بسرعة وقف إطلاق النار، وإلا فإن المعركة في الميدان العسكري كانت في صالح حزب الله بدون أدني شك.
هذا الأداء يشكل انقلاباً في المفاهيم العسكرية لا بد أن كل جنرالات العالم يعكفون الآن علي دراسته واستقاء العبرة منه. ولو كان لجنرالات العرب بقية من الحكمة لكان معظمهم قد شدوا الرحال إلي لبنان أو هم في طريقهم إلي هناك للدخول في مدرسة حزب الله التوجيهية ودراسة هذه التجربة المثيرة للاهتمام. فمن الواضح أن قادة الحزب العسكريين ومنظريه الاستراتيجيين قد درسوا بدقة وتمعن كل جوانب ثورة الشؤون العسكرية وأعدوا خططهم الدفاعية علي هذا الأساس. ومن هنا فإن إنجاز حزب الله يعتبر إنجازاً عبقرياً في تصميم الدفاعات، وهو علي النقيض تماماً من التطرف أو التهور أو الهوس الديني وغير ذلك مما يتهمه به خصومه. بل بالعكس، كان تصرف حزب الله قمة في العقلانية وحسن التدبير والاستخدام الأمثل للطاقات والموارد، بما فيها الطاقات البشرية والمعنوية والحماس الديني. ومن هنا وجبت دراسة هذه التجربة بعناية وتمعن واستفادة الدروس منها.
من جهة أخري فإن انتصار لبنان في هذه المواجهة لم يكن انتصاراً عسكرياً فقط، بل لم يكن في أكثره عسكرياُ. الأداء العسكري لحزب الله كان متميزاً وملهماً كما أسلفنا، ولكننا يجب أن نتذكر أن هذه كانت حرباً دفاعية، وأن إسرائيل هي التي كانت في موقع الهجوم. وبالتالي فإن غاية النصر كان يتمثل في الصمود إلي أن تتدخل الضغوط السياسية لإيقاف إسرائيل عن عدوانها. ومن هنا فإن الدور الذي لعبته الحكومة اللبنانية بقيادة فؤاد السنيورة لم يكن أقل حسماً في تحقيق النصر. وقد تمثل هذا في توزيع ذكي للأدوار وتكامل في الأداء بين القوي السياسية، حيث لعبت القوي القريبة من دمشق ممثلة في رئيس مجلس النواب نبيه بري ورئيس الجمهورية إميل لحود دوراً محورياً في دفع الخط السياسي للمقاومة، بينما لعبت قوي 14 آذار (مارس) دوراً لا يقل أهمية في حشد الدعم الغربي للموقف اللبناني. وقد كان للتضامن اللبناني ورفض كل القوي السياسية للمخطط الإسرائيلي الأمريكي الذي كان يهدف إلي ضرب اللبنانيين بعضهم ببعض دوراً حاسماً في تحقيق النصر الدبلوماسي الذي تم وجعل لبنان لا يخسر تماماً في مجلس الأمن ما كسبه مقاتلو المقاومة في الميدان، كما حدث في ظروف سابقة مثل حرب أكتوبر التي تحول فيها النصر العسكري الجزئي إلي كارثة سياسية.
هذا الإنجاز لم يأت بغير ثمن. وأكبر ثمن كان تعهد الحكومة بإبعاد حزب الله عن الجنوب تمهيداً لنزع سلاحه وإنهاء دوره العسكري، والالتزام الأوضح للسنيورة بأن الدولة لن تسمح بعد اليوم لأي جهة بأن تجر البلاد إلي حرب. وقد كان قبول أمريكا وفرنسا وبقية الدول لهذا التعهد، إضافة علي الحرص علي ألا تسقط حكومة السنيورة، عاملاُ مهماً في القبول الدولي لمعظم المطالب اللبنانية وتضمينها في قرار مجلس الأمن رقم 1701. ولكن هذا لا يمنع من أن صلابة موقف الحكومة والتضامن اللبناني كانا عامل ضغط مهم، ودرساً لأي مفاوض عربي (أو غير عربي) في استخدام كافة أوراق الضغط لتحقيق الأهداف السياسية دبلوماسياً.
الخلافات التي دبت بين الأطراف المتنافسة في لبنان بعد انتهاء النزاع يجب ألا تحجب هذا الأداء المتميز من الجانبين، خاصة قوي 14 آذار التي جندت علاقاتها الخارجية لمصلحة لبنان الوطنية ولم تنحدر إلي مستوي قوي سياسية في دول عربية أخري جاهرت بطلب التدخل العسكري المباشر ضد خصومها. ويكتسب هذا الأداء العسكري ـ الدبلوماسي المزدوج أهمية مضاعفة كون الهجمة الإسرائيلية المبيتة وشراستها كانت مفاجئة للجميع. فهذه لم تكن أول مرة يخطف فيها حزب الله جنوداً إسرائيليين، كما أن المعروف أن إسرائيل كانت تعطي أولوية لسلامة جنودها قبل أن تصعد المواجهة كما فعلت الآن. العامل الذي دفع إسرائيل إلي التصعيد في لا مبالاة بمصير الجنود كان هو الحاجة إلي ابتدار المواجهة مع إيران بسحب ورقة حزب الله منها. فإيران قد هددت من قبل بأن أي استهداف لمشروعها النووي سيواجه بانتقام يستهدف إسرائيل والقوات الأمريكية في العراق. وعليه كان لا بد من التمهيد للعدوان علي إيران بإزالة حزب الله من الوجود، باعتباره قد يكون أداة إيران في الانتقام. ومن هنا فإن إسرائيل والولايات المتحدة هما اللتان قررتا خوض معركتهما مع سورية وإيران في لبنان، وليس العكس كما يشاع من قبل حلفاء إسرائيل العرب. بنفس القدر فإنه لا صحة للزعم القائل بأن إسرائيل كانت تحارب معارك أمريكا في لبنان، لأن هذه الثنائية لم يعد لها وجود منذ صعود فريق المحافظين الجدد إلي السلطة تحت إدارة بوش، لأن هؤلاء المحافظين الجدد هم صهاينة أكثر من أولمرت وشارون. وبعضهم مثل دوغلاس فايث وريتشارد بيرل كانوا من صاغ المذكرة الشهيرة لبنجامين نتنياهو عام 1996 تطالب بإلغاء أوسلو ومبدأ الأرض مقابل السلام، والعمل علي إسقاط نظام صدام حسين ومحاصرة سورية، وبناء محور جديد مع الأردن ومصر وعراق ما بعد صدام حسين. هناك إذن خطة صهيونية متطرفة واحدة يتم تنفيذها من تل أبيب والبيت الأبيض بنفس الحماس. الثنائية القائمة ليست بين واشنطن وتل أبيب بل بين المعتدلين في إسرائيل وواشنطن (وهم جنس في طريقه إلي الإنقراض) والمتطرفين الذين يهيمنون علي الأمور في العاصمتين. ولهذا فإن الهزيمة في لبنان جاءت ضربة موجهة للطرفين بعد كارثة العراق ومستنقع أفغانستان، مما أدي الآن إلي هبوط شعبية بوش إلي أدني مستوي لها رغم التهويل الإعلامي للعملية الإرهابية المزعومة في بريطانيا الأسبوع الماضي.
الدرس اللبناني كان إذن ليس عسكرياً فقط لفائدة الجنرالات، وإنما سياسياً ـ دبلوماسياً أيضاً في التماسك والصلابة واستغلال كل نقاط القوة بأكبر قدر من الفعالية. ومثلما كانت صلابة المقاتلين في الميدان دعماً للجهود الدبلوماسية، كانت صلابة الدبلوماسيين والسياسيين وتمسكهم بالثوابت سنداً للمقاومة. ولعل السياسيين العرب أحوج إلي هذا الدرس الدبلوماسي منهم إلي الدرس العسكري، خاصة أننا لسنا بحسن نية عادل إمام الذي تساءل ببراءة هم حيحاربوا؟
، ولكننا نتمني أن يستفيدوا من التجارب الدبلوماسية بغرض تحسين شروط الاستسلام علي الأقل.
كاتب وباحث سوداني مقيم في لندن9