بعد انفجار قنبلة التعددية الثقافية: مخلوقات غريبة ودماء ملونة في الألفية الجديدة

حجم الخط
1

التعددية الثقافية Multiculturalism هي مفهوم مركب ومدبب في آن معاً، إنها وعد المستقبل ووعيده، وهي فوق كل هذا، كائن ظل كامناً في المجتمعات منذ الأزل، ولم يستيقظ إلا قبل بضعة عقود من الزمان، لكنه استيقظ مرة واحدة وإلى الأبد، ولا يوجد ما يشير إلى إمكانية عودته إلى مكمنه، إنه أشبه بكائن غير قابل للفناء: إنه السر الكامن وراء هذا الجنون الذي يجتاح العالم ويفتت المجتمعات ويهدد الاستقرار.
لكن، وعلى الرغم من هذا التوصيف الدرامي، فإن مصطلح التعددية الثقافية لم يحظ باهتمام الفلاسفة والمفكرين منذ ما قبل أرسطو وحتى باشلار وبرتراند راسل، وحين اهتدى الأمريكي هوراس كولين إلى هذا المصطلح عام 1924، بدت المسألة أشبه بعملية توليد قسرية، يمارسها مثقف أراد انتقاد محاولة صهر الثقافات في المجتمع الأمريكي، فابتدع مصطلح التعددية الثقافية الذي لم يلق قبولاً في حينه، رغم أنه عبر بدقة عن الواقع الثقافي والاجتماعي الأمريكي، الذي كان بحاجة إلى من يجترح التشخيص المناسب له.
الاستخدام الفعلي والتطبيقي لمصطلح التعددية الثقافية لم يبدأ إلا في الثمانينيات من القرن العشرين، من أجل التعبير عن إمكانية التعايش المشترك بين الثقافات المتنوعة على أسس من العدالة والاحترام المتبادل، بمنأى عن هواجس الهيمنة الثقافية التي قد تمارسها الثقافة الأوسع انتشاراً أو الأقوى. ولقد وجدت الثقافات المهمشة في التعددية الثقافية ضالتها، لأنها تحقق لها البقاء والحفاظ على خصوصياتها، وتضفي عليها الشرعية التي ربما تكون قد فقدتها في أتون مجتمعات الهيمنة الثقافية وحساباتها المعقدة. لكن، وقبل التطرق إلى الدور المعاصر للتعددية الثقافية، وتجنبا للبس، لا بد من توضيح ما يلي:
1- إن الأديان جزء من الثقافة التي هي (محصلة النتاج البشري الفكري والمادي والمعنوي، كالآداب والفنون والتاريخ والعلوم والأديان واللغات والعادات والتقاليد…).
2- إن الطائفية والعرقية والإثنية وسائر أخواتها ليست سوى روافد تصب في مجرى التعددية الثقافية، فالطائفة هي جماعة دينية أو سياسية تختلف وتفترق عن مجموعة أكثر شمولية منها، وأفراد الطائفة ينتسبون إلى ثقافة تميزهم عن سواهم، والعرقية تعني الأصول التي يتحدر الأفراد منها وينتسبون إلى محمولاتها الثقافية، أما الإثنية فهي مجموعة بشرية ذات خواص مميزة تحدددها الثقافة المشتركة والهوية، وتحظى باعتراف الآخرين كمجموعة متميزه قائمة على أسس ثقافيه مشتركة.
3- إن الهيمنة الاستعمارية حتى نهايات القرن التاسع عشر، قامت على أسس عسكرية، وفي القرن العشرين على أسس اقتصادية بصرف النظر عن أدواتها العسكرية التي استخدمتها لتحقيق غاياتها، أما في الألفية الجديدة، فإن الهيمنة تقوم على بناءات ثقافية بامتياز، ومن هنا فإن التعددية الثقافية تُعدّ الآن من أحدث وأخطر الظواهر التي قد تهدد المجتمعات وقد تصونها، حسب الكيفيات التي يتم اتباعها عند تطبيقها.
4- إن غالبية النزاعات في ما مضى، كانت تنشب بين الأمم المختلفة، أما الآن فإن النزاعات والحروب تنشب داخل الأمة الواحدة، وداخل الإقليم الواحد، وداخل البلد الواحد، بعد أن أتاحت التعددية للثقافات داخل المجتمعات فرص التعبير العلني عن هوياتها، وعن استحقاقاتها الثقافية والسياسية والدستورية والاجتماعية.
إن التعددية الثقافية هي البديل المعاصر لنظرية الدمج القسري بين الثقافات، وللشمولية التي كانت تتم تحت عناوين الوحدة والانصهار في بوتقة الأمة الواحدة، وهي النظرية التي تقوم على فكرة يوتوبية قوامها الأمة.
ربما كانت التعددية بديلاً اضطرارياً نشأ جراء إخفاق التطبيقات الأيديولوجية ونماذج الدمج التي شهدها عالمنا خلال القرنين الماضيين، بعد أن ثبت أن الاندماج المطلوب لم يكن سوى نوع من الانصهار، تمارسه الأقليات الدينية والعرقية والسياسية والطائفية على مضض، في جماعة الثقافة المهيمنة.
في العقدين الاخيرين من القرن العشرين اتخذت التعددية منحىً جديداً، فبالإضافة إلى تفكك الاتحاد السوفييتي وما نجم عنه من جمهوريات جديدة قامت على أسس ثقافية بامتياز، فقد تنبهت المجتمعات والمجموعات العرقية والإثنية إلى إمكانية تحقيق طموحاتها الكامنة في تأسيس كيانات ذات سمات نابعة من ثقافاتها وجذورها التاريخية، وهي طموحات قديمة مقيمة داخل المجتمعات منذ قرون، والأمثلة على ذلك كثيرة، وسأكتفي ببعض النماذج التي تخص عالمنا العربي، بدون أن يعني ذلك انتفاء وجود هذه التعددية في بقية دول العالم:
– في المغرب العربي يتحدثون كثيرا عن الهوية الثقافية للأمازيغ أو الطوارق، ويقال إن نسبتهم في المملكة المغربية حوالي 40٪ من السكان، وفي الجزائر يقال بأن نسبتهم تقارب النسبة السابقة، وفي ليبيا تبلغ نسبتهم 5٪ من السكان.
– في الصومال ثمة أقليات المالاجشية والهندية والأقلية البيضاء ذات الثقافة الفرنسية، وكل يبحث عن حيزه في خريطة الوطن الواحد.
– في السودان أنجزت التعددية الثقافية مهمتها حين انقسم السودان إلى دولتين.
– التوافقات الاجتماعية السياسية في كل من لبنان والعراق، قامت على الاعتراف بمصفوفة الحقوق التي فرضتها التعددية الثقافية فيهما، وعلى ترويض التباينات والاختلافات السياسية بين مختلف الأطياف، التي هي ـ في الواقع – ليست سوى انعكاس مباشر للتعددية الثقافية التي تم استخدام أسماء «حركية» للتعبير عنها: الطائفية، العرقية، القوميات، الاقليات ..
– في فلسطين نجد أن الإسرائيليين لا يكفون عن التذكير بأنهم يطبقون التعددية الثقافية، بما يحمل هذا الزعم من استحقاقات لم يتم الاعتراف بها، فالمناهج الاسرائيلية تهاجم الهويات الثقافية العربية والاسلامية والمسيحية، كما لا تلتفت تلك المناهج إلى ثقافات الأقليات كالسريان والكرد والدروز والسامريين والارمن والتركمان والشركس، بل ان عنصرية التعليم تبدو واضحة في المناهج الاسرائيلية من خلال التنكر لحقوق العرب، ووصفهم بالجهل والتخلف والقذارة، وللتدليل على ذلك يكفي أن نذكر ما ورد في قانون التعليم الإسرائيلي من (أن الهدف من التعليم الرسمي هو إرساء الأسس التربوية على أسس الثقافة اليهودية) بدون أدنى ذكر للثقافة العربية أو الثقافات الأخرى غير اليهودية داخل الدولة العبرية.
– سوريا ومصر وبلدان عربية أخرى ليست بمنأى عن تململ التعددية الثقافية، وحتى جزر القمر فإن الثقافة السائدة في جزيرة مايوت ما زالت فرنسية، وعلى الرغم من محاولات الحكومة الاتحادية بسط سيطرتها وثقافتها على هذه الجزيرة التي هي جزء من جزر القمر، إلا أن كل محاولاتها باءت بالفشل، وقد كانت آخر تلك المحاولات عام 2009 حين استخدمت فرنسا حق النقض (الفيتو) ضد قرارات مجلس الأمن التي أكدت على سيادة جزر القمر على جزيرة مايوت.
ويكفي أن نذكّر بآخر ما تمخض عن تململ التعددية الثقافية في منطقتنا، ففي مالي بدأ بعض الأفارقة باستهداف العرب والطوارق، عقب دخول القوات الفرنسية إلى بلادهم، حتى ان الامم المتحدة أصدرت تحذيرا لهم من مغبة هذا الاستهداف، وفي العراق وسوريا ومناطق الكرد حدث ولا حرج، وفي اليمن تحركت آلة التعددية بكامل ثقلها لتلتهم الكثير من المدن والارياف تحت عناوين «الحوثي»، وبالمقابل استدارت آلة «القاعدة» (ذات المرجعيات الثقافية النقيضة) كي تتصدى لتلك الآلة، وفي لبنان عقد قبل عامين اللقاء الأرثوذوكسي الذي نادى بتصميم قانون انتخاب يقوم أفراد كل طائفة بموجبه بانتخاب ممثلي طائفتهم، ما يعني تغليبا للانتماء الطائفي التعددي على الانتماء الوطني، وغني عن القول ان حصول الكرد في العراق على الحكم الذاتي الذي سيتحول إلى دولة مستقلة كان واحدا من نتائج البروز المتنامي للتعددية الثقافية وانعكاساتها السياسية. وحتى في ليبيا، وبعيدا عن فوضى المكاسب المدماة التي يسعى الجميع إلى تحقيقها، فإن جوهر الصراع يتمحور حول ثقافتين تتناحران في الشارع : ثقافة التشدد الاسلامي في مقابل ثقافة الدولة المتمدنة، ولكل أدواته الثقافية التي يحاول من خلالها حفز الأنصار الذين ينضوون تحت لافتاته الثقافية.
هكذا استيقظ العالم على انفجار تاريخي لا يقل في تأثيره على مستقبل البشرية عن «انفجار كامبريان»، وهكذا تشظت الدول والمجتمعات (وستستمر في التشظي)، وهكذا رأينا بأعيننا كيانات ومجموعات وتنظيمات وكائنات تتغذى على الدماء، وتتحرك نحو غاياتها بعقلية القطيع، وبتصميم بدائي لا يميز بين الحياة والموت، وليس في الأفق ولا في ما تحت الأفق أو وراءه ما يشير إلى وجود دوافع وأسباب غير تلك المتعلقة بالتعدد الثقافي بتجلياته الدينية والمذهبية والعرقية.. ما يعني أن التعددية تحولت الى نقمة بدلا من أن تكون نعمة.
تنظيم «الدولة الاسلامية» أو القاعدة مثلا، ليس سوى تعبير ديني روحي يطفو على سطح أحد جذعيات التعدد الثقافي، إنه واحد من بذور التعدد الثقافي التي ظلت كامنة في أديم الأرض والتاريخ على مدى عقود، ثم استيقظت ونمت كغيرها من بذور التعدد الثقافي، وهي تسعى لأن تتمدد في المكان والزمان وتطغى على كل ما تطاله جذورها وأغصانها من نباتات التعدد، ولسوف تستميت من أجل تسييد ثقافتها المستمدة من جذور ضاربة في عمق التاريخ، ولا يقولن أحد إن الإسلام ـ على سماحته وتسامحه – لم ينطو على فِرق واجتهادات متطرفة عبر تاريخه، فثمة فرق إسلامية أكثر تشددا من هذا التنظيم وذاك، وربما كانت فلسفات وأفكار الوهابية المعاصرة خير رافد لبقاء واستمرار هذا التعبير التعددي المدجج بالسيوف والبنادق والمتفجرات.
على الجانب الآخر، لا بد من الإقرار بأن التعددية الثقافية التي تعد تعبيراً أميناً عن الخصوصيات الثقافية، لا تنم عن تناقضات ثقافية بالضرورة، إذ ان كل الثقافات تُجمِع على السمات المميزة لثقافة النوع الإنساني، فلا خلاف بين الثقافات على الحب أو الخير أو الجمال أو الصدق، ولا توجد ثقافة أو ديانة أو عرق أو فلسفة تجيز السرقة مثلاً أو الغدر، كما لا خلاف على القيم النبيلة التي استغرق بناؤها آلاف الأعوام من عمر البشرية، ربما يكمن الاختلاف في طرائق التطبيق وما يرافق ذلك من طقوس تتصل بتلك الخصوصيات، وهي لا تمثل اختلافات تتصل بجوهر الثقافة الإنسانية، وإذا كان ثمة تناقض ثقافي جوهري، فهو يكاد ينحصر بتناقض الثقافات الإنسانية كافة، مع الثقافة التي تجيز مصادرة حق الإنسان في تقرير مصيره، وتلك التي تجيز الاحتلال ومصادرة حقوق الغير، أعني ثقافة الإسرائيليين.
لكن السؤال ما زال قائما: هل التعددية الثقافية خير مطلق أم شر مطلق؟
– يمكن القول بأن تطبيقات التعددية الثقافية مسؤولة إلى حد بعيد عن بقاء الخصوصيات الثقافية للجماعات الدينية أو العرقية أو الطائفية.
– وهي مسؤولة عن الثراء الثقافي للمجتمعات في إطار التفاعل والتبادل الإيجابي الخلاق .
– وعن تحطيم الهرمية الثقافية من خلال تحقيقها للمساواة بين من ينتمون إلى عدة ثقافات داخل المجتمع الواحد.
– وعن امتصاص الاحتقانات التي قد تنشأ جراء هيمنة ثقافة الأغلبية.
– كما انها مسؤولة عن تحقيق المطالب المشروعة لكل الثقافات بالإنصاف والعدالة والمساواة.
لكن هذه نصف الحقيقة، أما النصف الآخر فيمكن تلخيصه في الآتي:
– يمكن لهذه التعددية أن تؤدي إلى الاضطرابات وأعمال العنف بين المجموعات الثقافية المتباينة داخل البلد الواحد.
– ويمكن أن تؤدي إلى توالد أنواع من التطرف ذات المنشأ الثقافي، التي تجد في فصد الدم مع ثقافة الأغلبية رداً على تهميشها وحلاً ناجعاً لاحتقاناتها الثقافية.
– وقد تؤدي إلى انغلاق بعض الثقافات على ذاتها، حماية لنفسها، وخوفاً من طغيان الثقافة المسيطرة، الأمر الذي قد يؤدي إلى نشوء أشكال من العصاب الثقافي.
– وقد تؤدي هذه التعددية إلى نشوء ما يمكن تسميته بصراعات الوحدة عند سَنّ الدساتير والتشريعات الموحِدة للمجتمع، وهي صراعات تفضي إلى تحالفات مبنية على المصالح الخاصة بالجماعات الثقافية، التي تبحث عن حقوقها في ظل تخوفها من استئثار الثقافة المهيمنة أو رموزها.

أخيراً.
يبدو أن الإيمان بالتعددية الثقافية، يقتضي الاستمرار في مناقشة تفاصيلها، ففي كل يوم تتوالد تفاصيل جديدة لهذه التعددية التي يمكنها تحقيق الرفاه وحماية المجتمعات وانتشالها من مزالق الهلاك، أو العصف بها وتدميرها، ويبدو أن عالمنا بات على أعتاب مرحلة تاريخية جديدة وخطيرة، قوامها الثقافة وانعكاساتها السياسية والاجتماعية وربما الاقتصادية.
أما أخطر ما تنطوي هذه التعددية عليه فهو أن لها حدين قاطعين، وربما سنحتاج في المستقبل، إلى تضافر هيئات محلفين ثقافية وسياسية واجتماعية، من أجل الحكم على مدى نجاعة وصلاحية التعددية الثقافية لزمن ما بعد التحلل الأيديولوجي.
وللحديث بقية .

روائي اردني فلسطيني

جمال ناجي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية