ايتان بن الياهووقف اطلاق النار في الجنوب ويدعي الطرفان الانتصار، ولا يستطيع أحد في هذه الاثناء ان يحدد بوضوح كيف حُسمت عملية ‘عمود السحاب’. ان الهدف الذي حُدد مسبقا وهو اعادة بناء الردع هو في واقع الامر ما كنا اعتدنا ان نسميه في خمسينيات وستينيات القرن الماضي باسم ‘عملية مُجازاة’ بيد أنها أصبحت طراز 2012 هذه المرة. ان المقارنة بين عدد الهجمات على غزة وعدد الصواريخ التي أُطلقت على اسرائيل، أو بين عدد الأهداف التي دمرناها وعدد البيوت التي أُصيبت منا، لا تستطيع ان تحدد من الذي حسم ولا ايضا الهدنة التي ستنقضي الى ان يتجدد اطلاق النار.تدل التجربة على ان اتصالات سياسية لوقف اطلاق النار مستمرة منذ ثمانية ايام على الأقل. وهكذا فانه اذا كان القصد الى وقف اطلاق النار بعد ثمانية ايام فانه يجب بعد طلقة البدء فورا الاسراع الى تحريك القناة السياسية. في الثامن من كانون الثاني 2009 بعد ان بدأت اتصالات لانهاء ‘الرصاص المصبوب’ اتخذ مجلس الامن قرارا يدعو الطرفين الى وقف اطلاق النار فورا. وبعد تسعة ايام فقط، في 17 كانون الثاني، وقف اطلاق النار. وهكذا كانت الحال ايضا في عملية ‘عناقيد الغضب’ وفي حرب لبنان الثانية. وتم تعلم هذا الدرس في عملية ‘عمود السحاب’، فبعد يومين من طلقة البدء تم تحريك القناة السياسية. وبُين لأول مرة ان الساحة السياسية جزء لا ينفصل عن الساحة العسكرية. لكن بقي الى الآن ان نستوعب ان الساحة السياسية أهم حتى من الساحة العسكرية، فالساحة السياسية هي التي ستحدد من الذي حسم المعركة.في أواخر الانتفاضة الاولى صك اسحق رابين مصطلح ‘ارهاب استراتيجي’. وكانت الحروب مدة عشرات السنين بين جيوش نظامية غيرت الخريطة السياسية مثل اتفاقات الهدنة في 1949 أو اتفاق السلام مع مصر بعد حرب يوم الغفران. وكانت الانتفاضة الاولى نقطة تحول، فلأول مرة أدت موجة ارهاب الى اتفاق سياسي هو اتفاق اوسلو. وحظي الفلسطينيون بمكانة في الساحة الدولية وأصبح الارهاب عاملا استراتيجيا يصوغ سياسة جديدة في المنطقة.ان الاستنزاف على حدود غزة وعمليتي ‘الرصاص المصبوب’ و’عمود السحاب’ أحدثت وضعا سياسيا جديدا. فمنذ الآن أصبحت حماس تُرى ذات تأثير رئيس في الصراع مع اسرائيل. وفي حين لم تهتز مكانة أبو مازن في الشارع الفلسطيني، أخذت تقوى مكانة حماس. وفي الطرف الثاني من الحدود ايضا، أي في مصر، يرون حماس الآن حليفة أثبتت قدرة على الصمود في وجه اسرائيل.نحو فترة ولاية اوباما الثانية تدخل الولايات المتحدة من جديد الساحة السياسية مع طموح واضح الى تقوية المحور السني المعتدل، ومع عناق قوي لأبو مازن الذي يحاول بما بقي من قوته السياسية ان يُحيي مسيرة تقسيم البلاد الى دولتين. في الثالث والعشرين من كانون الثاني 2013 بعد دقيقة من منتصف الليل ستبدأ الساعة السياسية تكتكتها، وفي خلال السنة يتوقع نشاط مكثف بين مصر وايران والولايات المتحدة واسرائيل وحماس في غزة والسلطة الفلسطينية في رام الله. سواء أظلت تتولى الحكم في اسرائيل حكومة مركز يمين أم نشأت حكومة مركز يسار فستكون الساحة السياسية عاصفة وثائرة. وسيكون الرئيس اوباما الذي منع توغلا بريا في غزة لكنه أظهر ايضا تأييدا قويا لحق اسرائيل في الدفاع عن نفسها، سيكون مصمما على وقف المشروع الذري الايراني كما كان مصمما على مساعدة اسرائيل وحماس على وقف اطلاق النار. وسيستغل شعور اسرائيل المؤقت بالرضى وشعور حماس باحياء المسيرة السياسية مع أبو مازن. سيقود الرئيس اوباما المسيرة وستكون اللاعبات على المقاعد هي الامم المتحدة ودول اوروبا وستعمل من وراء ستار الدول العربية التي يسيطر عليها الجزء المسلم السني. قد يتبين بعد ذلك ان عملية ‘عمود السحاب’ لم تكن تحولا فقط بل كانت فرصة ايضا وسنعلم حينذاك ايضا من الذي انتصر.يديعوت 27/11/2012