بعد بكاء السنيورة: متي يبكي زملاؤه من المسؤولين العرب؟
حكم البابابعد بكاء السنيورة: متي يبكي زملاؤه من المسؤولين العرب؟شعرت بأن شيئاً في العالم العربي يتغير وأنا أشاهد رئيس الوزراء اللبناني فؤاد السنيورة يبكي أمام كاميرات التلفزيون، وأحسست بأنني لأول مرة أشاهد الوجه الانساني لمسؤول عربي، فتاريخنا مع الصورة التلفزيونية للمسؤولين العرب له وجه واحد مبتسم، فأنا لم أشاهد طوال حياتي مسؤولاً عربياً علي شاشة تلفزيون إلاّ وهو في غاية السعادة والسرور، وطرفا فمه يكادان يلتصقان بشحمتي أذنيه، وطالما استغربت حبور المسؤولين العرب الذين ينتقلون من نكبة إلي نكسة، ومن خسارة إلي هزيمة، بنفس المهارة التي يحطم بها لاعب رياضي رقمه القياسي السابق، وغالباً ما سألت نفسي لماذا يظهر المسؤولون العرب علي شاشات التلفزيون سواء في نشرات الأخبار أو الاستقبالات الرسمية أو المؤتمرات الجماعية كما لو أنهم أمام مشهد من مسرحية لعادل إمام أو دريد لحام، وما الذي يضحكهم فعلاً؟! فلم تمر سنة منذ إنشاء دولهم وحتي اليوم إلا وقامت فيه اسرائيل بمجزرة ضد مواطنيهم، ولم يمض شهر إلاّ وظهر إلي العلن خلاف بين دولتين عربيتين، ولم يحققوا في تاريخهم الحديث نصراً في المعارك أو الدبلوماسية أو الاقتصاد أو التنمية أو الرياضة، إلا بين وعلي بعضهم البعض، ولو كان هناك دليل أو معجم يشبه دليل الهواتف أو قواميس اللغات يصنف الأمم والشعوب، لما كان بالامكان العثور علي العرب إلاّ في صفحة الهزيمة وباب الخسارة، وأهم انجاز لزعماء الأمة العربية هو تقليص مساحة الأرض العربية، فلو قمنا بعملية حسابية لمنجز أي زعيم عربي لاكتشفنا أنه غادر الحكم ـ بقضاء الله وقدره طبعاً ـ وقد صغرت مساحة دولته عن الحجم الذي كانت عليه عند تسلمه الحكم، وأن التوسع الوحيد الذي حققه في فترة حكمه هو في مساحة المقابر والسجون، ومع ذلك فهو لم يكف عن الابتسام أمام كاميرات التلفزيون، وأقصي مافعله أي مسؤول عربي في ظرف إنكسار أو هزيمة لحقت بهذه الأمة هو إظهار قدر قليل محسوب بدقة من التجهم علي محياه، ثم ما يلبث أن يغتنم أقرب فرصة للظهور من جديد علي شاشة التلفزيون لاستعراض مهاراته في الابتسام، بقصد محو الصورة السابقة المتجهمة التي فرضها عليه ظرف قاهر!لا يحب المسؤولون العرب البكاء ليس لأنهم أقوياء فعلاً، ويقابلون المصائب والكوارث بثقة القادر علي تجاوزها، أو لأنهم صنعوا من اتحاد بين الحديد والفولاذ والصخر، لا من الأعصاب واللحم والدم كباقي البشر، بل كي لا يظهروا بحالة ضعف قد تغري أحد ضباط جيوشهم من الطامحين للزعامة بالتجرؤ عليهم، وحتي لا يبدو عليهم التأثر الذي قد يسمح لشعوبهم في التفكير بسواهم للمناصب التي يتولونها، ويفضلون أن تكون صورتهم العامة خالية من العاطفة الانسانية أو المشاعر الحية، والابتسامة الصفراء يتدربون علي رسمها فوق شفاههم ـ باعتبارها أحد مكونات صورة الزعامة العربية ـ هي أقرب إلي برودة وشحوب وجوه الموتي منها إلي طزاجة وحرارة الحياة، ولهذه الأسباب فبكاء فؤاد السنيورة حالة استثنائية عربية، لأنها ومهما كانت أسبابها من ضعف أوتأثر بالكارثة أو احساس بالهزيمة أو شعور بقلة الحيلة، أو حتي باعتبارها أداء دبلوماسياً ـ كما فسرها قساة القلوب ضعفاء النفوس ـ أول تعبير انساني ووجداني حي لمسؤول عربي عن حالة العرب اليوم.لا أدعو إلي عقد قمة للبكاء العربي، ولكن في حال عقدها، فستكون أكثر تعبيراً عن واقع العرب من القمم التي لا يتبادل فيها الزعماء العرب أكثر من أسماء صبغات الشعر والمنشطات والمقويات والاتهامات والصفقات مع أمريكا، والابتسامات التي ليس لها تفسير سوي (شر البلية ما يضحك)، كما دلت كل نتائج القمم العربية السابقة التي شرعنت إحتلال العراق وأباحت هدر دم الفلسطينيين!9