بعد تأمين الاقتصاد والتفوق العسكري والتحالف السياسي مع الصين موسكو تجعل من ملف أوكرانيا منعطفا تاريخيا

حسين مجدوبي
حجم الخط
4

 لندن-القدس العربي»: إذا اندلعت الحرب الروسية ضد أوكرانيا وبطريقة غير مباشرة ضد الغرب خلال الشهر الجاري أو المقبل ستكون الحدث الثالث الأكثر تأثيرا منذ بداية القرن الواحد والعشرين بعد التفجيرات الإرهابية 11 ايلول/سبتمبر والحرب الأمريكية-البريطانية ضد العراق. غير أن الحدث سيكتسب صفة المنعطف في أعمق معاني الجيوسياسية لأنه سيرسم المستقبل خلال العقود المقبلة وأساسا العلاقة بين الصين-روسيا في مواجهة الغرب.

وتتوفر كل المعطيات لوقوع الحرب المتمثلة في الهجوم الروسي لاسيما بعد قرار الكرملين حشد أكثر من مئة ألف جندي معلن عنه، بينما يعتقد الغرب وجود أكثر، ثم نشر مضادات للطيران في بيلاروسيا من نوع إس 4000 علاوة على نشر صواريخ شديدة التدمير موجهة ضد القوات الأوكرانية، ويضاف إلى هذا انتشار سفن حربية في البحر الأسود وجاهزية الطيران الحربي. ثم المناورات العسكرية الروسية-البيلاروسية التي تقلق ليس أوكرانيا بل بولونيا بسبب أنها تجري بالقرب من حدود بولونيا. وكذلك السوابق التاريخية العسكرية مثل غزو جورجيا والاستحواذ على شبه جزيرة القرم بالقوة العسكرية.
ويتابع الغرب بقلق «تاريخي» احتمال شن روسيا الحرب على أوكرانيا إدراكا منه بخطورة انعكاساتها التي تتجاوز ما حدث في شبه جزيرة القرم سنة 2014 إذ يتعلق الأمر هذه المرة بمستقبل العلاقة بين روسيا والغرب وخاصة مع أوروبا، ثم نوعية العلاقات الأمنية-العسكرية التي ستسود خلال العقود المقبلة.
ويمكن تلخيص ما يجري في الملف الأوكراني في المعادلة التالية: إذا مالت أوكرانيا للغرب وأصبحت عضوا في الحلف الأطلسي فستكون خطرا على الأمن الروسي، ويكفي تأمل الخريطة السياسية والعسكرية. وإذا نجحت موسكو في إعادة أوكرانيا إلى حظيرتها سواء بالمفاوضات أو الحرب فستكون قد جعلت كل باقي أوروبا الشرقية تخفض من علاقاتها مع الحلف الأطلسي تفاديا لغضب «الدب الروسي». وتعتبر سياسة «العنف الدبلوماسي» للكرملين الحالية تجاه أوكرانيا ثمرة لسنوات من الاستعداد في قطاعات شتى، بينما التصور السياسي المؤطر لهذا العمل فهو عقيدة تؤمن بها القيادة السياسية الحالية بزعامة فلاديمير بوتين منذ انهيار الاتحاد السوفييتي وتتجلى في إعادة هيبة روسيا وريثة الاتحاد ومنعها من مزيد من الانهيار. واستعدت روسيا لهذه اللحظة التاريخية عبر ثلاثة مستويات: تحالف استراتيجي، تأمين الاقتصاد من العقوبات الغربية ثم تطوير قدرة عسكرية فائقة قادرة على الحسم السريع.
تأمين الاقتصاد في وجه العقوبات

يلوح الغرب بفرض عقوبات قاسية ضد روسيا في حالة غزوها لأوكرانيا بسبب صعوبة الرد العسكري الغربي. ويوجد مستويان من التلويح بالعقوبات، الأوروبي وهو محتشم، والأمريكي وهو قوي. ولم تعد ورقة العقوبات ذات فعالية كبيرة، لأنها تخص الاتحاد الأوروبي أساسا الذي تجمعه علاقات اقتصادية قوية مع روسيا، في حين تبقى العلاقات التجارية الروسية-الأمريكية ضعيفة. ويستورد الاتحاد الأوروبي 40 في المئة من صادرات روسيا الخارجية، ويعد الميزان التجاري لصالح موسكو، وبالتالي كل عقوبات غربية يعني تقليص الواردات الغربية وأساسا الأوروبية. لكن في العمق الصورة مختلفة، إذ أن 70 في المئة من أصل 100 في المئة من واردات الاتحاد الأوروبي هي مواد الطاقة النفط والفحم الحجري والغاز. ولا تجد دول الاتحاد الأوروبي بديلا سهلا لمقاطعة الطاقة الروسية. وبلغت صادرات روسيا إلى الاتحاد الأوروبي سنة 2021 قرابة 150 مليار يورو، منها مئة مليار من الطاقة لوحدها. في المقابل، استوردت روسيا من الدول الأوروبية 87 مليار يورو، أغلبها من الصنع المصنعة.
ويؤكد الخبراء أن عقوبات اقتصادية غربية تعني إقدام روسيا على فرض عقوبات مضادة. وهنا يبقى التساؤل: هل تستطيع أوروبا التخلي عن الطاقة الروسية؟ الجواب لا،  بل روسيا ستجد السوق الصينية لتصدير كل نفطها والغاز ولن تجد أوروبا بديلا لأنه لا يمكن تعويض أنابيب الغاز والنفط بشحنات السفن. من جهة أخرى، هل ستتحمل أوروبا عقوبات روسية بالتقليص من الصادرات؟ الجواب لا، لأنه سيعني ضربة قوية لاقتصاديات عدد من دول أوروبا الشرقية بل وحتى الغربية. ولهذا، يوجد اختلاف عميق في ملف العقوبات بين الاتحاد الأوروبي الذي سيتأثر والولايات الأقل تأثرا.
ومن جانب آخر، عملت موسكو ومنذ سنة 2014 على إعادة هيكلة اقتصادها لتفادي تأثير العقوبات. فقد قامت بتخزين العملة الصعبة إلى مستوى يقارب 650 مليار دولار. وهذا ثم وجهت اقتصادها نحو شركاء جدد مثل تركيا ودول شرق آسيا علاوة على الحليف الاستراتيجي الصين. وتبرز جريدة «نيويورك تايمز» في مقال لها يوم 4 شباط/فبراير الجاري أن روسيا بنت اقتصادها للتخفيف من تأثير العقوبات إلى الحد الأدنى، ولكنها ستواجه تحديا كبيرا إذا منعت واشنطن الدول التعامل مع روسيا بالدولار.

التحالف الروسي-الصيني

تدرك موسكو التحديات الهائلة التي تواجهها في علاقاتها مع الغرب، فهي تواجه تكتلا من الدول الغنية اقتصاديا وقوية عسكريا ومتينة سياسيا. وعملت طيلة السنوات الأخيرة على تطوير تحالفها السياسي مع العملاق الصيني المرشح لريادة العالم ابتداء من نهاية الثلاثينات. ووجدت الترحيب من طرف بكين طالما أن الهدف واحد وهو التقليل من سيطرة الغرب على العالم. العلاقات بين البلدين تجاوزت الشعارات السياسية، ولم تعد مبنية على الإيديولوجية الشيوعية بل على المصالح المشتركة. وهناك ثلاثة معطيات حاسمة لمعرفة هذا التحالف ومستقبله وهي:
في المقام الأول، ارتفع التنسيق السياسي في كل المنتديات الدولية وعلى رأسها مجلس الأمن الدولي التابع لمنظمة الأمم المتحدة، إذ لم تعد الصين تتحدث بلسان في بعض القضايا الدولية وروسيا بلسان آخر. في المقام الثاني، ارتفع التبادل التجاري بين الصين وروسيا إلى ما يقارب 150 مليار دولار خلال السنة الأخيرة، وهو مرشح للارتفاع أكثر، ولعل قوته تتجلى في التعامل بالمقايضة وبالعملات الوطنية بدل عملات غربية. وهذا يجعل العقوبات الغربية على روسيا ضعيفة المفعول. في المقام الثالث، تعزز التنسيق العسكري بشكل كبير خلال السنوات الأخيرة، لم يعد الأمر يتعلق بمناورات حربية في أراضي الصين وروسيا، أو الرفع من صادرات روسيا العسكرية إلى الصين بل بالمناورات العسكرية في عدد من مناطق العالم مثل البحر الأبيض المتوسط وبحر العرب وجنوب شرق آسيا. وتعني المناورات العسكرية المشتركة هو بداية حقيقية للدفاع المشترك.

ترسانة أسلحة مرعبة

التوازن في العلاقات الدولية والدفاع عن المصالح لا يتم بالنوايا الحسنة أو الاعتقاد في احترام الآخر المواثيق الدولية، بل يقوم بقدر كبير على مستوى القوة العسكرية التي تمتلكها الدولة أكثر من قوتها الاقتصادية. ولهذا يوجد سباق التسلح والاستثمار في البحث العلمي الخاص بالسلاح. وعملا بهذه النظرية، عملت روسيا على تطوير ترسانتها العسكرية بشكل مرعب للغاية، ترسانة ذات قوة تدميرية مخيفة، تجعل منظمة الحلف الأطلسي لا تجرأ على الدخول في حرب مع موسكو ليس فقط في حالة غزو أوكرانيا بل حتى في حالة شن حرب على دول مثل هنغاريا ورومانيا ودول البلطيق. ولن يدخل الحلف الأطلسي حربا ضد روسيا إلا إذا هاجمت الدول الأوروبية الغربية.
وكان بوتين قد وجه رسالة إلى الغرب يوم فاتح اذار/مارس 2018 عندما كشف عن تطوير روسيا لأكثر من 200 سلاح جديد على رأسها الصواريخ «العابرة للصوت» التي سرعة البعض منها 20 مرة أكثر من الصوت مثل صاروخ سارمات الذي لا يمكن نهائيا اعتراضه، والقادر على ضرب الولايات المتحدة في ظرف نصف ساعة ما بين الإطلاق والاستهداف، وبضع دقائق مجموع أوروبا. ثم صاروخ سيركون الذي جرى تجريبه السنة الماضية ولا يمكن نهائيا اعتراضه. في الوقت نفسه، توجد صواريخ أخرى مثل كالبير وإسكندر، علاوة على منظومة دفاع على رأسها إس 400 وإس 500 قادرة على تحييد كل الأسطول الحربي الغربي. ولن تحتاج روسيا إلى بدل مجهود بشري في الميدان بقدر ما ستعتمد على الحرب من بعد وخاصة الصواريخ لإلحاق أكبر ضرر بالبنيات العسكرية الأوكرانية سواء الجيش أو المعدات.
تعتبر موسكو الملف الأوكراني المفصل التاريخي لأمنها القومي، فهو محطة حاسمة، إما ستكون تحت رحمة الغرب إذا انضمت أوكرانيا إلى الحلف الأطلسي، أو ستعيد أوكرانيا إلى حظيرتها وتجبر باقي دول أوروبا الشرقية على تقليد فنلندا والنمسا، أي الانضمام إلى الغرب اقتصاديا وليس عسكريا.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية