خطاب رئيس حكومة التغيير، نفتالي بينيت، في الجمعية العمومية أثبت المقولة المعروفة بأن ليس لإسرائيل سياسة خارجية، إنما سياسة داخلية. زعماء العالم الذين جلسوا، الاثنين، في القاعة أو شاهدوا الخطاب على الشاشات في مكاتبهم، انتظروا رؤية لرئيس حكومة إسرائيل الجديد الشاب. ولكن بينيت تجنب إعطاء إجابة على السؤال القديم جداً والبارز جداً في الشرق الأوسط، وهو: ما وجهة حكومة إسرائيل في النزاع مع الفلسطينيين؟ سؤال حاسم وتجاهله بينيت كلياً.
وقف بينيت على منصة الأمم المتحدة كرئيس حكومة يستند إلى الائتلاف الأكثر تنوعاً في إسرائيل، والذي يضم حزباً مسلماً، وآخر ليبرالياً يرأسه مثليّ. حكومة تضم أعضاء متحمسين لحل الدولتين، وحصلت على مباركة نهجها من البيت الأبيض، وجاءت لتري العالم حياة ما بعد نتنياهو. وبدلاً من استغلال المنصة ورسم رؤية وأفق كما هو متوقع ممن يتطلع إلى قيادة دولة إسرائيل في السنوات الأربع القادمة، تحدث بينيت كآخر النشطاء السياسيين في ذروة حملة انتخابية.
كان بينيت يعرف أموراً لا يعرفها الجمهور الإسرائيلي. وربما يدرك في أعماقه أن حكومته لن تعيش طويلاً، لذلك بحث عن الإجماع في “قاعدته” الانتخابية. وإلا فليس بإمكانه أن يشرح للمجتمع الدولي ودوائر كثيرة في إسرائيل، منها عدد من شركائه في الائتلاف، عن تجاهله للقضية الفلسطينية. ألقى بينيت خطاباً يريح الأذن الإسرائيلية، عن إسرائيل المتنورة والديمقراطية الوحيدة في الغابة التي تسمى الشرق الأوسط، دولة تواجه تهديدات من قبل إيران وأذرعها: “حزب الله”، وحماس، والجهاد الإسلامي. دولة تريد السلام مع من يرغب فيه، مثل: البحرين والإمارات والمغرب، وتعرف كيف تتعامل مع الأوبئة وتحصل على دعم من زعماء العالم الحر.
سياسة تجاهل الفلسطينيين هي السياسة السائدة في الخطاب الإسرائيلي. وهذا الموضوع يطفو أثناء أزمة أمنية. ولا يتم التحدث عن وضع الفلسطينيين أبداً في وقت آخر. الاحتلال، ونظام الأبرتهايد الآخذ في التعزز في الضفة الغربية، وسحق الحقوق الأساسية، كل ذلك لا يقض مضاجع معظم الإسرائيليين. بينيت تبنى ذلك، وكلمة “فلسطينيين” لم تسمع حتى ولو لمرة واحدة فوق منصة الأمم المتحدة، ولا حتى في سياق سلبي. الوحيدون الذين حصلوا على الذكر هم حماس والجهاد الإسلامي. الرئيس الفلسطيني، محمود عباس، الذي كاد يبكي أثناء إلقاء خطابه في الجمعية العمومية، لم يحظ حتى بكلمة واحدة، لا بصورة شخصية ولا غير مباشرة. وفيما يتعلق بما قاله في خطابه وكأن أقواله كانت هواء تبخر في مكتبه في المقاطعة.
قد يدعي بينيت وحاشيته بأن الخطاب يناسب تشكيل الحكومة، فقد أبرز فيه ما هو متفق عليه مع تجاهل ما هو مختلف فيه. قد تكون صيغة جيدة لمواجهة أزمة داخلية في إسرائيل، لكنه غير مناسب عندما يدور الحديث عن صراع دموي استمر عشرات السنين. لم يكن في إسرائيل رئيس حكومة تجاهل الفلسطينيين، بالسراء والضراء. وإذا حصل بينيت على دعم صامت من الولايات المتحدة والمجتمع الدولي فإنه بحاجة إلى مواجهة حقيقة واضحة، وهي أن الفلسطينيين وإن كانوا حاضرين في الحوار العام داخل إسرائيل إلا أنهم على الأرض: في الضفة الغربية، وفي شرقي القدس، وفي قطاع غزة، وداخل حدود الخط الأخضر كمواطنين في الدولة. وهو وجود غير مؤقت، ولا يمكن لبينيت أن يتجاهل الحقيقة.
في نهاية المطاف، بينيت وشريكه يئير لبيد وربما مكونات الائتلاف الأخرى سيكون عليهم الإجابة عن عدة أسئلة، مثل: أين تمر الحدود الشرقية لدولة إسرائيل؟ ما الذي سيحدث مع الفلسطينيين الذين يعيشون في هذه المنطقة الحدودية؟ إلى أي نظام سيخضعون؟ وماذا ستكون مكانتهم؟ إذا أجاب عن هذه الأسئلة فيمكنه استخدام مفهوم “منارة في بحر هائج” و”مشعل للديمقراطية”، وإلا فسيدخل إلى الوعي كمن عمق الاحتلال والأبرتهايد.
بقلم: جاكي خوري
هآرتس 29/9/2021