بعد تكرر مصادرة القدس العربي : حرية الصحافة في تونس.. الي أين؟
سليم بوخذيربعد تكرر مصادرة القدس العربي : حرية الصحافة في تونس.. الي أين؟ عاد الأمين العام للاتحاد الدولي للصحافيين السيد آيدن وايت من زيارته الأخيرة الي تونس، بأسف شديد علي حالة الصحافة والصحافيين في البلد.ولم تنجح كل اللقاءات التي عقدها أمين عام أهم هيئة عالمية للصحافيين، سواء مع مسؤولين حكوميين أو مع ممثلين لجمعيات قريبة من حكومة الرئيس بن علي، في أن تغير ولو قليلا، من الاستياء الذي خرج به الرجل بعد اتصالاته المباشرة بالاعلاميين، من حالة الانسداد التي تعرفها مسألة حرية التعبير في صحافة تونس وحالة لا صوت يعلو فوق صوت الحكومة التي يقول المنتقدون انها سائدة في مختلف ملامح قطاع الاعلام منذ سنوات. وفي الواقع، الاتحاد الدولي لفرسان صاحبة الجلالة هو ليس أول الهيئات التي تُعبر عن قلقها من مشكلة ما يُوصف بـ الحصار المضروب علي حرية الصحافة في تونس.فقبله حبرت الشبكة العالمية لحرية التعبير ايفيكس تقارير عن هذا المشكل، وتنافست معها في هذا منظمة مراسلون بلا حدود و هيومان رايتس ووتش والفيدرالية الدولية للدفاع عن حقوق الانسان وغيرها من الهيئات الأممية الكبري، كما وقف الأمين العام للأمم المتحدة بنفسه في مؤتمر صحافي ضمن القمة العالمية لمجتمع المعلومات في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، لينتقد هذه التجاوزات ويطالب الرئيس التونسي باطلاق حرية التعبير.ولا تتركز الانتقادات المُوجهة الي الحكومة التونسية في هذا المضمار، علي الاعلام التلفزيوني المحلي الذي تقول التقارير انه مثل عديد البلدان العربية لا يُسمح الا للمُوالين للحكومة بالتحدث فيه، وانما تنسحب علي كل أشكال الاعلام ، ذلك أن الصلاحيات الوافرة التي منحها قانون الصحافة التونسي لوزير الداخلية في الاشراف علي القطاع، جعلت ـ فيما جعلت ـ تراخيص الصحف في القطاع الخاص لا تمنح الا للسائرين في ركاب الحكومة مما جعل المعلقين يشيرون الي أنه لا يمكن لملاحظ عادي يتصفح صحف تونس، أن يعثر علي أي فرق في المحتوي بين الصحافة الرسمية وصحافة القطاع الخاص بالبلد من حيث الولاء المطلق للرأي الحكومي والخبر الحكومي.وقد ظل الاستثناء الوحيد هو صحيفة الموقف الناطقة باسم حزب معـــــارض، فهي ذات محتـــوي مختلف تماما ونعثر في صفحاتها علي الرأي المخالف وحتي علي الانتقاد الجريء، ولكن هذه الصحيفة ما فتئـــت تعاني من سلاح المصادرة المتكررة بـــين اليوم والآخر، فضــــلا عن مُحاصرتها ماليا وكونها شبه ممنوعة في الأسواق التونسية، حـــتي أنك اذا ما تحصلت ـ وبعد جهد جهيد ـ علي نسخة منها وأطلــــعت عليها مواطنا تونسيا سيحســـب منذ الوهلة الأولي أنها تصــــدر بالخــــارج من فرط حالة شــــبه منعها في الأكشــــاك واخفائها عن الناس.ومن المُؤسف أن هذه الممارسات شملت أيضا الصحف الواردة من الخارج، وخير مثال علي ذلك مصادرة صحيفة القـــــدس العربي عديد المرات في الشهر الواحد، وأحيانا بسبب نشرها لأخبار أو آراء عن شؤون دولية أو عربية لا تهم مباشرة السياسة التونسية، وكان من نتائج فيتو المصادرة المرفوع بين اليوم والآخر في وجه القدس العربي في تونس وما يكلفه ذلك من اثقال لكاهــــل الصحيفة بخســائر مالية فادحة، أن اضطرت الي خفـــض كمية نسخها اليومية التي ترسلها الي تونس من 3 آلاف الي 500 نسخة فقط! وفي نفس سياق علاقة الحكومة التونسية بالاعلام الخارجي، قد لا تكون مُصادفة البتة، أن تونس هي واحدة من البلدان القليلة جدا في العالم التي منعت بقوة قناة الجزيرة في أن تنقل مراسلات من تونس وكذا حصل لقناة العربية وغيرها من قنوات الأخبار.و وصل ما يصفه المنتقــــدون بـ العســـف في هذا المضمار الي حد أن صادرت الحكومة البطاقة الصحافية لمراسل الجزيرة في تونس لطفي حجي كما عاني من الحجز مرارا وتكرارا في مخافر البوليس، لمجرد أنه اكتفي بنشر تقارير محايدة عن البلد الجزيرة نت وأخبار قصيرة غير مصورة بالقناة، بعد منعه من تصوير مراسلات.وانسحبت المضايقات الأمنية والحرمان من البطاقة الصحافية علي عديد المراسلين المستقلين الآخرين من ذلك مراسل وكالة قدس براس و العربية نت وغيرهما. هذه التجاوزات الحاصلة في مجال حرية الصحافة في تونس، تجرنا الي التساؤل: من المُتضرر من كل هذا؟ والاجابة واضحة، فالمُتضرر هم الصحافيون وأيضا جمهور الصحافة علي حد السواء، ولكن ليس هؤلاء وحدهم هم المتضررون برأيي، فالحكومة أيضا لم تنعم بـ الراحة جراء مسؤوليتها عن هذه التجاوزات، فقد تصاعدت الانتقادات لها من كل جانب بشأن هذا المشكل في الفترة الماضية ووصل الأمر بالاتحاد الأوروبي المرتبطة به تونس باتفاقية شراكة، الي حد تلويحه بامكانية التراجع عن الاتفاقية بسبب ما وصفه بعدم احترام الطرف التونسي لمقتضيات البند الثاني منها والذي ينص علي احترام حرية التعبير والصحافة وحقوق الانسان.كما هذه سياسة مُصادرة الصحف المخالفة وحجب مواقع عديد وسائل الاعلام العربية والعالمــــية علي الأنترنت، لم تمنع من وصول المعلومة أو الرأي الذي ترغب الحــــكومة في عدم وصوله الي الناس، وذلك اما عن طـــريق الفضائيات أو عن طريق الأنترنت نفسه بعد انتشار ظاهرة البروكسي الذي نشره قراصنة الانترنت في البلد ليتسني للجميع فتح أي موقع محجوب.وفي اعتقادنا آن الأوان لكي تُفكر الحكومة التونسية جديا في مسألة أنها أول المتضررين من غياب تعددية اعلامية في البلد فعلي الأقل هي أفقدت أي مصداقية لوسائل الاعلام الموالية لها من فرط تعود الناس علي الصوت الواحد بها، ولا شك أنها ستكون مُستفيدة لو أنها سمحت بهذه التعددية المنشودة لأنها وقتها لن تجنب نفسها الانتقادات من هنا وهناك، وأنما أيضا سيمكن لها أن تعزز نسبة المصداقية للخطاب الرسمي في ظل سماحه بالنقاش مع الــرأي المخالف له دون وجل أو مصادرة ..ہ كاتب وصحافي تونسي8