بعد تهديداته الهاتفية: ترامب… بين دونالد المواطن والرئيس الماثل أمام القضاء

حجم الخط
0

تلك إحدى المكالمات الهاتفية التي قادت ترامب إلى محاكمة عزل في الكونغرس. ففي العام 2019 كان رئيس أوكرانيا، فلادمير زيلنسكي، على الطرف الآخر للخط. طلب منه ترامب “العثور” على معلومات تدين ابن جو بايدن، الذي كان في حينه يتنافس في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي للرئاسة. حتى أنه هدد بمنع تحويل مساعدات عسكرية لأوكرانيا كانت بحاجة إليها كي تدافع عن نفسها أمام الانفصاليين المؤيدين لروسيا في شرق الدولة.

الآن، قبل لحظة من انتهاء ولاية ترامب، جاءت مكالمة أخرى. الهاتف نفسه، والتهديد نفس التهديد: “عليك أن تعثر على ما يساعدني على الفوز وإلا فأنت ومن انتخبوك ستتضررون”. في نبأ نشر في “واشنطن بوست” أول أمس، تم الكشف عن تسجيل لمحادثة استمرت لساعة بين ترامب ووزير خارجية جورجيا، براد ريفنسبيرغر، التي طلب فيها الرئيس “العثور على 11780 صوتاً”. ريفنسبيرغر الجمهوري هو المسؤول بحكم وظيفته عن المصادقة على نتائج الانتخابات في جورجيا. والعدد الذي ذكره ترامب هو الفجوة في الأصوات التي فاز فيها بايدن بالولاية. طلب الرئيس أن يتم سد هذه الفجوة بكل الطرق الممكنة. مزود بالكثير من نظريات المؤامرة وبدون أي دليل واحد، صمم الرئيس الحصول على أغلبية تبلغ “مئات آلاف الأصوات” في الانتخابات في جورجيا. وحسب قوله، فقد تم إخفاء هذه الأصوات وإتلافها أو أنه تم فرزها بطريقة خاطئة.

“مواطنو جورجيا غاضبون، مواطنو الدولة غاضبون. وليس من الخطأ قولكم بأنكم احتسبتم الأصوات من جديد”، قال ترامب لرفنسبيرغر. هكذا عرض عليه طريقة لقلب نتائج الانتخابات. رفض وزير الخارجية ذلك مرة تلو الأخرى استناداً إلى دستور جورجيا، لكن ترامب عرض المزيد من النظريات والمزيد من الاقتراحات لتغيير فرز الأصوات. وهكذا استمر الأمر بحركة دائرية بدون هدف إلى حين أنهى ريفنسبيرغر المحادثة وترك ترامب خائب الأمل. فعلياً، تلك المحادثة التي تم الكشف عنها في “واشنطن بوست” “أكدت ما كان معروفاً”. هذا دليل قاطع على التقارير الكثيرة التي نشرت منذ الانتخابات في 3 تشرين الثاني، والتي تقول إن ترامب يتنكر لاختيار الأغلبية ويبحث عن أي ثغرة تبقيه في البيت الأبيض. إلى جانب ذلك، أكد التسجيل مرة أخرى نموذج سلوك ترامب، الذي لا يتردد في استخدام الضغط والتهديد ولا يستبعد أي وسيلة، لكنه على الأغلب يفشل في جهوده.

منذ هزيمته لصالح بايدن، يعمل ترامب بصورة حثيثة وبدون كلل على تقويض أسس الديمقراطية في الولايات المتحدة. فقد وقف ضد إرادة الناخبين بصورة فظة باستخدام الضغط وتهديد أصحاب الوظائف الرسمية في ست ولايات. وقام في تشرين الثاني باستدعاء مشرعين من ميتشيغين وطلب منهم تجاوز الناخبين وينتخبوا الأشخاص الذين يحق لهم التصويت في المجمع الانتخابي، الممثلين الذين ينتخبون فعلياً الرئيس، حسب رأي الأغلبية في الدولة. ومنذ ذلك الحين، ضغط الرئيس المنتهية صلاحيته على شخصيات رفيعة أخرى في الولايات التي فاز فيها بايدن، بما في ذلك حاكم جورجيا بريان كامب الجمهوري، والذي طلب منه تعيين منتخبين بديلين. في جميع هذه الحالات ووجه ترامب بالرفض.

في محادثة مع وزير خارجية جورجيا، والمستشار القانوني ريان جرماني، طلب الرئيس “العثور” على البطاقات التي تم إخفاؤها، حسب ادعائه، وأوضح لهما بأنه يمكن أن يكون لذلك تداعيات على أهليتهما. “هذه مخالفة جنائية، ولا يمكنكما أن تسمحا بحدوث ذلك. هذه مخاطرة كبيرة لك ولريان، محاميك”، قال ترامب في المحادثة. وإذا أدى الكشف إلى لائحة اتهام، فستكون هذه كما يبدو هي المحاكمة التي سيكون نجماً فيها.

إلى جانب التهديد الشخصي، ذكر ترامب أن عدم التعاون معه سيضر أيضاً بناخبي الاثنين. ميزان القوى في مجلس الشيوخ مرتبط الآن بجورجيا فقط، التي سيصوت مواطنوها اليوم في الجولة الثانية على مقعدين في مجلس الشيوخ. وإذا فاز الديمقراطيون في السباقين، فسيفقد الجمهوريون الأغلبية في مجلس الشيوخ. أوضح ترامب لريفنسبيرغر بأنه إذا لم يعمل حتى يوم التصويت، فإنه سيضر فعلياً باحتمالات فوز السناتوريين الجمهوريين الحاليين، دافيد فردو وكالي لفلر، أمام خصميهما الديمقراطيين جون اوسوف ورفائيل فرنوك.

“لديكم انتخابات مهمة. وبسبب ما فعلتموه للرئيس، أنتم تعرفون، ومواطنو جورجيا يعرفون، بأن ثمة  مؤامرة كانت هنا”، قال ترامب في المكالمة الهاتفية. “بسبب ما فعلتموه للرئيس فإن الكثير من الأشخاص لن يصوتوا، والكثير من الجمهوريين سيصوتون بصورة سلبية. لأنهم يكرهون ما فعلتموه للرئيس. حسناً، هم يكرهون ذلك وسيصوتون. إنهم يحترمونك جداً. ليتك تقوم بتسوية الأمور قبل الانتخابات”.

 يتفق خبراء في القانون الأمريكي على أن المكالمة وحدها كافية لتقديم ترامب للمحاكمة. تهديدات بروح المافيا – “تملكون ولاية جميلة، ومن المؤسف أن يحدث لها شيء سيئ” – مثل هذه الأقوال قادت سياسيين إلى السجن في السابق. مع ذلك، من السابق لأوانه معرفة كيف ستتصرف سلطات القانون إزاء الرئيس ترامب في اللحظة التي سيعود فيها ليكون المواطن العادي دونالد. أصبح هذا مرتبطاً بروح القائد التي سيتصرف بحسبها بايدن في الساحة الفيدرالية، ومرتبط بطموحات مدعين عامين محليين في دول مثل جورجيا. في لجنة الانتخابات في جورجيا التي يسيطر عليها الحزب الجمهوري المحلي، لم يفوتوا أي لحظة. فقد طلبوا من ريفنسبيرغر فتح تحقيق ضد ترامب. وقال عضو الكونغرس الديمقراطي جيري ندلر، الذي شغل منصب المدعي العام في محاكمة عزل الرئيس قبل سنة، إن الطلب والتهديد “يمكن أن يدلّا على مسؤولية جنائية من جانب الرئيس”.

وعلى مستوى الحكام المحليين، أظهر جمهوريون مثل ريفنسبيرغر وكامب، بأن إخلاصهم لسلطة القانون أكبر من إخلاصهم للحزب – الكثير من زملائهم في واشنطن العاصمة يواصلون تشجيع ترامب. 12 سناتوراً و140 عضواً في البرلمان أعلنوا بأنهم سيعبرون عن معارضة رمزية للعملية الرسمية من أجل المصادقة على تصويت المجمع الانتخابي، في التصويت الذي سيتم إجراؤه غداً في جلسة مشتركة لمجلس الشيوخ ومجلس النواب. ما زالت هذه المجموعة أقلية حتى في أوساط الجمهوريين، لكنها كبيرة بما فيه الكفاية لتدل على انقسام سيزداد حدة داخل الحزب.

في هذه الأثناء، ستفضل الأغلبية الجمهورية الصمت على تسجيل المحادثة بين ترامب وريفنسبيرغر وجيرماني. ولهم حدود، بعد أربع سنوات على حكم ترامب التي اعتاد فيها الأمريكيون على وابل من التغريدات والفضائح، ومن ديمقراطية تتآكل، هذا التسجيل قدم تذكيراً مهماً. ترامب رئيس غير طبيعي، لم يتردد في كسر أي معيار ديمقراطي من أجل البقاء في السلطة.

بقلمنتنئيل شلوموبيتس

 هآرتس 5/1/2021

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية