بعد ثماني سنوات عجاف في الشرق الأوسط كيف يبدو الربيع كاذباً في السودان والجزائر؟

حجم الخط
2

حين صعد بشار الأسد إلى الحكم في حزيران 2000، وجد نفسه أمام «ربيع دمشق» ـ موجات احتجاج ومطالب جماهيرية. فألقى بشار في حينه المتظاهرين والمحتجين إلى السجن (لم تكن بعد حاجة لتصفيتهم مثلما سيفعل بعد عقد). وقد تكبد عناء الشرح بأن «الربيع» ليس الفصل المفضل له، لأنه لا يوجد ربيع في الشرق الأوسط، بل انتقال مباشر من الشتاء إلى الصيف.
بعد عقد من ذلك اعتقد الكثيرون بأن الرئيس السوري أخطأ: موجات الاحتجاج التي اجتاحت الكثير من الدول العربية وأسقطت الأنظمة التي اعتبرت في حينه منيعة ومحصنة من كل ضر. وسارع الكل إلى الاحتفال بـ «الربيع العربي» الذي سيحول منطقتنا إلى مجال متطور، مزدهر ومتفتح، وبالأساس ديمقراطي. غير أنه سرعان ما تبين أن الربيع العربي تحول إلى شتاء إسلامي بعد أن استولت الحركات الإسلامية، بعضها راديكالية، على الحكم في عدة دول عربية. مهما يكن من أمر، فإن نهاية القصة معروفة. في بعض الدول، مثل مصر وتونس، أعيد الدولاب إلى الوراء. وعادت إلى النقطة التي وجدت فيها قبل اندلاع الربيع، وكأنه لم تقع فيها ثورة على الإطلاق. في دول أخرى، مثل اليمن أو ليبيا، انهارت الدولة ونشبت حرب أهلية مضرجة بالدماء استمرت حتى اليوم.
والآن، بتأخير ثماني سنوات، يدق «ربيع عربي» كاذب كسابقه أبواب تلك الدول العربية التي تجاوزها، وعلى رأسها الجزائر والسودان. في الجزائر خرج عشرات الآلاف إلى الشوارع احتجاجاً على نية الرئيس الحالي، عبد العزيز بوتفليقة، التنافس في نيسان في الانتخابات القريبة القادمة للرئاسة، لينتخب لولاية خامسة. بوتفليقة ابن الـ 82 رئيس مريض ومنقطع عن الواقع، يقضي قسماً من وقته خارج الجزائر لغرض العلاجات الطبية منذ تعرض لجلطة دماغية قبل ست سنوات. حين صعد إلى الحكم في 1999، كان يعتبر مخلصاً: فقد خرجت الجزائر في ذاك الوقت من حرب أهلية مضرجة بالدماء بين الجيش والنخب في الدولة وبين الحركة الإسلامية. ومع أن هذه الأخيرة فازت في انتخابات ديمقراطية، إلا أنها أطيحت عن الحكم من قبل الجيش ومؤيديه، مثل الثورة التي قادها الجنرال السيسي في مصر. غير أنه منذئذ مرت سنوات، والجيش الشاب يطالب بالتغيير.
في السودان أيضاً نشب قبل نحو شهرين احتجاج الخبز في أعقاب رفع الحكومة الأسعار. خرج الآلاف إلى الشوارع واصطدموا بقوات الأمن. وحتى الآن سجل عشرات القتلى. ولكن الاحتجاج يستمر ويتركز في الدعوة لإسقاط الحاكم، عمر البشير ابن الـ 75، الذي يحكم الدولة منذ 30 سنة. وكما هو معروف، فقد صدرت ضده أمر اعتقال عن المحكمة الدولية في لاهاي على جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية ارتكبها جيشه في دارفور.
حتى الآن تبدو الأحداث في السودان وفي الجزائر كبث معاد للربيع العربي، ويحتمل أن يضطر بوتفليقة وبشير بالفعل إلى ترك كرسي الحكم. ولكن منذ الآن يمكن أن نقدر كيف ستبدو هاتان الدولتان في اليوم التالي: يشبه على نحو عجيب ما حصل في مصر أو في تونس، وبالتأكيد لا يبشر ببداية فجر ديمقراطي جديد.
في نهاية المطاف، فإن القاسم المشترك بين الحكام الذين أسقطوا في ثورات الربيع العربي كان عمرهم الكبير وحقيقة أنهم لم يجدوا القوة والحلفاء من داخل المنظومة كي يتمسكوا بالحكم ويقاتلوا في سبيله. هذا هو الفرق بين مبارك المصري وبن عليّ التونسي ابني الـ 83 (حين اندلعت الثورة في بلديهما)، وبين بشار الأسد ابن الـ 45. ولكن ما إن انصرف الحاكمان حتى عادت أجهزة الحكم، وعلى رأسها الجيش والنخب، للحكم في الدولة.
الشرق الأوسط ليس ناضجاً للديمقراطية بعد. في عيون الكثير من سكانه، فإن الحق في لقمة الخبز، ومكان السكن، ومصدر الرزق والأمن في وجه الإرهاب يسبق في سلم الأولويات الشخصي والوطني الحق في التعبير، الحرية والديمقراطية. وبالفعل فإن الضائقة الاقتصادية في المنطقة آخذة في التفاقم، وابناء الجيش الشاب يفقدون كل أمل بمستقبل أفضل. لهذا السبب سيتواصل الاحتجاج والتمرد في الاعتمال تحت السطح كجمرات متلظية، تهدد بالاشتعال في كل مرة يبدي فيها الحاكم ضعفاً أو وهناً. ولكن يخيل أن هذا الاحتجاج لن يؤدي بالمنتخب إلى الأمام، بل يعيدها إلى الوراء.

ايال زيسر
إسرائيل اليوم 10/3/2019

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية