بعد خمسة عشر عاما علي أحداث شعبان المأساوية: حقيقة ما جري في آذار 1991: إنتفاضة كانت أم غوغاء ؟

حجم الخط
0

بعد خمسة عشر عاما علي أحداث شعبان المأساوية: حقيقة ما جري في آذار 1991: إنتفاضة كانت أم غوغاء ؟

د. عادل البياتيبعد خمسة عشر عاما علي أحداث شعبان المأساوية: حقيقة ما جري في آذار 1991: إنتفاضة كانت أم غوغاء ؟في البدء اقول ان هذه المقالة لم تكتب من أجل الدفاع عن تصرفات النظام السابق، لأن أمر ذلك النظام ورموزه صار موكولاً للتاريخ، لكنها محاولة تحليلية إستذكارية وسرد موضوعي لحقائق وقائع ما جري فعلا في شعبان 1991 عقب الإنهيار العسكري العراقي الفظيع في حرب الخليج الثانية وفوضي الإنسحاب من الكويت، ولأنه ما زال كثيرون من أبناء أمتنا العربية لا يعرفون بالضبط حقيقة ما جري في شعبان (مارس،آذار) عام 1991 في مدن العراق الجنوبية والشمالية، عقب انتهاء ما سميت بـ (حرب تحرير الكويت) والإنسحاب (غير النظامي) لقطعات الجيش العراقي من الكويت باتجاه بغداد، وتبييت إيران وأعوانها للنوايا السيئة في استغلال الحالة العراقية المنهارة، وضعف إن لم نقل إنهيار أداء الاجهزة الحكومية وغياب الاعلام، وفقدان السيطرة الأمنية والحكومية علي أجزاء كبيرة من العراق، إذ ثبت بما لا يقبل الشك أن إيران قامت بدفع عناصرأجهزتها الإستخبارية وحرسها الثوري وعملائها إلي داخل مدن العراق الجنوبية، والفرات الأوسط، وكذلك عاونت في تحريك ميليشيات الكرد (البيشمركة) في محافظات شمال العراق الثلاث ومعها كركوك للسيطرة علي الأوضاع فيها، مما أدي إلي انفلات الأمور وسيطرة (جموع الدهماء) علي الوضع في محافظات (البصرة والناصرية وميسان والسماوة والديوانية والنجف والكوت وكربلاء وبابل، إضافة إلي أربيل ودهوك والسليمانية وأخيرا كركوك) واستمرت أعمال الفوضي والقتل والتدمير في تلك المحافظات لمدد مختلفة، فمنها ما دام التمرد فيها أياما قليلة كالبصرة والناصرية (ثلاثة أيام)، ومنها ما دام أكثر من (أسبوعين) كالنجف وكربلاء.. بعد 15 عاما: ما حقيقة ما جري؟ بعد 15 عاما من تلك الأحداث التي لم تخضع لكثير من التحليل والتفسير التاريخي، لا قبل سقوط النظام ولا بعده، إلا في حالات محدودة جدا، فلا بد من مراجعة حقيقية منصفة لحقيقة ما جري في العراق في آذار (شعبان) 1991 عقب حرب الخليج الثانية. لأنه ما زالت قوي كثيرة من القوي المسيطرة علي المشهد العراقي اليوم تتكئ علي تلك الأحداث باعتبارها (إنتفاضة) شعبية شاملة، أسهمت فيها الأحزاب الشيعية الموالية لإيران، وكان القمع القاسي الحكومي لأحداث شعبان واحدة من التهم الموجهة للنظام السابق نتيجة مقتل الآلاف من المشاركين في التمرد وكذلك ضحاياه من المواطنين والموظفين الحكوميين والبعثيين. المعلوم أن حرب الخليج الثانية إنتهت في 26/27 شباط (فبراير) بانسحاب (غير منظم) بل كان (شبه فوضوي) للقطعات العسكرية العراقية ومعها قطعات الشرطة والأجهزة الأمنية والجيش الشعبي، وتعرضت القطعات المنسحبة إلي استهداف بالطائرات الحربية خلافا لاتفاق وقف إطلاق النار، وللأسف كان طياروها من العرب، الذين أمعنوا في إيذاء وتدمير القطعات المنسحبة وإحراق العربات الناقلة بمن فيها ومن نجا عاد إلي البصرة والي بغداد مشيا علي الأقدام (!!).. وكانت الجسور علي شط العرب والفرات ودجلة مدمرة بالكامل، واستغرقت رحلة المعاناة لبعض العسكريين في العودة يومين أو أكثر مرورا بمحافظات البصرة والناصرية والعمارة.. باتجاه العاصمة.. وكان كثير من الجنود الجوعي يبيعون سلاحهم وعتادهم بقليل من التمر أو الأكل علي طول الطريق.. واستغلت بعض القوي المدعومة من إيران هذه الحالة في الحصول علي قطع سلاح من الجيش المنسحب بالشراء أو بالقوة. الدور الإيراني في أحداث شعبان: كان لإيران من خلال مخابراتها وحرسها الثوري ومن خلال عملائها من العراقيين الموجودين في إيران (من بدر وغيرها)، دور بارز في توجيه وتخطيط أحداث شعبان، وللعلم فإن الدور الإيراني كان قد ابتدأ فعلا في التخطيط إعتبارا من يوم 2/8/1990 بدخول القوات العراقية الي الكويت الذي قرأت فيه القيادة الإيرانية فرصة جيدة للتحرك باتجاه تدمير العراق والإنتقام منه، فتظاهرت في البدء بالحياد، وعدم تدخلها في الشأن العراقي، لكنها في الحقيقة بدأت تبيّت النوايا السيئة، وكان النظام العراقي في أوج تورطه بقضية احتلال الكويت، يعيش فورة (الأحلام الزائفة) بعهد وديّ جديد من العلاقات الطيبة من الجارة الشقيقة (إيران) متناسين حقائق التأريخ، ونتذكر كيف جازف النظام بإيداع طائراته الحربية والمدنية في إيران كوديعة (أمانة) لدي جار مسلم (!!) حفاظا عليها من قصف الحلفاء، لكن إيران كانت تتطلع بشغف إلي هجوم التحالف الدولي بقيادة امريكا علي العراق للتخلص من (العدو الأبدي الذي أذاقها الويل في حرب الثماني سنوات)، وإسقاط نظام بغداد، وحين بدأت حرب الخليج الثانية في 17/1/1990 إستغلت إيران ذريعة إرسال قوافل التموين والمساعدات (الإنسانية!!) الغذائية المرسلة من قبل الشعب الايراني الي الشعب العراقي، فكانت شاحنات الرز والدقيق تدخل عبر الحدود العراقية باتجاه المحافظات الجنوبية والفرات الأوسط وهي محملة بالأسلحة والخناجر والمتفجرات تحت أكياس المؤن.. ولم تكن تتعرض تلك الشاحنات الي أي إيقاف أو تفتيش لأنها (مساعدات إسلامية!!) من جار عزيز ومخلص؟؟ لقد كان من اكبر اخطاء النظام العراقي تلك الثقة العمياء بالجانب الايراني من خلال ارسال الطائرات العراقية وترك الحدود سائبة للشاحنات لتنقل ما سميت امدادات الغذاء للشعب العراقي دون تفتيش.. العوامل التي أسهمت في سقوط المحافظات بأيدي الغوغاء: كان هناك جملة من العوامل التي أسهمت في سقوط المحافظات منها:1 ـ الحالة المعنوية العامة المنهارة عقب (إخراج) القوات العراقية من الكويت بشكل فوضوي غير منظم.2 ـ غياب تام للاعلام (وبخاصة الإذاعة والتلفزيون) الذي كان أقوي رأسمال لدي النظام في صلته بالناس، نتيجة قطع الكهرباء وتدمير جميع محطات ومعيدات البث في كل أنحاء العراق، فضلا عن تدمير مباني الإذاعة والتلفزيون، وسمح ذلك للبث الإذاعي والتلفازي الإيراني أن يسيطر علي معظم محافظات العراق (وبضمنها بغداد) ويكون هو مصدر المعلومات الوحيد، مع باقي المحطات المعادية للعراق التي كانت تبث دعايات عن سقوط وانهيار النظام، واحتمال هرب الرئيس صدام إلي روسيا، وغيرها من الإشاعات التي أسهمت في خلخلة ثقة الناس بالسلطة وقوتها.3 ـ هذا القطع الإعلامي، مع نشر إشاعات مختلقة، في اطار حرب الدعاية النفسية جعلت الكثير من العراقيين في المحافظات الساقطة يعتقدون أن نظام بغداد قد انهار بالكامل وأن صدام هرب إلي الخارج.4 ـ الدعم الإيراني (الذي تحدثنا عنه) وإدخال آلاف قطع السلاح والتفجيرات إضافة إلي الدعم البشري بعناصر من العراقيين المقيمين في ايران والمجندين من قبل سلطات النظام الإيراني.5 ـ خضوع عموم الناس الي نظرية (السلوك الجمعي) والإنقياد الطوعي لمثيري الفتنة من خلال تشجيع الناس علي مهاجمة الدوائر الحكومية وسرقة ما فيها من مواد ومخزونات وأثاث، وتخوف الناس (العوام) من غدر المسلحين القادمين من إيران الذين هددوا الناس بالقتل إن لم يشتركوا فيما سميت بالإنتفاضة!!من هم وقود الفتنةأول أهداف الدهماء كان مهاجمة المواقف أو مواقف المجرمين (الموقف والتسفيرات) في كل محافظة وقاموا بإطلاق سراح المئات من المجرمين والموقوفين رهن المحاكمة، وهم الذين كانوا عنصراً فاعلا في القيام بالعمليات الإجرامية، سواء بالقتل والسرقات وأعمال الإنتقام. ومن المعلوم أن عددا كبيرا من عناصر حزب البعث كانوا مشاركين ضمن (الجيش الشعبي) في الكويت، وكانت حراسات الشرطة واهنة، لذلك كان سقوط عدد كبير من مراكز الشرطة والأمن والدوائر الحكومية بيد الدهماء.أبرز أحداث الفتنة: كانت البصرة هي المدينة الأولي التي سقطت، في التاسع والعشرين من آذار (مارس)، لكن التمرد لم يدم طويلا، ومن المفارقات أن مدينة البصرة سقطت، لكن مقر القيادة العسكرية في منطقة مقر الفيلق لم يسقط، وكان (علي حسين المجيد) عضو قيادة الحزب والمشرف علي البصرة، موجودا في الفيلق، ومن هناك كان يدير عملية التخطيط لتطهير البصرة من المتمردين، وفعلا كانت البصرة من أوائل المحافظات التي تم القضاء علي التمرد فيها خلال أيام. وكانت الناصرية (محافظة ذي قار) هي المحافظة الثانية التي سقطت في اليوم التالي لسقوط البصرة، واستمر التمرد فيها حوالي 6 أيام. وكذا العمارة، ولكن أطول المحافظات الجنوبية تمردا كانت (النجف) و(كربلاء) بسبب احتماء عناصر التمرد داخل الأضرحة الدينية المحكمة وكونهما مركزا رئيسا للتمرد. أما الديوانية فاستمر التمرد فيها (4) أيام، أما (الكوت) أو مركز محافظة واسط فلم تسقط نهائيا، بل شهدت مصادمات عنيفة وتمكنت قوات الجيش والشرطة والمخابرات والحزب من إفشال التمرد. ولم يستمر التمرد في مدينة الكوت أكثر من يوم واحد. هل كانت فعلا (إنتفاضة) تحريرية أم فتنة طائفية؟إن محاولات إضفاء صفة (الإنتفاضة) علي أحداث آذار/ شعبان 1991 تصطدم بالحقائق علي الأرض التي تؤكد:1 ـ وجود النفس الطائفي، والتحريض الإيراني الذي وصل حد التسليح والتجهيز والإمداد، والمعاونة الإعلامية في ترويج الدعايات.2 ـ قيام أفعال النهب والسلب للمقار الحكومية.3 ـ مهاجمة المساجد، وحرقها، وقتل أئمتها، وتحويل (الحسينيات) إلي مقار للتمرد ومحاكمة موظفي الحكومة ومنتسبي حزب البعث وإعدامهم.4 ـ توجه الغوغاء نحو السجون والمواقف وإطلاق سراح المجرمين والمحتجزين وإشراكهم في أعمال القتل والنهب والسلب.5 ـ القيام بأعمال إنتقام سياسي وطائفي وعرقي كما حصل في معظم محافظات التمرد، ومنها الناصرية التي تم إعدام المحافظ ومدير الشرطة ومدير الأمن بعد تعذيبهم وسحلهم في الشوارع.6 ـ كانت كاميرات التلفزيون الإيراني هي الوحيدة المتواجدة في محافظات التمرد، والتي كانت تنقل الأحداث يوميا وكان العراقيون يتابعون الأخبار من خلال قنوات التلفزيون الإيراني.تحويل مرقد الإمام علي ساحةً لتنفيذ الإعدامات بعد التعذيب: تم تحويل المراقد الدينية في كل من النجف وكربلاء إلي مقرات لقيادة التمرد، وتشكيل حكم محلي يقود التمرد، وقد شاهدت بأم عيني كيف تم تحويل مرقدي الامام علي والحسين عليهما السلام إلي ساحات للمحاكمة وتنفيذ أحكام الإعدام بحق الموظفين البعثيين، ورجال الشرطة والأمن، وحدثني أحد الناجين من الإعدام في مرقد الإمام علي بالنجف، كيف تم إعدام أعداد من المقبوض عليهم ممن قاوموا التمرد ومن الحزبيين، إذ تم طعنهم بالخناجر والسيوف إمعاناً في تعذيبهم ومعظمهم كانوا من المصابين بجروح نتيجة المقاومة، ومن بينهم هارون (مدير شرطة النجف) ومعاونه الكردي (سردار) اللذان تعرضا للتعذيب بالأسلحة الجارحة وبعد أن نزفوا دما كثيرا تم إطلاق النار عليهم داخل مرقد الإمام علي. ونفس الحال جري مع أحد الشعراء الشعبيين المعروفين في النجف والحلة حيث تم تعذيبه وقطع لسانه ومن ثم إطلاق النار عليه. وأتيحت لي فرصة زيارة مكتبة الإمام علي في النجف (المسماة دار الحكمة) ووجدت برك الدماء تصل إلي الركب من كثرة الإعدامات التي أجريت في هذه المكتبة.كركوك آخر المدن التي سقطت وآخرها تحريراً كانت مدينة كركوك آخر مدن العراق التي سقطت بيد المتمردين، إذ سقطت يوم 22 آذار (مارس) 1991 لكن تم تحريرها من قبل قطعات الجيش العراقي في 29 آذار أي بعد اسبوع من سقوطها. كما تم تحرير السليمانية وأربيل ودهوك. إلا أن قطعات الجيش والحكومة إنسحبت بأمر من القيادة العراقية من محافظات الحكم الذاتي الثلاث أعلاه، بعد ان تدخلت القوات الأمريكية في منع الجيش العراقي من استخدام الأسلحة والطيران ضد المحافظات الكردية الثلاث، وتم استلام مسؤولية حكم المحافظات الثلاث من قبل الحزبين الرئيسيين الكرديين، حزب الطالباني (الإتحاد) في السليمانية، وحزب (البارزاني) الديمقراطي الكردستاني في أربيل ودهوك.تحرير المحافظات وقصة المقابر الجماعية: إستطاعت الحكومة المركزية في بغداد الإسراع في إعادة تنظيم وتسليح قوات الحرس الجمهوري التي تحركت لتحرير المحافظات الساقطة وإعادتها إلي سيطرة الدولة، وكانت أسرع المحافظات في التطهير هي البصرة والناصرية والعمارة والسماوة، وكانت أطولها تمردا النجف وكربلاء ومن ثم كركوك. ولقد ادت أعمال الشغب والقتل والإنتقام إلي (مقتل المئات بل الألوف) في مدن التمرد، سواء ممن قتلتهم قوات التمرد، أم من قتلتهم قوات الحرس الجمهوري أثناء عمليات التطهير، من المتمردين أو المخدوعين بالتمرد أو من أجبرتهم قوات التمرد علي الإلتحاق بها. وتم إنشاء محاكم ولجان تحقيق في المحافظات المحررة قامت بإجراء التحقيقات الفورية وتنفيذ أحكام الاعدام بالمشاركين في القتل وأعمال الإنتقام.أسوأ أيام العراق المعاصر: إن أحداث شعبان (آذار) 1991 المأساوية كانت محنة بمعني الكلمة مر بها العراق بعد محنة حرب الخليج الثانية التي أنهكت العراق واستنزفت قواه العسكرية والتعبوية والمالية، وذهب ضحيتها عشرات الألوف من العراقيين، سواء ممن شاركوا تحت التأثير الإيراني في أعمال التمرد، أو ممن أجبروا علي المشاركة إنقاذا لحياتهم، أو من الموظفين الأبرياء والحزبيين الذين تم تنفيذ أعمال الثأر ضدهم من قبل قوي التمرد، إرضاءً لشهوة الإنتقام والثأر وتنفيذا لأجندات وأوامر الجهات التي دفعتهم وغررت بهم للإشتراك في أعمال إجرامية يعدها القانون من أفعال الجريمة التي تستحق العقاب الصارم.. وكانت النتيجة هي سقوط الضحايا والخسائر.. وما زال العراقيون يذكرون تلك الأيام كأسوأ أيام مرت علي تاريخ العراق المعاصر.ہ كاتب أكاديمي من العراق8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية