إسطنبول – رويترز: بعد انقضاء خمس سنوات على الانقلاب الفاشل على الرئيس رجب طيب اردوغان، ربما تتوقف فرصه في تمديد حكمه لعقد ثالث على ما إذا كان في إمكانه أن يحول مسار التراجع الاقتصادي الذي أدى إلى تراجع مظاهر الرخاء والمساواة والتوظيف في تركيا منذ عام 2013.
يواجه اردوغان انتخابات في عام 2023 توافق ذكرى مرور 100 عام على قيام الجمهورية التركية. وتشير استطلاعات الرأي إلى أن التأييد الشعبي له تراجع في أعقاب أزمة العملة (الليرة) وركود اقتصادي حاد، وجائحة فيروس كورونا في السنوات الثلاث الأخيرة.
وتظهر بعض الاستطلاعات أن الإئتلاف الحاكم يتخلف عن تحالف غير رسمي للمعارضة رغم استمرار شعبية حزب العدالة والتنمية الحاكم الذي يتزعمه اردوغان وتمتعه بقاعدة قوية وسط المحافظين في الريف والطبقة العاملة.
وفي العام الحالي عاود النمو الاقتصادي صعوده، بعد أن أصبحت تركيا واحدة من بضع دول تتفادى الانكماش في 2020. غير أن ما حدث من ضرر في السنوات الأخيرة تضمن العودة إلى تضخم يبلغ 20 في المئة أو أكثر في أسعار السلع الغذائية وغيرها من السلع الأساسية.
وقال دوغلاس وينسلو، مدير قسم التصنيفات السيادية الأوروبية في وكالة “فيتش” للتصنيف الإئتماني “إذا نظرت إلى مستويات شعبية الرئيس اردوغان في استطلاعات الرأي مع المشهد الاقتصادي الصعب، فمن الصعب جدا تصور أن تتهيأ الظروف خلال الاثني عشر شهراً المقبلة بما يجعلهم يعتقدون أن الانتخابات تبدو في صالحهم”.
ويقدر البنك الدولي أن أكثر من 1.5 مليون تركي تراجعوا إلى ما دون حد الفقر في العام الماضي.
ويوضح “مؤشر جيني” لتوزيع الدخل والثروة أن التفاوت ازداد منذ 2011 وتسارعت وتيرته منذ 2013، فمحا المكاسب الكبيرة التي تحققت في الفترة من 2006 إلى 2011 خلال العقد الأول من تولي اردوغان السلطة.
عقد الرخاء
في 2002 فاز حزب العدالة والتنمية الوليد الذي أسسه اردوغان، أطول زعماء تركيا الحديثة بقاء في الحكم، بالسلطة في أعقاب أسوأ كساد تشهده البلاد منذ السبعينيات، وذلك بناء على وعود بالتخلص من سوء الإدارة والركود الذي طالما أحبط الأتراك المتطلعين لحياة أفضل.
واستغل اردوغان الذي كان رئيسا للوزراء آنذاك الانتعاش الاقتصادي وتحولاً دبلوماسياً نحو الغرب في تحقيق الرخاء على مدار عشر سنوات.
وتراجع الفقر والبطالة بشدة. ولامس التضخم خمسة في المئة بعد أن كان في خانة المئات قبل عشر سنوات، مما عزز إقبال الأتراك والأجانب على الليرة التركية.
وهكذا بدا أن اردوغان محصن. ولكن الأمور بدأت تتغير في 2013 عندما اجتاحت تركيا احتجاجات مناهضة للحكومة لم يسبق لها مثيل، وشهدت الأسواق الناشئة على مستوى العالم نزوحا ماليا مؤلماً مع اكتساب الاقتصادات الأكبر زخماً.
يوضح تحليل أجرته رويترز أن ذلك العام كان بمثابة نقطة تحول في نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي والبطالة وغيرها من مقاييس الرفاهية الاقتصادية.
وتبين إحصاءات رسمية لحيازات السندات ومؤسسة “تركي داتا مونيتور” أن العام 2013 شهد أيضا ذروة الاستثمارات الأجنبية. لكن منذ ذلك الحين تراجعت قيمة الليرة التركية مما أضعف القدرة الشرائية لدى الأتراك.
صدم اردوغان كثيرين عندما قمعت حكومته احتجاجات عام 2013 التي بدأت في متنزه جيزي في إسطنبول.
وقال أتيس التنوردو، أستاذ علم الاجتماع المساعد في جامعة صابانجي، أن حملة القمع “بلورت صورة حزب العدالة والتنمية باعتباره المؤسسة الجديدة وأوضحت أن المد الشعبي بدأ ينقلب عليه”.
ثم أفضت محاولة الانقلاب التي وقعت في 15 يوليو/تموز عام 2016 إلى فرض حالة طوارئ بإجراءات قاسية يقول المحللون أنها كانت السبب في مزيد من الانكماش في الرفاهية الاقتصادية.
وقال التنوردو “منذ 2013 اتجه حزب العدالة والتنمية واردوغان لتعزيز النزعة الاستبدادية التي يحتمل أن تكون قد أضرت بالاقتصاد بوسائل مختلفة”.
وأضاف “دخلوا منحىً أكثر انعزالاً ومركزية في صنع القرار مع مساحة أقل من الحرية الإعلامية. ولذا ينتهي بك الحال على الأرجح إلى ارتكاب مزيد من الأخطاء في السياسات وتفقد قدرتك على الاستجابة ثم إن هناك مساحة أكبر كثيرا للفساد”.
قاعدة الناخبين
لا تزال مقاييس رئيسية أخرى مثل الرعاية الصحية في وضع متين بعد أن تحسنت بدرجة كبيرة منذ تولي اردوغان السلطة في 2003.
ومع تراجع التقشف الذي فُرض بموجب برنامج مع “صندوق النقد الدولي” في العامين 2001 و2002 احتضن اردوغان سياسات السوق الحرة اللازمة للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي وكان ذلك من الأهداف الرئيسية لحزب العدالة والتنمية آنذاك.
وكان للأزمة المالية العالمية في 2008-2009 تأثيرها السلبي على تركيا، لكنها جلبت أيضا إقبالا من المستثمرين الباحثين عن العائد في الأسواق الناشئة.
وساعد رخص القروض الخارجية في تحقيق طفرة اقتصادية غذاها قطاع البناء، الأمر الذي ساهم في فوز حزب العدالة والتنمية في الانتخابات العامة ثماني مرات متتالية.
وكتب سونر كاجابتاي في تقرير لـ”معهد واشنطن” يقول أن اردوغان لديه “قاعدة من الأنصار الأوفياء والمعجبين (لأن) المواطنين يتمتعون بمستويات معيشة أفضل بدرجة كبيرة مما كان عليه الوضع في ظل الكماليين طوال معظم القرن العشرين”، في إشارة إلى أنصار مصطفى كمال أتاتورك مؤسس تركيا الحديثة.
وأشار إلى أن معدل وفيات المواليد قبل تولي اردوغان السلطة كان يشبه معدلها في سوريا قبل الحرب وأصبح الآن شبيها بالمعدل في إسبانيا.
غير أن مقاييس أخرى للرفاهية بدأت تضعف في 2013 عندما أدى تلميح مجلس الاحتياطي الاتحادي (البنك المركزي الأمريكي) إلى أنه قد يبدأ إلغاء التدابير التحفيزية إلى سحب أموال من الأسواق الناشئة.
واشتدت حدة التوتر السياسي بعد ذلك عندما اتجه اردوغان إلى حلفائه القوميين ثم انتصر في استفتاء على تبني النظام الرئاسي الذي ركز السلطة في قصره.
ورحل بعض المسؤولين الاقتصاديين الرئيسيين عن حزب العدالة والتنمية اعتراضاً على ما اعتبروه اغتصاباً للسلطات.
ويقول المحللون أن شروخاً بدأت تظهر حينذاك في سياسات الحزب ومنها الضغط على البنك المركزي لخفض أسعار الفائدة رغم وقوع الليرة في أزمة عام 2018.
وفقدت العملة 75 في المئة من قيمتها مقابل الدولار منذ 2013. وحدث الانخفاض بأكثر من النصف في السنوات الثلاث الأخيرة. ويختار كثيرون من الأتراك الآن الاحتفاظ بثرواتهم بالعملات الأجنبية.
وقال كبير الاقتصاديين الإقليميين في “البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية”، روجر كيل “على الصعيد الاقتصادي فمنذ 2013 ثمة إحساس بأن تركيا والغرب يتباعدان”. وأضاف “نعم شهدنا تدهورا منذ 2013 لكن علينا أن ننظر إليه في سياق الخطوات الإيجابية التي حدثت قبل ذلك”.