لندن ـ «القدس العربي»: شكل موقف غالبية الدول العربية مفاجأة كبرى في الحرب التي تشنها روسيا ضد أوكرانيا، فقد امتنعت عن التنديد بموسكو باستثناء دول قليلة مثل الكويت وليبيا ولبنان. ويرتبط هذا الموقف بالرؤية الجديدة للدول العربية بما فيها الموالية للغرب إلى الدور الجديد لروسيا وكذلك الصين في الساحة العالمية الآن ومستقبلا. في الوقت ذاته، يمكن تفسيره بالعروض التي يقدمها الكرملين إلى الحكام العرب منذ سنوات ويبدو أنها بدأت تجد صدى بعد خيبات الأمل في السياسة الأمريكية وخاصة في شقها العسكري.
ويشكل امتناع دولة مثل الجزائر عن إدانة الحرب الروسية ضد أوكرانيا أمرا عاديا للغاية بحكم العلاقات الاستراتيجية بين البلدين، لكن أن يصدر الموقف نفسه عن أنظمة ملكية مقربة من الغرب خلال العقود الأخيرة مثل الإمارات العربية والعربية السعودية والمغرب فهذا أمر مختلف وجديد نسبيا.
موقف القرم يتكرر
بوعي في أوكرانيا
وقد لا يشكل الموقف العربي في غالبيته مفاجأة حقيقية في الملف الأوكراني الحالي. ففي سنة 2014 قامت روسيا بضم جزيرة القرم الأوكرانية إلى أراضيها ولكن هذه المرة عبر آلية الاستفتاء وليس الحرب، وامتنعت معظم الدول العربية عن التنديد بالقرار الروسي وقتها. في حين تحفظت أخرى نسبيا على القرار ولكن بدون إدانة. وتبنت الدول العربية الموقف رغم الضغوط الأمريكية والغربية للتنديد بالسيطرة على القرم.
ويبدو أن الدول العربية مثل بعض الدول الأفريقية والآسيوية وكذلك في أمريكا اللاتينية ترغب في البقاء بعيدا عن هذا النزاع الحالي الذي يهم الكبار ويمس دولة مثل روسيا قادرة على خلق مشاكل عسكرية للعديد من الدول مثلما يجري في أفريقيا عبر ميليشيات فاغنر. ومن ضمن الأمثلة، قال الجنرال ستيفن تاونسند، قائد القوات الأمريكية الأفريقية «أفريكوم» منذ أيام أمام الكونغرس «لقد كان مزعجا بالنسبة لي أن نصف القارة الأفريقية لم يصوت لإدانة الكرملين لغزو أوكرانيا في تصويت الأمم المتحدة يوم 2 مارس». وينسب هذا الجنرال امتناع بعض الدول الأفريقية أو تغيبها عن التصويت- خاصة الدول وسط القارة مثل مالي وأفريقيا الوسطى- إلى التأثير المزدوج الذي تمارسه روسيا عبر ميليشيات فاغنر، التي تؤيد الأنظمة الدكتاتورية في القارة، علاوة على التأثير الاقتصادي عبر رجال أعمال روسيين أسماهم «الأوليغارشيين» وكذلك التأثير الصيني.
ومن زاوية مكملة، يبدو أن الدول العربية أدركت أن الحرب الروسية-الأوكرانية تشكل منعطفا تاريخيا له انعكاسات حاليا على الوضع الدولي وستكون طويلة المدى، وعليه يستحسن التريث قبل الرهان في اتخاذ القرارات. ومما يزيد من هذا الاقتناع هو الموقف الصيني المتضامن ضمنيا مع روسيا.
في الوقت ذاته، تدرك الدول العربية وخاصة الشرق الأوسط أن معاداة روسيا في هذا الظرف قد يترتب عنه استفزاز الكرملين والدفع به إلى تقوية موسكو للدول الكبرى في الشرق الأوسط التي بدأت تهمين على مساره وهي إيران وتركيا. ويضاف إلى هذا احتمال لعب روسيا دورا نشطا أكبر في حرب اليمن عبر إيران أو التعامل مباشرة مع الحوثيين. ومن ضمن الأسباب الأخرى خيبة الأمل العربية في واشنطن بسبب عدم وفائها بالتزاماتها السياسية والعسكرية تجاه الأنظمة الملكية مثل المغرب والعربية السعودية والإمارات في النزاعات والقضايا التي تعد حيوية في أجندتها الوطنية، مثل مبيعات الأسلحة التي أقدم البيت الأبيض على تجميدها. فقد منعت واشنطن أسلحة متطورة عن السعودية رغم ورطة الأخيرة في الحرب في اليمن.
روسيا تعرض الدفاع عن العرب
وارتباطا بهذه النقطة، هناك عامل آخر مغري تعرضه روسيا على الدول العربية التي أصيبت بخيبة أمل من تصرفات الغرب وأساسا الولايات المتحدة وتتخوف على وحدتها الترابية. ويتجلى هذا العامل المغري في أن كل دولة تتحالف مع روسيا ستوفر لها موسكو الحماية العسكرية أمام الاعتداءات الخارجية التي قد تتعرض لها بما فيها توظيف السلاح النووي الروسي للدفاع عنها. وجاء العرض الروسي عبر مرحلتين:
المرحلة الأولى: خلال سنوات الربيع العربي عندما سقطت الأنظمة الجمهورية وكادت الاحتجاجات تسقط بعض الأنظمة الملكية، في تلك المرحلة وبالتزامن مع الموقف العربي غير المندد بضم موسكو للقرم، وجه الرئيس فلاديمير بوتين رسالة إلى القمة العربية التي احتضنتها الكويت يوم 25 اذار/مارس 2014 مبرزا «أن روسيا مستعدة لتعزيز الشراكة مع جامعة الدول العربية من أجل المساهمة في ضمان السلام والأمن والاستقرار في المنطقة. وفي هذا السياق نولي اهتماما خاصا بتسوية النزاعات والأزمات بالوسائل السياسية والدبلوماسية مع احترام سيادة واستقلال ووحدة أراضي جميع الدول». وكانت الجزائر أول دولة تحصل على النظام الدفاعي الصاروخي إس 400 الروسي لمواجهة أي غزو جوي، ولاحقا حصلت على أهم الأسلحة الروسية من صواريخ مثل إسكندر وكالبير ومقاتلات من صنف سوخوي وتطوير الغواصات. وانتقلت الجزائر في سلم الترتيب العسكري لتصبح 25 عالميا وتشكل قلقا لدول جنوب أوروبا.
المرحلة الثانية: في ظل التطورات الدولية الحاصلة والسعي إلى عالم متعدد الأقطاب، فقد بلورت روسيا استراتيجية جديدة في رؤيتها للتحالفات في العالم وخاصة الدول التي ترغب في الاقتراب من الكرملين. في هذا الصدد، ألقى بوتين يوم فاتح اذار/مارس 2018 أمام المجلس الفدرالي، خطابا تاريخيا لم تعطه وسائل الإعلام الدولية الأهمية الكافية وقتها، لكنه استرعى انتباه صناع القرار الدولي. ومن أبرز ما قاله بوتين في ذلك اللقاء ما يلي «ومن واجبي القول إن استعمال السلاح النووي ضد روسيا أو حلفائها، سواء القصيرة أو المتوسطة أو أي مدى، سيتم اعتباره هجوما نوويا ضد هذا البلد (روسيا). وسيكون الرد مباشرة بغض النظر عن النتائج التي ستترتب عنه». كما قال في الخطاب نفسه بنبرة التأكيد والعزم على هذه الاستراتيجية التي سوف لن تبقى فقط مقتصرة على التعرض لهجوم بالسلاح النووي بل حتى بالسلاح الكلاسيكي، مشددا على الرد في حالة تعرض دولة حليفة إلى هجوم يهدد كيانها. وفي ذلك الخطاب، استعرض الأسلحة الروسية المتطورة وخاصة الصواريخ العابرة الصوت.
وتعتبر استراتيجية بوتين هذه بمثابة تعويض عن حلف وارسو بعدما اقتنعت روسيا باستحالة بناء حلف على شاكلة وارسو في الوقت الراهن، وبالتالي تقوم بنوع من العرض السياسي- العسكري- الحمائي للدول التي ستقترب من الكرملين وتصبح حليفة مستقبلا علاوة على الحلفاء الحاليين.
في غضون ذلك، يحمل موقف غالبية الدول العربية تجاه الحرب الروسية-الأوكرانية بداية تغيير في علاقتهم بالغرب، وهذا يزيد من تأكيد الطابع الجيوسياسي الذي تحدثه هذه الحرب.