البروفيسور اسكندر بليفي كانون الاول/ديسمبر ستكون قد انقضت سنة على مظاهرات تونس التي بدأت موجة الاضطرابات المعروفة باسم ‘الربيع العربي’، التي تطورت سريعا لتصبح ‘الشتاء الاسلامي’. على أثر تونس بلغت الاضطرابات الى مصر واليمن وليبيا وسورية والعربية السعودية والبحرين والمغرب فكل واحدة منها جربت تجربة مختلفة ولأسباب مختلفة، وتغيير بنية النظام وعلاقة السلطة المركزية بمواطنيها. والتحولات بعيدة عن النهاية. وسيؤثر الجلاء الامريكي عن العراق ايضا في توازن القوى. وستؤثر طريقة نهاية ازمة الذرة الايرانية سنين طويلة.
لكن يمكن ان نقيم ميزانا مرحليا. يتبين بنظرة واسعة حقيقة مهمة وهي ان الاسلام المتطرف الذي رأى منذ زمن قريب موت بن لادن، يتابع زخمه الاقليمي والعالمي. فأكثر نظم الحكم الجديدة في الدول العاصفة اسلامية بهذه الدرجة أو تلك. ويلوح في أفق مصر نظام اسلامي ـ متطرف دوغمائي ومصمم في مواجهة السلطة السابقة وحليفتيها الولايات المتحدة واسرائيل. والطريق التي يفضلها قادة الاسلام المصري على اختلاف حركاته هي ان يستنفدوا كل طريق ديمقراطية ودبلوماسية للامتناع عن اقتطاع المساعدة الامريكية، وليكسبوا الشرعية الدولية. وذلك على خلفية محاولات الغاء اتفاق السلام مع اسرائيل بالفعل وقرن الفوضى الى سيناء لاضعاف اسرائيل.
ومن الجهة الثانية يبدو ان الاسلام في تونس والمغرب الذي فاز في الانتخابات، سيحاول ان يستخلص الفائدة السياسية وتجنيد الموارد الممكنة بفضل كونه قريبا من الميزانيات ومراكز اتخاذ القرارات. في المغرب مثلا فاز حزب ‘العدالة والتنمية’ الاسلامي بنحو من 27 في المئة من الاصوات. وهذا كاف ليحظى بمنزلة الحزب الاكبر في البرلمان ويشكل حكومة جديدة، لكنه أقل من ان يزعم أن له تأييدا شعبيا واسعا. سيمتاز السلوك السياسي للحزب وقادته في الاشهر القريبة بتجنيد أكبر قدر من التأييد الشعبي مع استعمال وسائل رسمية ليصبح كتلة الأكثرية وليصبح بعد ذلك الحزب الشرعي الوحيد في المدة القصيرة الممكنة. وسيكون الملك هو الخصم في طريق الاسلام المغربي. ان الاصلاحات التي نفذها لبّت بنسبة ضئيلة فقط توقعات المواطنين. وعلى ذلك فانه ينتظره مجلس شعب مضاد وسكان مضادون ـ وهو وضع يبدو أنه لن يُمكّن من وضع تعايش بين الملك والاسلام السياسي زمنا طويلا.
ان فوز الاسلام السياسي في بلدان عربية وشمال افريقية كثيرة أحدث وضعا استراتيجيا جديدا تماما في المنطقة.
ان أهمية الشرق الاوسط الاستراتيجية حددتها اربعة ممرات استراتيجية: المضائق التركية، وقناة السويس ومضيق باب المندب ومضيق هرمز ـ وهذه المعابر كلها تسيطر عليها اليوم، من جهة واحدة على الأقل، حكومات اسلامية، وهذا خطر استراتيجي في الأمد المباشر. والتهديد باغلاق واحد أو أكثر من الممرات المائية لا يُعرض اسرائيل وحدها للخطر، فروسيا ترى المضائق التركية المفتوحة مصلحة عليا لأن جميع موانئها الاخرى جامدة في الشتاء. ومضيق هرمز مهم لسوق الوقود العالمية لأن نحوا من 40 في المئة من النفط الذي يُشحن في ناقلات النفط يمر منه. أما قناة السويس ومضيق باب المندب فمهمان لدول تجارية كثيرة وعلى رأسها اسرائيل والعربية السعودية لأنه لا منفذ للمملكة الى البحر من مضيق ليس تحت سيطرة اسلامية معادية. وهذا الوضع خطير على اسرائيل وينبغي الاستعداد له. لكنه يحمل معه ايضا احتمال تحقيق المصلحة المشتركة بين اسرائيل والعربية السعودية والدول المستهلكة للنفط بواسطة حلف معلن أو سري فعلي. وينبع امكان تعزيز مكانة اسرائيل ايضا من خطر محتمل آخر: فلاول مرة منذ أكثر من ألف سنة يقع مضيق جبل طارق الذي يصل البحر المتوسط بالمحيط الاطلسي تحت سيطرة حكومة اسلامية (المغرب) من أحد جانبيه. فالخطر على اسرائيل واضح. بيد أنها تتقاسم الخطر مع اليونان وقبرص وايطاليا ودول اخرى. فاحتمال ان تصبح اسرائيل عضوا في ائتلاف من نوع جديد تماما في منطقتنا، مفهوم من تلقاء ذاته تقريبا.’ رئيس مركز ابحاث الشرق الاوسط في المركز الجامعي اريئيلاسرائيل اليوم 1/12/2011