بعد سنة من الحرب: روسيا تقضم مئة ألف كلم مربع من مساحة أوكرانيا وترسم معالم جيوسياسية لعالم جديد

حسين مجدوبي
حجم الخط
2

 لندن ـ «القدس العربي»: أكملت الحرب الروسية-الأوكرانية عامها الأول، ولم تنته في ظرف أسابيع كما كان يعتقد الكثيرون، وأكدت معطى رئيسيا وهو قضم روسيا لمئة ألف كلم مربع من مساحة أوكرانيا. وتحولت إلى حرب ترسم المعالم الحقيقية لعالم الغد الآخذ في التبلور حاليا، كما شكلت دروسا لمختلف الدول التي تتساءل: كيف يمكن تقوية الأمن القومي الحقيقي للوطن؟

في هذا الصدد، اندهش عدد من المعلقين خلال الأسبوعين الأخيرين من تقرير البنك الدولي الذي يعتبر الاقتصاد الروسي في صحة جيدة بل وسيحقق سنة 2024 نموا يتجاوز كل من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. ومرد هذا الاندهاش إلى الضجة التي رافقت بداية الحرب واعتبرت العقوبات الاقتصادية التي سيفرضها الغرب على موسكو كافية لجعل هذا البلد يتراجع عن مخططاته العسكرية وإنهاء الحرب. لكن هذا لم يحدث.
في معطى آخر، يندهش المحللون العسكريون كيف نجح الجيش الروسي في فرض حرب تعتمد على الصواريخ. لقد أظهرت روسيا تنسيقا غير مسبوق في تاريخ الحرب بتوجيه عشرات الصواريخ في ظرف وجيز لا يتعدى الساعتين لضرب أهداف استراتيجية في مختلف مناطق أوكرانيا، جوا وبحرا وبرا، سواء المجنحة أو أحيانا فرط صوتية. فقد نفذت القوات الروسية يوم 16 تشرين الثاني/نوفمبر 2022 أكبر هجوم في التاريخ بالصواريخ المجنحة وشبه باليستية مثل كالبير وإسكندر تجاوزت المئة صاورخ، ويوم 9 تشرين الأول/أكتوبر 2022 ثاني أكبر هجوم بالصواريخ المجنحة. وهذه القدرة، التي بالكاد تتوفر للولايات المتحدة وحدها، حيث نفذ الجيش الأمريكي بدعم من بريطانيا يوم 19 اذار/مارس 2003 ضد العراق هجوما بـ 49 صاروخا مجنحا. القدرة الصاروخية الروسية جعلت الكثير من الخبراء الغربيين يتساءلون عن نوعية الحرب المستقبلية في ظل تفوق روسيا في الصواريخ فرط صوتية وفي كميات الإنتاج سواء الصواريخ الهجومية أو صواريخ مضادات الدفاع، حيث صرح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن روسيا تصنع من المضادات ثلاثة أضعاف ما يصنعه العالم سنويا.
ومن جانب آخر، تابع العالم باهتمام كبير المساعدات العسكرية الغربية وأساسا الأمريكية للقوات الأوكرانية، ويستمع منذ شهور إلى ترقب وصول دبابات ليوبارد ثم مضادات الدفاع الجوي باتريوت الأمريكية. غير أن التطورات تبرز أن أوكرانيا لن تتوصل وفي أحسن الأحوال، خلال السنة الجارية بأكثر من 50 دبابة ليوبارد، وقد ناشد الرئيس الأوكراني زيلينسكي القادة الأوروبيين هذا الأسبوع بضرورة الإسراع بتسليمه الدبابات. لا يريد الغرب المغامرة بمنح أوكرانيا السلاح الذي يعتبره متطورا، لسببين، الأول أنه لا يمتلك العدد الكافي من أنظمة الدفاع ومن الدبابات، ففرنسا مثلا تمتلك 200 دبابة فقط. ويعود السبب الثاني إلى تخوف الغرب من تعثر السلاح في المواجهة مع روسيا، وهو ما سيكون وبالا عليه في أسواق السلاح. ويبقى السلاح الفتاك الذي منحته الولايات المتحدة إلى الجيش الأوكراني هو قاذفات جافلين التي أوقفت في بعض الأوقات التقدم الروسي وكذلك صواريخ ستينغر التي منعت الطائرات المروحية الروسية من الاقتراب من مناطق معينة، الأمر الذي جعل موسكو تراهن أكثر على الصواريخ.
وفي معطى آخر، الحرب تعني الخسائر، وأوكرانيا لا تعتبر بالدولة الضعيفة، فهي قبل الحرب كانت تحتل المراكز العشرين الأولى في الترتيب العالمي عسكريا، وكانت تتوفر على سلاح روسي متطور مثل منظومة إس 300 وطائرات سوخوي 27 وكبدت روسيا الكثير من الخسائر. وتلقت أوكرانيا سلاحا غربيا وخاصة صواريخ هيمارس التي جعلت الأوكرانيين يقاومون. ولم تعد روسيا تتقدم مثل السابق بقدر ما تهدف إلى تحصين الأراضي التي قامت بغزوها وضمها، وتشن هجمات دقيقة بهدف إبعاد القوات الأوكرانية. ومن المحتمل قيام القوات الروسية بالتقدم خلال الأسابيع المقبلة لخلق حزام أمني من شمال إلى جنوب أوكرانيا تقريبا وسط البلاد لمنع الهجمات.
عندما اندلعت الحرب، اعتقد العالم في توظيف الغرب لها لاستنزاف القدرات الاقتصادية والعسكرية والعزل السياسي لروسيا، غير أن التطورات أظهرت كيف جعلت روسيا هذه الحرب تعود لصالحها وتجعل الغرب هو الذي يعاني من الاستنزاف، خاصة بعدما أعلن بوتين خلال ايلول/سبتمبر الماضي تحويل ما كان يعتبره عملية عسكرية إلى حرب عسكرية حقيقية بمبرر تورط الحلف الأطلسي في هذه الحرب. بينما الخاسر الأكبر هو الشعب الأوكراني بين ضربات الشقيق الأكبر روسيا والوعود غير الجدية للصديق الغربي.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية