بعد صدور كتابه ‘أفضل الأعداء’ بسام أبو شريف: باختصار.. هجوم السلام فاشل!

حجم الخط
0

أجرى الحوار: مازن معروف- أتلقى مكالمة من مسؤولة الشؤون الثقافية في ‘دار الساقي’ بسام أبو شريف في بيروت، سيوقع كتابه الجديد (أفضل الأعداء) على هامش معرض الكتاب العربي والدولي. هل تود إجراء حديث معه؟’ أجيب بلا تردد ‘نعم’. نحدد اليوم والساعة بحسب ما يتفق وجدول مواعيد أبو شريف وإقامته القصيرة في بيروت. ‘ينزل في الفندق الفلاني وسيكون بانتظارك، لا تتأخر’. ‘أوكي. شكرا’. أغلق الهاتف. أدمدم متوترا ‘لا أتأخر؟ يا لها من فرصة للقاء أبو شريف’. لكن، كيف يمكن الأسئلة وأنت وجها لوجه مع المستشار السابق للرئيس الفلسيني ياسر عرفات، والناطق الرسمي باسم منظمة التحرير الفلسطينية في أصعب الفترات التي مرت بها المنظمة في بيروت. لا وسيلة لك إلا وأن تتماسك وتبدو مرتاحا و’طبيعيا’ أمامه. فهذا الرجل يحمل في ذاكرته أحد أكثر فترات التاريخ الفلسطيني إشكالية، ويحتفظ بدقة مدهشة بأسرار كثيرة. هو في هذه الأيام منكب على كتابة التاريخ، كي يتاح للجميع الإطلاع على العدالة المفقودة للشعب الفلسطيني. تنتظره في اليوم والساعة المحددين في ردهة الفندق. لا، فأنت جئت قبل عشر دقائق من الموعد المحدد، لا تريد له أن ينتظرك ولو دقيقة واحدة. تتصل به من تلفون داخلي في الفندق لتعلمه بمجيئك. حسنا، سينزل بعد قليل، وستراه نشيطا على غير ما توقعته، حيويا، يبادرك بمزحة تفتت الوقت الذي يخيل لك بأنه سيكون إسمنتيا. يحييك بحرارة، وتحدق أنت في وجهه، أو تسترق النظر إلى تفاصيل هذا الوجه الذي حاولت إسرائيل قتله وتشويهه. هذا الوجه واثق وأليف، يختزن طاقة هائلة، مسلَّح بالحقائق ولطيف في الوقت عينه. بعد المقابلة، ستدرك بأنك لست ذلك الشخص الذي كنته قبلها.

دقائق أولى من التعارف وتبادل الأسئلة العمومية، ويبدأ الحوار الذي يمتد متجاوزا مناسبة توقيع الكتاب بالطبع. سيكون إذن لا بد من تقسيم الحوار إلى أبواب بحسب كل موضوع تم التطرق له. البدايات- فلنبدأ من تاريخك في حركة القوميين العرب، صادف يوم تخرجك في الجامعة الأمريكية في بيروت بداية حرب عام 1967. كيف كانت ردة فعلك؟- رفضت أنا ومجموعة من الشباب أن نتسلم شهاداتنا في الجامعة الأمريكية من رئيس الجامعة احتجاجا على حرب 1967. كنا مجموعة من الشبان المتحمسين للقضية. كنت بدأت عملي في السياسة قبل أن أنضم لمنظمة التحرير الفلسطينية، وذلك مع حركة القوميين العرب. كانت تلك من أجمل الأيام. كنت لتجد في الإجتماع الواحد شابا بحرينيا مثلا، وآخر يمنيا، وعلى يمينك شاب سوري، فلسطيني، لبناني، عرب جميعا. كنا نجتمع بشأن وحدة الأمة العربية وتحرير فلسطين. كان هذا احد أهدافنا الأساسية في عامي 1963 و1964. فالطريق إلى تحرير فلسطين كان يجب أن يمر عبر وحدة الصف العربي. تشكلت منظمة التحرير الفلسطينية عام 1964. واعتبرت في حينها ابنا شرعيا للجامعة العربية. طفل ولدته الجامعة العربية وليس ممكنا له الخروج عن سقفها، فيما كنا نرى فيها تجسيدا للعجز العربي في مواجهة إسرائيل. وبدأنا في التدريب وتحضير الشباب عسكريا وشكلنا ما عرف آنذاك بشباب الثأر.- وكيف كانت العلاقة مع عبد الناصر في حينها؟- كانت علاقتنا بجمال عبد الناصر وقتذاك جيدة. لكن كان صريحا جدا معنا. فقال لنا نحن غير مستعدين لخوض حرب مع إسرائيل. قال لنا ‘يمكن أن أساعد في تدريبكم وتجهيزكم عسكريا، لكن دون أن أسمح بقيام عمليات فدائية، لأن من شأن أية عملية عسكرية أن تورطنا في حرب مع إسرائيل نحن غير مستعدين لها’. من هنا ولد شعار ‘فوق الصفر، تحت التوريط’. بمعنى أن نتدرب، ونستعد، نخزن السلاح كشكل من أشكال النضال. واستمر الامر على هذا المنوال حتى وقعت هزيمة عام 1967. لم تكن الهزيمة تعني بأنه حان الوقت للقيام بعمليات عسكرية أو بدء مسيرة الكفاح المسلح، وإنما عنت بأن هناك أنظمة عربية بأسرها سقطت. هزم النظام العربي الأكبر آنذاك وهو مصر. البعض من رفاقنا في حركة القوميين العرب ذهبوا في طروحاتهم إلى حد أنه يجب إسقاط الطبقة التي يمثلها النظام العربي آنذاك، من البرجوازية الصغيرة، وكانت هذه مراهقة سياسية بالنسبة لي. وهناك من طرح مقولة ان سبب الهزيمة هو خطأ ارتكبته شرائح من هذه الطبقة التي أصبحت تلتفت إلى مصالحها الشخصية بدلا من الاهتمام بالقضية، ومن هؤلاء عبد الحكيم عامر. المهم أننا شعرنا عام 1967 انه لا قيد علينا، عربي أو غير عربي. – كيف أصبحت صورة عبد الناصر في أعينكم بعد النكسة؟- كان هناك إحباط رهيب بعد هزيمة جيش عبد الناصر الذي كانت الناس تعول عليه كبطل، وعلى جيشه كمنظمة عسكرية لا سابق لها. كانت هناك نظرة رومانسية وأسطورية نحو عبد الناصر. والحقيقة أن عبد الناصر بدأ في بناء جيشه بعد الهزيمة وليس قبلها. وأنا عشت شهرا كاملا على ضفاف قناة السويس أثناء حرب الاستنزاف عام 1973. صحيح أن الحكم كان قد أضحى من نصيب أنور السادات لكن من كان فعلا ممسكا بمقاليد الحكم في مصر هم رجال عبد الناصر الذي كان قد توفي كما تعلم. وهؤلاء أمثال شعراوي جمعة، وقائد الجيش وسواهما. عشت هناك إذن وأيقنت أن الخطوات التي اتخذها عبد الناصر لبناء الجيش هي الخطوات الحقيقية، كاستقدام الشباب الجامعي، والعقول العلمية، طلاب الرياضيات والفيزياء، لأن الحرب كانت قد أضحت حربا متطورة وتحتاج إلى أدمغة وليس فقط عضلات. لكن الأهم من هذا أيضا أنه في ظل هزيمة الأنظمة عام 1967 هُزِمت أجهزتها أيضا. الأمن العام وغيرها. مثلا في بيروت، كان هناك فرقة امنية تدعى ‘الـ 16′. أي عنصر في هذه الفرقة كان يظن بأن خاله أبو زيد، فيحكم ويصول ويجول كما يحلو له، إلا أنهم أصبحوا كالفئران بعد الهزيمة على الرغم من عدم مشاركتهم في الحرب، كذلك الأمر بالنسبة لأجهزة المخابرات الأردنية والسورية والجيوش. أعطيك مثالا على ذلك. جزء كبير من سلاحنا قمنا بالحصول عليه بعد انسحاب الجيوش العربية من الضفة الغربية والجولان. كانت الأسلحة مرمية على الأرض. وجدنا دبابة في الضفة الغربية، ضابطها كان قد بنى فوقها غرفة من طين. إكتُشِفت بعد ثماني سنوات في بستان. كان الرجل قد أخفاها هناك. أنا اعتبرت هذه الدبابة نوعا من الرفض لقرار الإنسحاب. وجود الدبابة كلن يحمل رمزية في هذا المعنى. الضابط قُتِل لكن دبابته بقيت في ذلك البستان. بعد الهزيمة أصبح هامش تحركنا السياسي والعسكري أوسع بين بلد وآخر دون أدنى سؤال.- وهذه الصورة تبلورت في معركة الكرامة عام 1969.- أجل، معركة الكرامة أفرزت نتائجها عربيا. رفضنا الإحباط، حملنا السلاح وقررنا الاستمرار في القتال. كنا نرى بأن الاعتقاد السائد بأن الجيش الإسرائيلي لا يهزم هو مجرد وهم. وهذا نتيجة الضعف العربي وليس قوة الإسرائيليين. وبالفعل ولأول مرة، المئات من طلاب الجامعات إنبروا لحمل السلاح لدرجة أن إسرائيل بنفسها صعقت. واعتقل العشرات في الأرض المحتلة، واقتيدوا للتحقيق حيث تبين أنهم من حملة الشهادات الجامعية. سواءالمتخرجين أو من هم على أعتاب التخرج. حتى أن موشيه دايان صار يقيم اجتماعات معهم محاولا فهم هذه الظاهرة. كان الجيش الإسرائيلي فيما مضى يحدث أن يعثر على مقاتل أمي، حمل السلاح كي يذهب لسرقة بقرتين من المستوطنة لا أكثر. الجو الذي عشناه هو جو التحرر من الأغلال والتقدم إلى الكفاح. أما عربيا فقد كان هناك جو من الإحباط والقنوط والحزن نتيجة الهزيمة. وعندما حدثت معركة الكرامة، كانت المرة ألاولى التي يرى فيها العربي دبابة إسرائيلية محترقة، أو جنودا إسرائيليين مقيدين بالاغلال. تغير المشهد كليا، والاحتمالات بالنصر كذلك. إنتعش الشارع العربي حينها. في الكرامة كنا حفنة من البشر وتسليحنا كان بسيطا وسخيفا مقارنة بترسانة الجيش الإسرائيلي، كنا نستخدم رشاشات الـ’ساموبان’ وهو رشاش بسيط كان يصنع في بورسعيد. أكبر سلاح مضاد للدروع لدينا وقتها كان الـ ‘B 2’. الآن، يمكن اعتبار الـ ‘B 7’ مجرد ‘فتِّيش’. كان سلاح الـ’B 2′ يفرض على المقاتل أن يدخل في الدبابة كي يعطبها فقط، لا أن يحرقها. – لكن المدفعية الأردنية ساعدتكم في تلك الحرب وكان لها فضل كبير في الإنتصار.- أجل، لا يمكننا نكران ذلك. رحمه الله. لواء بطل. نسيت إسمه. كان مسؤول القوات الاردنية في تلال السلط بطلا بحق. ما أن رأى تقدم القوات الإسرائيلية حتى أمر بفتح نيران مدفعيته دون الرجوع إلى السلطات الأردنية في هذا الشأن. لكن الإنتصار الذي حصل جعل السلطات الأردنية تتسلق قرار الضابط وحتى أنهم كرموه. لا شك أن المدفعية الأردنية لعبت دورا رئيسيا. أشدد. رئيسيا. كان دورنا متعلقا بالقتال بالأسلحة الخفيفة المتاحة لنا مقارنة مع قوة الجيش الإسرائيلي، كما نصبنا الكمائن وزرعنا الألغام. والتموقع في المغر. مشاركة القوات الأردنية في هذه المعركة هو فخر لنا. وهذا ما نريده. مقاتلون فلسطينيون وقوات عربية أردنية تشارك معا في معركة واحدة وتهزم الجيش الإسرائيلي. أليس هذا ما يتمناه الجميع؟ قوات عربية تساند الفلسطينيين ضد جيش العدو؟ آه. تذكرت. إسمه مشهور حديثة. ضابط المدفعية. مشهور حديثة وضع فاصلة أساسية في الصراع العربي الإسرائيلي. ذلك أن قراره الذي أدى إلى انتصارنا شجع الجماهير العربية وضخ في عروقها الأمل. بات الناس مسلحين بالعزيمة في مواجهة الإسرائيليين ومقاتلتهم وحتى تدمير آلياتهم ودباباتهم. – لكن، إذا كانت المدفعية الاردنية قد لعبت دورا رئيسا في انتصاركم في معركة الكرامة، كيف رسخت إذن هذه المعركة وجود منظمة التحرير الفلسطينية في الساحة العربية؟ – أقول لك أمرا. أبو عمار لعب تكتيكا ذكيا جدا في هذه المسألة. فلأسباب سياسية، طمس عرفات دور الجيش الأردني بشكل كامل ليظهر بأن ‘م ت ف’ قادرة على القتال ولا بد من دعمها ولا بد من الإقرار بأنها تمثل الشعب الفلسطيني. أخذ هذا القرار عام 1974 في اتفاق القاهرة. وذلك قبل أن يذهب أبو عمار إلى الأمم المتحدة. وهكذا كانت البدايات. بعد معركة الكرامة، ما حصل هو اندفاع آلاف الشباب العربي للإنخراط في صفوف المقاومة. معسكرات لم تعد تستوعب.- وكيف كان تعاطي الأنظمة العربية معكم بعد معركة الكرامة؟- الانظمة العربية لم تأخذنا بعين الجدية. لم نكن بالنسبة لهم سوى حفنة مقاتلين لن يستطيعوا الاستمرار في مسيرتهم. الانظمة كانت تنتظر وقتها بأن يعاد بناء مؤسساتها العسكرية والأمنية والإستخباراتية بشكل متين.- لكن حتى لو قدر لتلك الأنظمة بناء ترسانتها من جديد، ما كان السيناريو المحتمل لمصير هؤلاء المقاتلين؟ هل كانت لتستطيع تذويبكم في اجهزتها مثلا؟- كلا بالطبع. فقد بدأت الحروب العربية علينا. الأعوام التي استفدنا منها بشكل فاعل كانت 1967، 1968 و1969 حيث استطعنا تدريب الآلاف والحصول على السلاح من دون أن يستطيع أحد أن يعترض علينا. في عام 1970، بدأت هذه الأنظمة بالنهوض مجددا، وتحت الضغط الأمريكي والإسرائيلي، صارت تضع قيودا وشروطا. في معارك ‘أيلول الأسود’ (1970)، لم يكن أمام الملك حسين أي خيار آخر. إسرائيل كانت قد هددت وأبلغت الامم المتحدة. إسرائيل كانت قد بدأت حربها على تنظيمنا السري في الأراضي المحتلة منذ النصف الثاني من ستينات. كما شنت حروبا على قواعدنا العسكرية في الضفة الشرقية في الأغوار. وغارات على القرى الاردنية القريبة منا ليعبئوا الناس ضدنا. تماما كما فعلت بقرى جنوب لبنان حين كنا متواجدين هناك. هذه سياسة الإسرائيليين. يتذرعون دائما بوجودنا. فحتى بعد خروج ‘م ت ف’ من بيروت قصفت العاصمة اللبنانية أكثر من مرة، كما قصفت قرى الجنوب وهدمت وارتُكبت فيها المجازر. الامر يتعلق بإسرائيل. المستغرب أنه وإلى الآن، لا يريد بعض اللبنانيين أن يفهموا عدوانية إسرائيل، بل يحملوننا المسؤولية. لبنان بلد عجيب بحق. قلنا لهم أكثر من مرة حتى ‘حِفي لساننا’ بأن المخابرات الإسرائيلية ناخرتكم نخرا، كما الامر عندنا أيضا، كما في الأردن وسورية. لبنان أسهل بلد عليهم. كان منخورا ولا يزال منخورا من الموساد الإسرائيلي. وأريد أن أضيف، بأن عليهم أن يكفوا عن طرح نزع السلاح الفلسطيني. أعطوا الفلسطيني الحق الإنساني والمدني، أعطوه الحق بالعمل، بالعمل فقط، ليعيش ويطعم أولاده. وساعتها تفضلوا واسحبوا السلاح الموجود بحوزته في المخيمات. أما أن تضيِّق عليه من كل ناحية، فهذه سياسة إسرائيلية. حول الكتاب- لنعد إلى كتابك الصادر حديثا بعنوان ‘أفضل الأعداء’ عن دار الساقي، من برأيك الآن هو ‘أفضل الأعداء’ للفلسطينيين عموما وليس لبسام أبو شريف فقط؟- أفضل الاعداء بالنسبة لي هو العدو الواضح وأسوأ الأعداء هو العدو المخفي. العدو الواضح هو إسرائيل. أما ذلك غير الواضح فقد يكون أخوك أو جارك أو أي شخص لا تتوقعه.- وهذا العدو المخفي هو الذي ظل لكم بالمرصاد في السبعينات والثمانينات.- أجل، الحكام العرب.- هل اخترت بنفسك ‘أفضل الأعداء’ عنوانا لهذا الكتاب؟- كلا. العنوان اختاره الناشر. الكتاب صدر أولا بالطبعة الإنكليزية تحت عنوان ‘tried by fire’ أو ‘مجرَّب بالنار’. الأمريكيون أسموه ‘the best of enemies’ وترجم إلى ثلاث عشرة لغة، وهي المرة الأولى التي يصدر فيها بالعربية نتيجة لوجود ظروف باتت تسمح بنشر مادة كهذه. كان ممكنا أن يكون صادما قبل سنتين أو ثلاثة. الكتاب صدم الأوروبيين، وكان له الوقع نفسه في أمريكا. لم أجلس مع عوزي محنايمي لكتابته. بل كتبت أنا قصتي وجذور عائلتي وتاريخها الذي يمتد إلى مئات السنين في فلسطين، وكتب هو بالمقابل قصته الشخصية كيهودي قدم جده إلى فلسطين عام 1912. تبين بعد مراجعة كتب التاريخ أن اول أجدادي المذكورين هو الامير ناصر الدين أبو شريف المقدسي وهو من شيوخ المدرسة الصلاحية وذلك عام 850. كان للمدارس آنذاك سلطة تشريعية لمساعدة السلطان في حل المشاكل الاجتماعية والسياسية، فكانت مركزا أكاديميا لكن لها في نفس الوقت سلطة تشريعية وتنفيذية. ويحكي عوزي بدوره الحقائق المتعلقة حول قدوم عائلته إلى فلسطين وكيف استقبلهم الفلسطينيون بالترحاب وأمنوا لهم ما كانوا يحتاجونه فور مجيئهم. وعمل الناشر على ترتيب أجزاء قصتي وأجزاء قصة عوزي مع بعضها البعض، بحيث يترك الكتاب للقارئ كي يحكم في نهاية المطاف. فإسرائيل تقتل أطفالنا، وتنكِّل بعائلاتنا في مقابل احتضاننا لعائلاتهم الذين كانوا مضطهدين في أوروبا. وهناك العديد من الأسرار المذكورة في الكتاب. فعوزي ضابط استخبارات سابق. يروي مثلا وبالتفاصيل، قصة اغتيال أبو جهاد. وإيهود باراك كان صديقا لوالده، وكان باراك في ذلك الوقت يعمل مستشارا لإسحق رابين لمكافحة الإرهاب. منع الكتاب من الصدور باللغة العبرية، واعتبر الإسرائيليون أن عوزي محنايمي خائن لأنه حكى الحقيقة. قال عوزي بأن فلسطين لم تكن خالية وجرداء كما تشيع الدعاية الإسرائيلية، بل روى عن السكان الفلسطينيين، وعن الأرض الخضراء والخصبة، مناقضا بذلك تشويههم للأمر الواقع. عوزي بالطبع ينحاز إلى قيم دولة إسرائيل ويروي هذا في الكتاب، فهو أولا وأخيرا إسرائيلي لكنه كشف العديد من الأسرار.- ما هي القيمة التي يحملها الكتاب في الوقت الراهن في ظل انهيار مفاوضات السلام الأخيرة وتعنت إسرائيل في موضوع المستوطنات؟- قيمة هذا الكتاب في الوقت الراهن، أنه يختصر أن إسرائيل لا تريد السلام وأن طرحنا لموضوع السلام كان سلاحا هجوميا وليس دفاعيا كما يحلو للبعض أن يقول. عندما اقترحنا البدء بمفاوضات السلام، كنا نعرف حق المعرفة بأن الإسرائيليين لن يقبلوا بإنجاز أي اتفاق سلام وإن ادعوا مضيهم قدما في المفاوضات. وأنا أذكر في عام 1988 عندما طرحت في مقالة في الصحف الأمريكية مسألة حل الدولتين، وقد أثار الموضوع ضجة كبيرة في أمريكا والعالم حتى أن بعض الفلسطينيين إتهمني بالخيانة. قلت لأبو عمار ‘سوف نحتاج من القوة لإقامة هذه الدولة في الضفة الغربية وقطاع غزة، نفس المقدار من القوة التي نحتاجها لإزالة إسرائيل’. كان خطنا إذن إعتراضيا هجوميا كي يرى العالم من هم هؤلاء. فإقامة الدولة في الضفة وغزة تستند في أساسها إلى موضوع الشرعية الدولية والقرارات الدولية كـ 242 و338 وحق تقرير المصير.. إلخ. لا يستطيع العالم أن يقول حق تقرير المصير ليس حلا معقولا، فهو حل معقول ومقبول وحتى أنهم بلعوه. حتى أتى شارون وبدأ في خطته لاعتراض الإتفاقيات. ثم تم اغتيال رابين لأنه قرر المضي قدما في ما سيفضي إلى حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني. وعلى كل، فإن من قتل رابين قتل شارون وقتل أيضا ياسر عرفات. عرفات كان رجلا قديرا وشاهدا على التوقيع والتعهدات التي لم تكن إسرائيل تستطيع التنصل منها. أنا جدا مستغرب كيف أن ابو مازن لا يزال يمضي في مسألة المفاوضات رغم كل التعنت الإسرائيلي. عليه أن يوقف فورا المفاوضات مع إسرائيل، فهي ضحك على الذقون وكسب للوقت لصالح نتنياهو. – وما رأيك فيما قاله الرئيس الفلسطيني مؤخرا عن انه سيحل السلطة الفلسطينية في حال فشلت المفاوضات؟- أتعرف. إنه كمن لا يجيد السباحة، فتتلاطمه الامواج و’يخابط ويلاطش كيفما كان’، وإذا عثر على قشة، يراها لوحا من الخشب ويظن ان بإمكانه العوم عليها. انا لست ضد المفاوضات، لكن على من يريد أن يفاوض أن يكون قويا، ليس بميزان الدبابة وطائرات الـ ‘F-16’ بل بشعبه وبالانتفاضة، بالحجر. كيف تذهب إلى المفاوضات وأنت تقوم في الوقت عينه بتفتيش بيوت شعبك الفلسطيني لمصادرة أسلحته وذلك كي تكسب رضا الإسرائيليين فيقولون بأنك عظيم وتنفذ التعليمات جيدا! تقوم إذن بإضعاف شعبك. لماذا لا ينفذ الإسرائيليون ما يتوجب عليهم في هذا الإطار؟ هذا السلاح يستعمله الفلسطيني لحماية عائلته وبيته وأطفاله. – لكن ألم يكن خطأ من البداية أن يتم تجاهل ملف المستوطنات واللاجئين في مفاوضات أوسلو عام 1993؟- أنا لم أشارك في مفاوضات أوسلو. بل اعترضت على الاسراع بالوصول إلى هكذا نتائج في أوسلو. فقد رأيت بأننا أعطينا الكثير وبعض الجمل في فقرات الاتفاق تحتمل تفسيرين. وهذا خطأ. إستطاعت إسرائيل أن تفسرها بالشكل الذي يخدم مصلحتها. ووقعنا أيضا اتفاقا إقتصاديا لا يزال يخنقنا حتى هذه اللحظة. ليس أوسلو مجال تقييم. وما ظهر لاحقا أن الإختلاف ليس في موضوع نصوص الإتفاق بل الفكرة برمتها. سلام أو لا سلام. إسرائيل لا تريد السلام. تريد دولة يهودية عنصرية خالصة من النهر إلى البحر. لكن الموافقة على إسرائيل دولة يهودية يعني ترحيلا جديدا للفلسطينيين. كيف يريدون منا أن نوقع على قرار بترحيلي مجددا؟ وهناك واقع مرعب بالنسبة للإسرائيليين وهو أن ثلث أعضاء الكنيست عرب نتيجة الوضع السكاني. وقد يحدث أن ترتفع النسبة لتصبح النصف زائد واحد عام 2025. اقترحنا دولة واحدة لكنهم رفضوا. دولة ديمقراطية لمن يعيش فيها على غرار الولايات المتحدة، رفضوا أيضا. قالوا الديمقراطية لليهود فقط. أعتقد أن ما يفعله نتنياهو هو حفر بطيء لقبر إسرائيل. لأن أوروبا ضاجة اليوم ومستعدة للاعتراف بدولة فلسطينية وأمريكا اللاتينية كذلك في ما يتعلق بالقضية الفلسطينية. أثبتت إسرائيل للعالم بأنها دولة عنصرية بامتياز. – ما رمزية وجودك في الكتاب إلى جانب رجل استخابرات إسرائيلي سابق؟ وكيف تفاعلت الصحافة الغربية والأمريكية معه؟- صدور الكتاب الآن يحمل أهمية كبرى، ولا شيء محرج إطلاقا في الامر، بالعكس. هذا الكتاب يقول بأن الحق مع الفلسطينيين، وبأن الفلسطينيين بقبولهم للمفاوضات عملوا مساومة تاريخية، وأن السلام يجب أن يقوم بإعطاء الفلسطينيين دولة. هذا هو الحل الذي ترفضه إسرائيل والذي تنبَّهت أوروبا له. الكتاب حقق نسبة مبيعات هائلة. الكتاب طعم بلعوه. لأن كلام الضابط الإسرائيلي سوّق مع كلامي وتبيَّن لهم أن الحقيقة صادمة. وترجم إلى ثلاث عشرة لغة. الصحافة الغربية تعاطت مع الكتاب بطريقة مذهلة. وأشادت به. يهود كندا قرأوه، وطلبوا الاجتماع معي وتم هذا فعلا. سجلت هدفا في مرماهم. دعوني بأنفسهم كي ألتقيهم. لاحظت في عيونهم الحسرة والقهر. الحقيقة مثلت أمام أعينهم. دور النشر العربية خافت من طباعته ونشره. كانت خشيتهم كبيرة من احتمال أن يمنع هذا الكتاب. ذلك أن أهم قارئ في الوقت الحاضر هو أجهزة المخابرات العربية التي هي ‘المثقف الوحيد’. – هل تعمل على كتب أخرى حاليا؟- نعم، أعمل على كتاب عن نتنياهو. هذا الرجل المريض نفسيا. إنه مصاب بانفصام في الشخصية، وأنا أعمل حاليا على كتاب حول هذا الرجل السيزوفرينيك. من المهم جدا أن يقرأ الناس عنه. يتلاعب بأمم. في كتابي الجديد هذا أعمل بكشف طبقات شخصيته، واحدة تلو الأخرى. كتصوير إشعاعي مفصل. الكتاب يحتاج ما بين الثلاثة والأربعة شهور لأنتهي من كتابته بشكل كامل. عندي كتاب عن جورج حبش، وعندي كتاب آخر حول وديع حداد بعنوان ‘المعلم’. هذا الكتاب سيعد مرجعا نادرا عن وديع حداد من حيث دقة المعلومات ووسعها حول هذا الرجل الذي أضاف للمكتبة الثورية العالمية مدرسة جديدة ولغة جديدة وهذا لا يعرفه إلا قلائل. فكما ان هناك مدرسة تشي غيفارا، هناك مدرسة وديع حداد. وإن هدأت كالعاصفة، فإنها لم تُخمد نارها. فطالما أن هناك أسبابا لبزوغ حركات ثورية ونضال هذه الحركات ضد الظلم الإجتماعي والاقتصادي والسياسي، ستبقى هذه الأفكار الثورية حية ومطروحة للثوريين من الأجيال المتتالية ليواجهوا فظائع انظمة الرأسمالية وجرائمها من خلال وجودها المباشر كما هو الحال في أفغانستان والعراق او من خلال مخافر بنتها في وسط أمم كانت تتمتع بالحرية لتضرب حريتها، كما هي الحال في جنوب السودان ودارفور وربما العراق أيضا. إسرائيل دخلت جنوب السودان من خلال كينيا تسليحا وتدريبا. وهذه كونترا جديدة تمارسها الولايات المتحدة خوفا من طرح الموضوع على الكونغرس، وهي كونترا جديدة تمارسها إسرائيل أيضا لصالحها هي وأمريكا بهدف السيطرة على النفظ في الجنوب السوداني واليورانيوم الوفير في دارفور. هناك مؤامرة لفصل الجنوب السوداني. كما هو الأمر بالنسبة لنفط العراق. إسرائيل متغلغلة عبر مشاريع إقتصادية في كردستان من أجل آبار النفط، وإيران تسيطر على نفط الجنوب والأمور ضائعة. تفتيت العراق بهذا الشكل يخدم إسرائيل لأن العراق شكل البعد الاستراتيجي للثورة الفلسطينية. بيروت- كنت الناطق الرسمي لمنظمة التحرير الفلسطينية في بيروت، وبينما كانت الطائرات الإسرائيلية والمدفعية تدك العاصمة اللبنانية من كل حدب وصوب، كنت معنيا بتزويد الصحافة العالمية والعربية المتواجدة في فندق الكومودور بآخر المستجدات. – صحيح. وبالمناسبة، فإن عندي مشروع كتاب إسمه ‘كومودور’، ويحكي عن فندق الكومودور الشهير في شارع الحمراء. كان الصحافيون يتجمعون فيه خلال قصف إسرائيل لبيروت عام 1982، وكنت أعبر عليهم فأراهم مذعورين من القصف العنيف، أزوِّدُهم بالمعلومات ثم أتابع تنقلاتي. الأحداث وطريقة تغطيتها كانت مدرسة بالفعل. ولعبنا دورا رياديا بالتغطية التي قمنا بها. الكومودور كان فندقا مدهشا. ضم أطيافا متعددة من رجال الـ’سي آي إيه’ الأمريكية إلى الـ’كي جي بي’ السوفياتية، ومن الموساد إلى الصحافيين ورجال الأعمال وتجار المخدرات والمدمنين والفنانين والأثرياء والسياسيين والمحللين والشعراء والكتاب. كان خلطة غريبة تنفع كفيلم لهوليوود. كان مزيجا سورياليا بالفعل. مُسَلٍّ ومخيف في نفس الوقت.- هل هناك نادرة تتذكرها حدثت معك في فندق الكومودور خلال القصف؟- طبعا. ذات مرة، نشرت إسرائيل صورة لأحد جنودها وهو يقف بجانب طائرة مدنية لبنانية في مطار بيروت. وقد نشرت الصحافة يومها خبرا عن أن الإسرائيليين إحتلوا المطار. لكنني كنت أعرف أنها كذبة لتضليل الرأي العام العالمي، وإحباط معنويات المقاتلين. مررت على الفندق وانهال علي الصحافيون بالأسئلة. كانوا يريدون أن يعرفوا إذا كانت إسرائيل قد احتلت المطار أم لا. قلت لهم: لا. ومن أجل أن يصدقوا، سألت إن كان أحد يريد مرافقتي الآن إلى المطار لأريه بأم عينه خلوه من أي جندي إسرائيلي. فزع الجميع وقتها، لكن صحافيا ألمانيا إسمه رودي فراي يعمل مصورا لمجلة ‘التايم’ أبدى استعداده للذهاب معي. لكنه كان خائفا بشكل عام. وأخذ معه زجاجة من الويسكي وضعها في حقيبته وسط الكاميرات. ومع كل ضربة كان يتناول جرعة منها. وصلنا إلى حاجز تابع للجبهة الشعبية بعد منطقة الكوكودي قرب المطار. قالوا لي يا أخ بسام أنت مسؤولية كبيرة وحياتك ستكون في خطر إذا ما دخلت المطار، يقال إن جنودا إسرائيليين هناك. أجبتهم، أيعقل أنكم هنا على بعد عشرات الأمتار من المطار وتقولون هذا الكلام؟ لكنهم لم يدعوني أمر حفاظا على حياتي. أخذنا طريقا ترابية وفي النهاية وصلنا المطار. كان مقفرا. عندها قال الصحافي، حسنا، فلنغادر، لا جنود إسرائيليين. قلت لا. عليك أن تدخل إلى قلب المطار لترى وتتأكد. كان مرعوبا. أخذ جرعة ويسكي من قنينته ودخل معي. لم يكن هناك سوانا. أشرت إلى الطائرة التي ظهرت صورتها في الإعلام الإسرائيلي. وقلت له فلنذهب هناك ونبحث عما إذا كان ثمة جنود إسرائيليون. كان الصحافي مدهوشا وخائفا جدا. قال: هذا يكفي، الأكيد أن لا جنود هنا. قلت: لا، علينا أن نذهب لنرى عن كثب. وصلنا إلى الطائرة، عندها قلت له، عليك أن تلتقط صورة لي بحيث لا أحد يستطيع الإدعاء بأنها مركَّبة. قال، حسنا، قف عند عجلة الطائرة وأمسك بها. والتقط صورة لي وأنا ألفُّ ذارعيَّ حول العجلة المطاطية. قال لي، الجندي الإسرائلي في الصورة يظهر واقفا تحت الطائرة أما أنت فبهذه الوضعية لا يمكن لأحد الإدعاء بأن الصورة مزيفة. بعدها، قلت له، حسنا والآن فلنذهب إلى منطقة ‘صحراء الشويفات’ المطلة على الجهة الشرقية للمطار لمزيد من التأكد. قال، أرجوك، هذا يكفي، كما أن قنينة الويسكي نفدت. ضحكت وقلت، حسنا، فلنعد إلى أوتيل الكومودور. مررنا بعدها على حاجز الجبهة الشعبية في الكوكودي، وطمأنتهم. الصحافي باع الصورة بخمسة آلاف دولار لإحدى الوكالات. – ماذا بقي من بيروت تلك، في بسام أبو شريف؟- بيني وبين بيروت علاقة عشق. البلد الوحيد في العالم الذي أحس بأن قلبي ودمي وعقلي هو لبنان عموما وبيروت خصوصا. في العالم بالنسبة لي هناك مدينتان فقط: نيويورك وبيروت. باريس مجموعة قرى يربطها مترو. لندن شوارع متسخة وشقق لا تنفع قنا للدجاج، مدينة لا يوجد فيها إنكليز. عرب يشترون وهنود يبيعون. لكن في بيروت، يمكنك أن تجد ما تشاء في أية ساعة تشاء. بيروت مجتمع وألفة. في باريس كل بناية تشبه قرية منفصلة عن الأخرى. ليس ثمة مجتمع باريسي. في بيروت، إذا جلست في مقهى، تراودك الأفكار. إذا حييت شخصا ما تتبادل معه معلومة في السياسة أو الثقافة او غيرها. في بيروت، البشر لا تخشى البشر. هناك محبة في هذه المدينة وفضول لأن يتخاطب الناس مع بعضهم. مدينة رطوبتها عطر. بيروت تجمع البحر والجبل، المرقص والكنيسة والجامع، مقاهي ذات طابع خاص لفئة خاصة. أبشع ما في بيروت، جميل. يمكن لأنني نشأت فيها، قاتلت فيها، تعلمت فيها، عرفت معنى الحرية فيها، وعاينت الظلم الواقع على شعبنا فيها، من الدركي الذي كان يحكم مخيما بأسره إلى الطريقة التي ينطق فيها كلمة فلسطيني وكأنها شتيمة، ما جعلني أقيِّم واوزن قيمة الحرية في معادلة الإنسان لدرجة ان المعادلة اصبحت عندي: لا حرية، لا إنسان. لذلك، فإن علاقة عشقي ببيروت تساوي عشقي للحرية والكرامة ورفع الظلم ليس عن شعبي وعني فقط، بل عن كل مظلوم. لو قدر لي ان اكون في بلد مستقل وحر وديمقراطي وكان على بعد آلاف الأميال شعب يقاتل من أجل الحرية والكرامة والحياة، لتطوعت لأقاتل معه. يأتي المرء إلى هذه الحياة دون استئذان. لا أحد يسأله هل تريد أن تأتي؟ وعندما يخرج منها، فلا يستأذنه أحد أيضا. هناك هذه المسافة بين ميلاده المفروض وغيابه المفروض دون حرية، لذلك فإن هذه المسافة قصرت أم طالت، يجب أن تكون مشبعة بالحرية. بيروت علمتني الكثير. ضربة الفلقة من عناصر مخابرات المكتب الثاني اللبناني علمتني، كما علمني أساتذة قديرون أحترمهم جدا. تعلمت المنطق وأصول اللغة والفلسفة هنا من أجل أن أغذِّي فراغ المخ وتغذيه، كما القلب أيضا. عشت في بيروت بالقتال والسلم وبالحب وبالحب.

محاولة الإغتيال- بعد كل هذه السنوات، هل التقيت بمن خطط لمحاولة اغتيالك؟- كان عندنا في منظمة التحرير الفلسطينية قيم فكرية وسياسية. إغتالوا غسان كنفاني ولم يكن حمل سلاحا في حياته. كما حاولوا اغتيالي في مكتب مجلة ‘الهدف’. الرجل الذي حاول اغتيالي إسمه زامير. يعمل مديرا لشركة إسرائيلية اليوم. حاولت ذات مرة عبر بعض الأصدقاء استفزازه إذ تلقى مكالمة بدعوته إلى العشاء من قبلهم، وقالوا له بأنني سأكون حاضرا أيضا كإشارة على احتمال قيام سلام، إلا أنه ثار وهاج ورفض الدعوة قائلا لهم إن بسام أبو شريف كان ولا يزال خطيرا جدا، ولو قدر لي أن أغتاله مرة ثانية فلن أتردد لحظة. تم هذا الحديث التلفوني بحضوري وقد سمعته. قال لهم ‘إن كلام أبو شريف أشد خطرا على الإسرائليين من وابل الرصاص’. زامير فاشي. محاولة اغتيالي كانت خدعة من الموساد. كنت في تلك الفترة أجول على الإخوة منبها إياهم من إمكانية إرسال إسرائيل لهم طرودا مفخخة. وقررنا أن نشتري آلة لفحص المتفجرات كتلك الموجودة في المطارات، إلا أن الحكومة اللبنانية رفضت الأمر واعتبرت أن هذا عملا أمنيا من اختصاص الأجهزة المعنية الرسمية فقط. كان السيد جميل كبة وزيرا للاتصالات وقتها وقد اقترح أن يتم تمرير بريدنا على أجهزتهم لكشف المتفجرات، وبعد فحصها والتدقيق بها يتم إرسالها إلينا ممهورة بختم رسمي ‘مدقق خال من المتفجرات’. وهذا قبل اسبوع من محاولة اغتيالي. بريدنا اليومي كان ضخما جدا. والشاب المكلف بإحضار البريد إلينا بعد فحصه من قبل جهاز الامن اللبناني، كان يتوجب عليه المرور على مكتبنا في مخيم شاتيلا للتدقيق به مرة أخرى. لكنه اختصر الوقت وأتى بالبريد رأسا إلى مكتبنا. لم يكن المغلف مغلقا بل مفتوحا ومدققا ‘خال من المتفجرات’. كتاب جديد لتشي غيفارا، ضخم، لم أر مثيلا له، مزودا بالصور. لكنه كان مجوفا من الداخل. تركوا اول الصفحات وآخرها، إلا أنهم زرعوا عبوتين في الوسط، كان على الاولى أن تنفجر صعودا لتسبب دمارا شديدا في الرقبة والرأس، فيما تنفجر الثانية إلى الأسفل مستهدفة الصدر والبطن والأحشاء. بعد ذلك حاولوا قتلي بالغاز السام في المستشفى. فشلوا أيضا، ولاحقا تعرضت لكمائن وإطلاق نار في بيروت. – ما هي أكثر اللحظات التي أثرت فيك وكان استرجاعها صعبا عليك وأنت تستعيد مذكراتك في مؤلفك الجديد ‘أفضل الأعداء’؟- لا أحب أن أكون ذاتيا. لكنني لن أنسى أنني بعد الإنفجار كنت حاملا عيني على كفي. كانت مربوطة بشريان صغير. حملتها آملا بأن يستطيع الأطباء إرجاعها إلى مكانها. لم أكن قادرا على الرؤية ولا السمع. كانت هناك حفرة في وجهي، والدماء كانت تنزف كشلال. وكانت أصابع يدي لا تزال معلقة بالجلد إلى كفي ومتدلية إلى أسفل. هذا المشهد يؤلمني، وأصاب بالقشعريرة كلما تذكرت الأمر، القشعريرة ذاتها التي شعرت بها عندما لفح البرد جروحي. ألم بارد كالجليد يخترقني من إصبع قدمي إلى دماغي. وعندما حملني رجلان من كتفي بعد الإنفجار، ظننت بأنهم يريدون خطفي، فقاتلت، كانت حواس السمع والبصر عندي معطلة كليا. وبقيت أقاتلهم حتى وصلنا الطوارئ. متألم لكنني سعيد. ألم الإنتصار على الذات مبهج. استطعت الانتصار على ذاتي بعد هذه الحادثة. أسهل الامور كانت ان يقع بسام ابو شريف في اليأس والقنوط. أعمى، أصم، بلا أصابع. عالة على الآخرين. من قمة النشاط الفلسطيني عربيا وعالميا إلى لا شيء. لكن هذا لم يحدث، لأنني أصررت على الإستمرار. كان عندي 26 سنة، وكانوا يسمونني في الصحافة الأجنبية ‘القيادي الجاهز دوما لأن يلعب مباراة تنس’. عندما فتحت الطرد المفخخ، كنت واقفا وبيدي جريدة. وهذا ما أنقذني. المعركة بعدما فُجِّرت لم تعد معركة مع الإسرائيليين وحدهم، في لحظتها أصبحت معركة مع نفسي أيضا. استفقت بعدها بأسابيع، وسألت صديقا عن حالتي وطلبت منه بألا يخفي عني أي شيء. وبالفعل، عرفت كل ما يتعلق بحالتي واحتمالات فقداني البصر نهائيا. بدأت عندها بوضع مخطط في ذهني لكي أستمر، لا أن أتكل على الغير. راودتني كل السبل الممكنة لمواصلة الحياة في حالتي الصعبة. وعندما أزيلت الضمادات عن عيني، اكتشف الاطباء بأنني استرجعت البصر في إحدى عيني ومازحتهم. قالوا بأنه لن يكون بإمكاني القراءة فالنقطة الصفراء مدمرة في العين. لكنني لم أقف عند هذا الحد، إذ بدأت بتمارين مكثفة للعين حتى استعدت قدرتي على القراءة. أتمنى أن تنتصر الناس على ذاتها. وأن تتحول الانانية إلى منفعة عامة للآخرين.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية