إستراتيجية الحكومة الحالية في احتواء الأزمة المالية في المجالس البلدية تعتمد على تخفيض النفقات عبر العودة إلى صيغة البلديات القديمة وإخراج الجسم الجديد وهو مجالس اللامركزية من المعادلة.
عمان ـ «القدس العربي»: مبكرا نصح خبير بارز في مجمل ملف الإدارة المحلية في الأردن من وزن سامح المجالي، بأن تترك تجربة الحكم المحلي بعناصرها الجديدة أو المطورة تحت عنوان اللامركزية تنضج بمعزل عن بيئة التجاذب ومساحة الخلاف حتى يقطف الجميع آثار العمل اتلإنتاجي في الأطراف والمحافظات.
مؤخرا لاحظ المجالي ارتفاعا في مستوى النقاش حول جدوى وإنتاجية تعزيز مشاريع الإدارة المحلية.
بعد ما استعانت به «القدس العربي» يشدد المجالي على أن الصراعات حصلت بين المجالس البلدية وبين الجسم الجديد الوليد الذي يمثل مجالس المحافظات.
وتلك الصراعات ما كان ينبغي أن تبرز أو تترك بدون معالجات، وكان يمكن الحرص على احتوائها بمعنى تجويد وتحسين الأداء والتعاون أكثر ضمن مفهوم اللامركزية الإدارية مع العلم وفقا للمجالي بأن الأزمة المالية وأزمة النفقات لها بصمة لا يمكن إنكارها في تراجع أو بروز الأزمة.
واضح تماما ما يرشح عن أوساط مقربة من رئيس الوزراء الدكتور جعفر حسان، هو القناعة بأن تجربة مجالس المحافظات واللامركزية أخفقت وخرجت عن سكتها، ولم تعد ذات أولوية الآن خصوصا وأن وزارة الحكم المحلي التي يقودها المخضرم وليد المصري ترزح يوميا تحت وطأة إما الصراعات والخلافات بين لجان ومجالس اللامركزية والبلديات وإما تحت وطأة الأزمة المالية الخانقة.
الأوضح: إستراتيجية الحكومة الحالية في احتواء الأزمة المالية في المجالس البلدية تعتمد على تخفيض النفقات عبر العودة إلى صيغة البلديات القديمة وإخراج الجسم الجديد وهو مجالس اللامركزية من المعادلة.
لا تقول الحكومة علنا بذلك. لكن حرصها على تعديل قانون البلديات مجددا قد يكون الخطوة الأولى على درب التخلص من هيئات اللامركزية وإغلاق ملفها.
يعني ذلك عمليا أن تجربة البرلمانات المحلية على المستوى البلدي أجهضت أو تجهض الآن، وبدلا من سعي الحكومة لمعالجة الثغرات والعثرات تخطط لما هو أبعد وأعمق في العودة لصيغة المجالس البلدية مثلما كانت قبل مقترحات اللامركزية.
يدرس الوزير المصري خياراته في ظل الواقع الموضوعي هنا.
وبعض التعديلات التي تدرس حاليا قد تنتهي مجددا بوقف حالة انتخاب رئيس البلدية في مجالس بلدية كبرى شاغل رؤساؤها المنتخبون الحكومة وناكفوها، الأمر الذي يعني مزع صفحة عمليا من كتاب الديمقراطية في الإدارة المحلية والبلدية وسط قناعة بعض الوزراء بأن معالجة الأزمات الإدارية والمالية في البلديات الكبرى مع وجود رؤساء بتقنية التعيين وليس الانتخاب هو الخيار الإنتاجي الأفضل.
مثل هذا التضخيم في الحديث عن أهمية التعيين لرؤساء البلديات الكبرى قد ينطوي على خطوة تبريرية فيها تراجع كبير عن الديمقراطية والعمل الانتخابي.
وما يقوله البيروقراطيون خلف الستائر إن مفهوم المحافظة الإنتاجية سقط في عدة امتحانات، والانتخاب والديمقراطية ليسا أولوية للمواطنين خصوصا مع وجود أزمة نفقات مالية في العمل البلدي.
لذلك يعتقد أن مشروع مجالس المحافظات واللامركزية الذي عرض من 15 عاما ونفذ مرتين حتى الآن فقط «قد يترنح» قليلا تحت ضغط تعديلات تشريعية وقرارات حكومية بعد ما بقي مشروعا واتجاها مدللا تم تسويقه على أساس أنه خطوة إصلاحية كبيرة في مجال العمل البلدي.
ممارسات الأعضاء المنتخبين في مجالس المحافظات التي بالغت في البحث عن امتيازات مادية تحديدا كان لها دور من الصعب إنكاره في إفشال التجربة.
وما يقترحه المجالي بالخلاصة بعيدا عن خطط الحكومة حاليا هو العودة إلى منهجية المحافظات الإنتاجية، ملمحا لقناعته بأن مشروع الأقاليم بدوره ينبغي أن يعود لصدارة المشهد.
لكن هذه العودة قد لا تكون متاحة مرحليا في ظل منطق الجباية الذي طغى على خطاب الإصلاح مؤخرا عند حكومة التكنوقراط الاقتصادي والتي تقدر بدورها بأن حلول الأزمات هي التي يتوجب أن تتصدر خصوصا وأن أحدا في الملف البلدي على المستوى الرسمي أو الشعبي لن يظهر أي أسف من أي صنف على مشروع اللامركزية ومجالس المحافظات إذا ما أغلقت الحكومة الملفات.
لم يطالب الشعب الأردني في الماضي باللامركزية. بالتالي التخلص منها لن يؤدي إلى مشاعر غاضبة.
الحكومة كانت محور الاقتراح والتجربة وتنفيذ الفكرة بانتخابات مجالس المحافظات انتهى باستخدام فرصة الديمقراطية المحلية للشخصنة وللصعود إلى الانتخابات العامة.
حكومة سابقة هي التي اقترحت اللامركزية ومن دون حوار وطني. والحكومة الحالية هي التي تسعى لإنهاء التجربة ومن دون حوار وطني أيضا.
والفكرة ان أحدا في الشارع ليس بصدد الاعتراض إلا ضحايا التخلص من اللامركزية الذين احتفظ بعضهم بطموحات تبدأ في الأطراف والمحافظات ثم تصل إلى المركز والمسرح الرئيسي في العاصمة عمان.
الحكومة الحالية أعلنت نيتها تعديل قانون البلديات. لكنها لم تقل كيف ومتى وبأي اتجاه، والضحية المرتقبة على الأرجح محاولة إصدار شهادة وفاة لمشروع اللامركزية.