غادي آيزنكوت الذي كان السكرتير العسكري لأرئيل شارون في بداية الانتفاضة الثانية، ذكّر زملاءه بما حصل في حملة “السور الواقي”، الحملة العسكرية التي أعادت للجيش الإسرائيلي سيطرته على معاقل الإرهاب وأنهت إرهاب الانتحاريين. أقتبس أقواله من مصدر ثالث. قال: “كان للحملة مهمتان: تصفية الإرهاب، وتقويض السلطة الفلسطينية. اليوم، بعد 22 سنة من الحملة، ثمة إرهاب في “يهودا والسامرة”، والسلطة الفلسطينية موجودة أيضاً”.
ذكرى حملة “السور الواقي” تثور أحياناً في المداولات على الحرب في استوديوهات التلفزيون. كانت الحملة بطولية، والنجاح مبهراً. من الخسارة أن المحللين يربطون إنجازات لم تكن للحملة. حسب النشر الرسمي، فإن الحملة استمرت شهراً ونصف شهر، في ربيع 2002. ثمة من يدعي أن الحملة استمرت سنتين؛ وثمة من يدعي بأنها مستمرة حتى اليوم.
الاستنتاج واضح: لا انتصارات مطلقة في جولات الحروب في الساحة الفلسطينية: كانت إسرائيل والمنطقة ستخرجان كاسبتين لو أبيدت منظمة الإرهاب الجهادية حماس حتى الحماسي الأخير. لكن أحد الأمور التي تعلمناها في حروبنا هو أن من يدعي بأنه سيحقق في ميدان المعركة أكثر مما هو قادر على أن يبتلعه، ينتهي بمصيبة. لقد انتصرت إسرائيل على أعدائها بطريقة أخرى – بما فعلته بين الجولات. يذكرنا توماس فريدمان، رجل الـ “نيويورك تايمز”؛ عندما ضيعت المنظمات الفلسطينية الهدن بين الجولات على الإرهاب والفساد وتنمية الكراهية وحفر الأنفاق، بنت إسرائيل اقتصاداً قوياً، جيشاً حديثاً، ديمقراطية هائجة وحياة نزيهة. انتصرت حماس في 7 أكتوبر. ليس في هذا النصر ما تحسد عليه.
الإثنين بعد الظهر، تلقينا ضربة قاسية؛ حدث سقط فيه 21 مقاتلاً وقع قرب الحدود قبالة “كيبوتس كيسوفيم”. كانت حادثة على هوامش الحرب: لم تكن لها صلة بالجهد العسكري الأساس، في غرب خانيونس. مثل كثيرين، وجدتُ صعوبة في احتواء الأسى والغيظ حيال سقوط الجنود، وهو سقوط كان يمكن منعه ظاهراً، ومع ذلك أعرف أنها طبيعة الحرب؛ فالحروب لا تأتي مع بوليصة تأمين.
في الحروب التي تديرها دول ديمقراطية، ليس عدد القتلى في أوساط العدو هو ما يقرر، بل عدد القتلى في أوساط قواتنا. هذا صحيح أيضاً في الحرب الحالية، التي عدالتها ليست موضع جدال. من زاوية معينة، يبدأ الجمهور بإجراء حساب الثمن حيال الإنجازات، والكلفة حيال المنفعة. لا أعتقد أن عدد الضحايا يوم الإثنين غيّر تأييد الشارع الإسرائيلي للحرب في شيء، لكن بنظرة للمستقبل، فإن للثمن معنى.
هكذا كان في لبنان: ما لم يرتفع عدد الضحايا عن بضع عشرات في السنة، كان بقاء الجيش الإسرائيلي في لبنان يحظى بتأييد جماهيري واسع. مصيبة المروحيتين في شباط 1997، قلب الجرة على فمها. الاحتجاج تصاعد، وإيهود باراك وبنيامين نتنياهو المرشحان لرئاسة الوزراء، اضطرا للتعهد بالانسحاب إلى خطوط الهدنة (باراك انتصر في الانتخابات وأوفى بوعده).
ما ينبغي أن يقلقنا في هذه المرحلة من المناوشات، في غزة وفي الحدود اللبنانية أيضاً، هو الفجوة المتسعة بين فهم المستوى السياسي، وفهم المستوى العسكري، وتوقعات الجمهور، والفهم الأمريكي، والواقع على الأرض. آمل أن أتناول بتفصيل أوسع هذه المسألة بعد يومين في ملحق السبت، لكني الآن سأطرح بضع نقاط باختصار.
يعد نتنياهو يومياً بتواصل الحرب حتى النصر التام على حماس. لا يوضح ما طبيعة هذا النصر، وأي واقع سيولده. دور المستوى السياسي هو تحويل الإنجاز العسكري إلى اتفاق، إلى مستقبل يمكن التعايش معه. أما نتنياهو فقد أعفى نفسه من هذه المسؤولية.
يشدد الجيش الإسرائيلي إنجازاته على الأرض: فككنا 17 كتيبة لحماس. كل منها تصل إلى حجم لواء – ناقص في الجيش الإسرائيلي. الكتيبة الـ 18 تقصف خانيونس الآن. لحماس 24 كتيبة بالإجمال. قتل حتى الآن 10 آلاف من مقاتليها (ثمة من يذكر عدداً أدنى من ذلك بكثير ويدعي بأن ليس كل من ينتمي لحماس يعتبر مقاتلاً). لكن قيادة حماس، أولئك الثلاثة أو الخمسة الموجودون على رأس قائمة المطلوبين، ما زالوا أحياء، وكذا المقاتلون، بل ويعملون: الحرب حولت المنظمة من جيش منظم إلى منظمة عصابات. لم تشلها ولم تهزمها، أو لطفت حدة شروطها لتحرير المخطوفين. لم تتحقق توقعات الجيش في هذا الموضوع.
وبالأساس: الإنجازات العسكرية تتآكل بغياب قرارات في المستوى السياسي. إن رفض نتنياهو اتخاذ قرارات لليوم التالي يعيد حماس إلى الصورة، ويؤدي بإسرائيل إلى مواجهة قاسية مع الإدارة الأمريكية ومع الدول العربية المعتدلة.
بغياب قرارات، يفعل الجيش الإسرائيلي ما يمكنه حسب ما يراه. وإن تقليص القوات في القطاع، ما يسمى المرحلة الثالثة، تم دون تعليمات من الكابينت. ربما بقي هناك أمل لأحد ما في مكتب رئيس الوزراء بأن ينتج عن القتال في غرب خانيونس صورة نصر يمكن التباهي بها. آيزنكوت، في المقابلة المشوقة التي منحها لايلانا دايان، قدر بأن لا صورة كهذه يمكن تحقيقها. وأقدر بأنه مزاج قيادة الجيش الإسرائيلي أيضاً.
مثلما أعيد بعض المخطوفين إلى الديار عشية وقف النار، تحتاج إسرائيل لصفقة كما تحتاجها حماس تقريباً. لا توجد صفقة في هذه اللحظة: ثمة أفكار إسرائيلية غير ملزمة تهمس في آذان القطريين والأمريكيين. ليتها تكون: فهي لن تعيد المزيد من المخطوفين فقط، بل ستوفر أيضاً للمستوى السياسي سلماً ينزل عنه إلى أرض الواقع.
ناحوم برنياع
يديعوت أحرونوت 24/1/2024