بعد عام على انفجار المرفأ: التدهور الاقتصادي في لبنان وصل إلى مستوى غير مسبوق

عبد معروف
حجم الخط
0

تبدلت الحياة في لبنان، ولم تعد كما كانت خلال سنوات مضت، غاب الازدحام في المقاهي والمطاعم والأماكن السياحية، واصطف المواطنون في طوابير أمام محطات الوقود، والصيدليات والمحلات التجارية يبحثون عن مواد غذائية وأدوية وحليب الأطفال.
أقفلت شركات تجارية ومؤسسات اقتصادية أبوابها وارتفعت أسعار السلع الاستهلاكية والغذائية بصورة فاقت قدرة اللبنانيين على الشراء، ما أدى إلى ارتفاع نسبة البطالة والفقر، ودفع العديد من المؤسسات والمنظمات الدولية لإطلاق النداءات العاجلة من أجل وضع حد للانهيار الإنساني الذي يتعرض له المواطنون واللاجئون والمقيمون على أرض لبنان.
نزار مواطن لبناني يقف إلى جانب زوجته وطفله الوحيد داخل قاعة السفر في مطار بيروت الدولي، بانتظار موعد إقلاع الطائرة إلى كندا «الحياة لم تعد تطاق في لبنان» قال لـ«القدس العربي» وأضاف، «قررت أنا وعائلتي الهجرة من وطني إلى كندا، بعد أن ضاقت سبل العيش، وأصبحنا نمضي وقتنا نبحث عن دواء أو حليب لأطفالنا. الأسعار ارتفعت بشكل جنوني مع انهيار الليرة اللبنانية، ولم تعد مرتباتنا الشهرية تكفي لشراء الخبز والمواد الغذائية. لا كرامة لنا في بلدنا، العتمة تعم بيوتنا، لا كهرباء، ولا مياه، ولا عمل .. كيف نعيش، كيف سيعيش أولادنا أمام هذا الواقع المأساوي؟» ويهمس بصوت خافت «نغادر الموت .. نغادر جهنم، نحاول إيجاد فرصة من أجل حياتنا وحياة أطفالنا».

معدل الفقر تجاوز 55 في المئة

أمام الأرقام الصادمة، وحالة الانهيار المعيشي، حذرت مؤسسات ومنظمات دولية معنية بحقوق الإنسان من الأوضاع القاسية في لبنان، وأكد المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان، في تقرير بعنوان «لبنان…الانزلاق إلى الهاوية» أن «الأزمات المتفاقمة في لبنان وعجز الحكومة عن التعامل معها أوصل الأوضاع في البلاد إلى مستوى غير مسبوق من التدهور بمعدلات فقر تجاوزت 55 في المئة، فيما بات أكثر من 50 في المئة من العمال عاطلين عن العمل» محذرا من التبعات الخطيرة على عيش ملايين السكان وسلامتهم.
وعرض المرصد في تقريره، الجوانب المختلفة للأزمة الاقتصادية التي تضرب البلاد منذ نحو عامين، ومدى انعكاسها على الأوضاع الإنسانية والمعيشية للبنانيين، في ظل عدم وجود بوادر جادة للتخفيف من حدة الأزمات المتلاحقة في وقت قريب.
وارتكز التقرير، إلى جانب جهود البحث، على عشرات المقابلات التي أجراها الفريق الميداني للمرصد الأورومتوسطي في لبنان، وشملت مسؤولين نقابيين، ومديرين تنفيذيين، وأطباء، وطلاباً في الخارج وذويهم، وأهالي ضحايا انفجار مرفأ بيروت، حيث استعرض من خلالها أسباب الأزمات ومدى تأثيرها على اللبنانيين من الناحية المعيشية، وكذلك سياسات الدولة في مواجهة هذه الأزمات التي باتت تتفاقم يوما بعد يوم على نحو متسارع. وأوضح أنه «على رغم أن لبنان يعاني أزمات عدة بخلاف الأزمة الاقتصادية، مثل جائحة كورونا وتوابع انفجار مرفأ بيروت، إلا أن الأزمة الاقتصادية كان لها الأثر السلبي الأكبر على حياة اللبنانيين، إذ عانت الدولة خلال العام الماضي من كساد اقتصادي كان سببه انكماش النمو في الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 20.3 في المئة، إضافة إلى وصول معدلات التضخم إلى أكثر من 100 في المئة، فضلاً عن أن سعر صرف الليرة اللبنانية يشهد تدهورا غير مسبوق، ومعدلات الفقر تتزايد في شكل حاد».

الارتفاع الحاد في أسعار السلع

وأبرز التقرير أزمة الارتفاع الحاد في أسعار السلع والخدمات الأساسية في لبنان بصفتها إحدى أكبر الأزمات التي يعاني منها المواطنون، إذ قفزت أسعار نحو 17 سلعة أساسية بنسب وصلت إلى 350 في المئة، بسبب تدهور سعر صرف العملة المحلية مقابل الدولار، والتي فقدت ما نسبته 100 في المئة من قيمتها خلال أقل من عامين. وذكر أن العمال المهاجرين في لبنان تضرروا أيضا من الأزمة الاقتصادية بشكل حاد، إذ بات أكثر من نصف هؤلاء غير قادرين على تلبية حاجاتهم الغذائية ويقيمون في ظروف غير آمنة ودون المستوى المطلوب، بسبب عدم ملاءمة المساكن، وارتفاع الإيجارات والتهديد بالإخلاء.
وسلط التقرير الضوء على تداعيات انفجار مرفأ بيروت والمستجدات المتعلقة بمسار التحقيقات. حيث أصدر المحقق العدلي القاضي طارق البيطار مطلع الشهر الماضي، قرارا بالادعاء على عدد من المسؤولين العسكريين والأمنيين في القضية، إلا أن السلطات المعنية لم تتعاون حتى الآن مع طلباته، ما يثير الشكوك حول جديتها في عدم عرقلة مسار العدالة في قضية انفجار مرفأ بيروت، والتي تحظى باهتمام محلي ودولي واسع. وتناول التقرير الأزمات اليومية التي يعاني منها اللبنانيون كأزمة المحروقات والكهرباء والتحويلات المالية إلى الطلاب في الخارج، وأزمة الخبز الذي ارتفع سعره 8 مرات خلال العام الحالي فقط، ليصل سعر ربطة الخبز (876 غراما) إلى 4500 ليرة لبنانية (3 دولارات أمريكية) ما جعل جزءا كبيرا من اللبنانيين يواجهون صعوبة في توفير ما يكفي من خبز لعائلاتهم.
وأشار إلى أزمة القطاع الصحي، «التي أضحت تهدد حياة مئات المرضى الذين أصبحوا غير قادرين على تأمين ما يلزمهم من الأدوية الرئيسية الشحيحة أصلا، خصوصا تلك المتعلقة بالأمراض المزمنة كالضغط والسكري، والخطيرة كالسرطان، فضلاً عن عدم توافر المستلزمات الطبية في المستشفيات الحكومية بشكل كاف، الأمر الذي أثّر بشكل كبير على الخدمات الصحية المقدمة للبنانيين، بما في ذلك الفحوص التشخيصية والعمليات الجراحية».
وأوصى المرصد الأورومتوسطي «السلطات اللبنانية بضرورة وضع خطة عمل عاجلة لمعالجة الأزمات الرئيسية، والحيلولة دون تدهورها بشكل أكبر، على أن تشمل الخطة إجراءات متوازية في مختلف القطاعات لضمان إحداث تغيير إيجابي فعلي في حياة اللبنانيين». كما حضّ السلطات على «تنفيذ عمليات إصلاح إداري واقتصادي شاملة لمواجهة احتمال انهيار أمني كبير نتيجة الفقر وغياب الحاجات الأساسية والفساد المستشري في مختلف مفاصل الدولة».
ودعا المرصد المجتمع الدولي إلى «اتخاذ إجراءات عاجلة وحازمة للضغط على السلطات لمنع تفاقم الأزمات التي يعاني منها اللبنانيون وضمان توفير الحاجات الأساسية لهم، بما في ذلك مراقبة أداء السلطات اللبنانية في ما يتعلق بتوجيه المساعدات المقدمة للبنان، ومراقبة أداء مؤسسات الدولة بهدف مكافحة الفساد وتعزيز دور السلطة القضائية.

قنابل اقتصادية موقوتة

ونادرا ما تراكم كم كبير من القنابل الاقتصادية الموقوتة في فترة وجيزة من الزمن بالحجم الذي يتراكم الآن في لبنان، وفي احصاءات من منظمات ومؤسسات محلية ودولية أكدت أن 64 في المئة من الأطفال من أصل 2.1 مليون طفل يعيشون في لبنان أي 1.344 طفل منهم، بحاجة إلى دعم سريع .وأن 9 في المئة من الأسر أرسلت أطفالها إلى العمل و15في المئة منها أوقفت تعليم أطفالها و400 ألف طفل باتوا خارج المدرسة.
وتشير الإحصاءات التي أعلنتها مؤسسات ومنظمات محلية ودولية إلى أن أكثر من 30 في المئة من الأسر في لبنان لديها طفل واحد على الأقل، تخطّى إحدى وجبات الطعام الأساسية أو نام بلا عشاء و77 في المئة من الأسر تقول انها تفتقر إلى ما يكفي من طعام أو ما يكفي من المال لشراء الطعام و80 في المئة من الأطفال أصبحوا أسوأ حالا مما كانوا عليه في بداية 2020 و30 في المئة من الأطفال لا يتلقون الرعاية الصحية الأولية التي يحتاجون إليها.
وتؤكد على أن نسبة الفقر ارتفعت بين السكان في لبنان بمعدل 3 أضعاف وبالتالي بمقياس الفقر المدقع 30 في المئة ينامون ببطون خاوية.
وأكثر من 95 في المئة من العاملين في لبنان يتقاضون رواتبهم بالليرة التي فقدت الجزء الأكبر من قيمتها الشرائية، و70 في المئة من العاملين تراوح رواتبهم الشهرية ما بين 1.5 و3 ملايين ليرة. فيما حسب «الدولية للمعلومات» 85 في المئة من الرواتب لا تكفيها الأساسيات، وان 2.5 مليون شخص من السكان يجدون صعوبة في الحصول على احتياجاتهم الأساسية، وان نسبة الغلاء ارتفعت خلال الأشهر الأخيرة 415 في المئة. وان السلة الغذائية التي كانت كلفتها لعائلة من 4 أشخاص كانت توازي 450 ألف ليرة أصبحت توازي الآن 2.50 مليون ليرة. وقد صنف البنك الدولي الانهيار الاقتصادي في لبنان من ضمن أسوأ 10 أزمات عالمية منذ منتصف القرن التاسع عشر، يعاني فيه أكثر من نصف اللبنانيين من انعدام الأمن الغذائي. كما أظهرت دراسة في كلية الصحة في الجامعة اللبنانية أن مدخول نحو 37.70 في المئة من السكان يقل عن 1.5 مليون ليرة شهريا أي أقل من 80 دولارا ونحو 20.1 في المئة لا يتقاضون أي مدخول، وان عدد الذين كانوا يصنفون ضمن الطبقة المتوسطة والغنية تراجع بنسبة 50 في المئة وان 37.90 من أسباب الاستدانة لتوفير الغذاء تليها 18.30 لتسديد الإيجار وان نحو 40 في المئة يلجأون لبيع أثاث منازلهم لتأمين الغذاء و25 في المئة لجأوا إلى بيع أصولهم الإنتاجية، وان 83 في المئة ممن يعانون من انعدام الأمن الغذائي يقترضون لثلاثة أيام في الأسبوع للحصول على الغذاء و30 في المئة يقللون طعامهم ليكفي 4 أيام.

عمالة الأطفال

وحذرت منظمة الأمم المتحدة للطفولة «اليونيسف» من حالة الركود الاقتصادي وانعكاساتها الخطيرة على الأطفال في لبنان، وأكدت في تقرير لها أن الركود الاقتصادي هو مجرد أزمة من الأزمات الكثيرة التي تتضافر لتزيد حجم التدهور الحاصل في لبنان. ومن الأزمات الأخرى تأثير جائحة كوفيد-19 والإنفجار الهائل في مرفأ بيروت في آب/اغسطس 2020 وعدم الاستقرار السياسي المستمر. بالغضافة إلى كل ذلك، يوجد في لبنان أعلى نسبة من اللاجئين في العالم مقارنة بعدد سكان البلاد، حيث يأوي لبنان 1.5 مليون لاجئ سوري وأكثر من 270 ألف لاجئ فلسطيني.
إزاء التضخم الكبير الذي ضرب لبنان واتساع نسبة البطالة فيه، يجد السكان صعوبة متزايدة في الوصول إلى الخدمات الأساسية، التي تستمر جودتها في التراجع بسرعة هائلة. وقد زاد الفقر بين اللبنانيين، بينما ارتفع الفقر المدقع ثلاث مرات ليصل إلى 28 في المئة بعدما كان 9 في المئة.
ويبقى الأكثر تضررا من كل ما حدث ويحدث، الأطفال في جميع أنحاء لبنان. والأسوأ، أنه مع عدم وجود بوادر حل تلوح في الأفق للأزمة الشديدة، فإن الخطر يبقى يحوم حول صحة هؤلاء الأطفال وسلامتهم ومستقبلهم الذي أضحى على المحك.
يزداد عدد الأهالي ممن يجدون إستحالة في إعالة أطفالهم. لذا، بعد استنفاد جميع الخيارات المتاحة، يدفع اليأس الكثيرين منهم إلى إتخاذ إجراءات يائسة لدعم أسرهم، بينها إرسال أطفالهم إلى العمل بدل المدرسة، ودفع بناتهم إلى الزواج في عمر مبكر، وغض النظر عن تخطي صغارهم لوجبات طعام رئيسية، وتراكم دين لا يستطيعوا لا لا تزيد أعمارهم عن ست سنوات يسرحون تحمله ولا سداده. نرى أطفالا في الشوارع ويعملون في الحقول الزراعية ومرائب السيارات او في البناء تحت عين الشمس. ويتعرض هؤلاء حيث يعملون إلى مخاطر الإستغلال والعنف وسوء المعاملة.
استعصاء الأزمات، وعدم التوافق على إيجاد الحلول لإنقاذ لبنان يدفع معظم المواطنين والمقيمين واللاجئين إلى الهجرة والبحث عن دول أجنبية يمكن لها أن تستقبلهم مع أطفالهم وتوفر لهم حياة كريمة وفرصة للعمل.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية