بعد عرض جنوب أفريقيا اتهامها لإسرائيل بارتكاب إبادة جماعية في غزة غضب وتوجس في إسرائيل انتظارا لأمر احترازي من العدل الدولية في لاهاي

وديع عواودة
حجم الخط
1

الناصرة ـ «القدس العربي»:  أعرب كبار المسؤولين في إسرائيل عن غضبهم وسخطهم على العرض الذي قدمته جنوب أفريقيا في محكمة العدل الدولية في لاهاي (الخميس) فيما يتعلق باتهامها إسرائيل بارتكاب جرائم إبادة جماعية في قطاع غزة. وندّد رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو بجنوب أفريقيا، معتبراً أنها «تمثل الوحوش من حركة حماس وتتهم إسرائيل بارتكاب إبادة جماعية، بينما تخوض هذه الأخيرة حرباً ضد الإبادة الجماعية». وقال نتنياهو في بيان مصوّر عشية انطلاق أعمال المحكمة الدولية في هاغ: «إن قضية جنوب أفريقيا في لاهاي هي دليل على عالم انقلب رأساً على عقب. إننا نواجه منظمة إرهابية ترتكب أسوأ جريمة ضد الشعب اليهودي منذ المحرقة النازية، والآن، يأتي أحدهم للدفاع عنها باسم المحرقة… يا لها من وقاحة. إن نفاق جنوب أفريقيا يصرخ نحو السماء. فأين كنتم يا جنوب أفريقيا عندما قُتل الملايين من الناس، أو شُردوا من ديارهم في سوريا واليمن، وعلى أيدي من؟ على أيدي شركاء حركة حماس». ووصفت وزارة الخارجية الإسرائيلية القضية بأنها «واحدة من أعظم عروض النفاق في التاريخ» وهكذا عنونت معظم وسائل الإعلام العبرية صفحاتها الرئيسية ونشراتها الإخبارية متساوقة مع الرواية الرسمية وسط تجاهل مريع للمذابح في غزة. وقال الناطق بلسان وزارة الخارجية في بيان نشره على منصة «إكس» («تويتر» سابقاً) إن جنوب أفريقيا تعمل كـ»ذراع قانونية لحركة حماس الإرهابية، وتتجاهل تماماً حقيقة أن إرهابيي حماس تسللوا إلى إسرائيل، وقتلوا وأعدموا وذبحوا واغتصبوا واختطفوا مواطنين إسرائيليين، وذلك ببساطة لكونهم إسرائيليين، في محاولة لتنفيذ إبادة جماعية». وفي هذه المسألة لا يبقى أي اختلاف بين يمين ويسار في إسرائيل فقد انتقد رئيس حزب «يوجد مستقبل» وزعيم المعارضة عضو الكنيست يائير لابيد جنوب أفريقيا، وقال في بيان مصور نشره على منصة «إكس»: «ليست إسرائيل هي التي تحاكَم اليوم، ولكن نزاهة المجتمع الدولي. إذا وُجد البلد الذي يحمي نفسه من هجوم إرهابي وحشي وقاتل، يُحال على هذه المحكمة بتهمة الإبادة الجماعية، لقد تحولت اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية إلى مكافأة للإرهاب ومعاداة السامية. وبدلاً من محاكمة القتَلة، العالم يحاكم القتلى». ومن المنتظر ان يصدر قرار احترازي مرحلي من المحكمة في غضون أيام وهناك عدة سيناريوهات مفتوحة أخطرها بالنسبة لإسرائيل دعوة فورية لوقف الحرب على غزة.

داريفوس القرن الواحد والعشرين

ووصف رئيس حكومة الاحتلال السابق نفتالي بينت هذه المحكمة في بيان صادر عنه، بأنها «قضية دريفوس في القرن الـ21» في إشارة إلى المحاكمة اللاسامية الشهيرة لضابط يهودي في فرنسا قبل أكثر من 100 عام. وأضاف أن هذا عرض مخزٍ للنفاق، ولمعاداة السامية الصارخة.
كما أعربت الجماعة اليهودية في جنوب أفريقيا عن دعمها لإسرائيل في مواجهة مزاعم الإبادة الجماعية وقال بيان صادر عن مجلس المندوبين اليهود في جنوب أفريقيا: «تتجلى ازدواجية خطاب جنوب أفريقيا وازدواجية المعايير لديها أيضاً في إصرارها على البقاء على الحياد والتحدث مع الجانبين في الحرب الروسية – الأوكرانية. ومع ذلك، في حالة إسرائيل، اتبعت إجراءات عقابية مستمرة، بما في ذلك رفضها تقديم التعازي إلى إسرائيل بعد مذبحة 7 تشرين الأول/أكتوبر، وإغلاق سفارة جنوب أفريقيا، وتوجيه احتجاج إلى السفير الإسرائيلي، والآن، إحالة إسرائيل على محكمة العدل الدولية». وأضاف البيان أن حركة «حماس» هي التي بدأت هذه الحرب، ويمكن أن تنهيها، مؤكداً أنه يمكن لجنوب أفريقيا أن تلعب دوراً في تسهيل ذلك.
وترى جنوب أفريقيا في الدعوى التي رفعتها إلى محكمة العدل الدولية أن إسرائيل ترتكب جرائم إبادة جماعية ضد الفلسطينيين في قطاع غزة خلال الحرب التي يشنها الجيش الإسرائيلي ضد حركة «حماس» منذ يوم 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 كما أكدت أمام المحكمة أن هذه الحرب تنطوي على جهد متعمّد لتدمير الحياة في القطاع. وعرضت جنوب أفريقيا اتهاماتها أمام المحكمة الخميس وردّت إسرائيل على هذه الاتهامات الجمعة مركزة على السابع من اكتوبر وكانه لا قبله ولا بعده.

مستندات جنوب أفريقيا

وتشير النقاط الأساسية في الحجج التي عرضتها جنوب أفريقيا أمام محكمة العدل الدولية إلى عدد القتلى المرتفع في صفوف السكان المدنيين الفلسطينيين في قطاع غزة، والأضرار الواسعة التي لحقت بالبنى التحتية المدنية، وإمكانية الوصول المحدودة جداً إلى المواد الغذائية والماء والإمدادات الطبية والعلاج الطبي بالنسبة إلى سكان غزة، والقيود المفروضة على دخول الوقود إلى القطاع. كعادتها غردت صحيفة «هارتس» العبرية خارج القطيع الإعلامي العبري فكرست افتتاحيتها الأخيرة لانتقاد حكومة الاحتلال وساستها فقالت إن النقاش الذي دار الخميس في محكمة العدل الدولية بشأن الشكوى المقدمة من جنوب أفريقيا، والتي تطالب المحكمة بإقرار وجود نية إسرائيلية لارتكاب إبادة جماعية في قطاع غزة، وإصدار أمر فوري بوقف إطلاق النار، أكد مدى عدم مسؤولية نواب الشعب في إسرائيل. وقالت ساخرة إن خلال الجلسة، استشهد الطاقم القانوني الجنوب أفريقي بعدد لا يحصى من «الجواهر» التي تفاخر بها مَن يُفترض بهم الحرص على المواطنين الإسرائيليين، وقيادتهم بمسؤولية خلال هذه الحرب الصعبة، عسكرياً، أو دبلوماسياً. وتابعت «لقد جرى الاستشهاد بما كتبه رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو في رسالة موجهة إلى الجنود في الجيش الإسرائيلي: «تذكروا ما فعله العماليق بكم»؛ وما قاله وزير الدفاع يوآف غالانت عندما هدد «سنقطع الكهرباء والمياه والطعام والوقود عن غزة. سنوقف كل شيء، لأن إسرائيل تحارب حيوانات، أردتم جحيماً، وستحصلون عليه»؛ الوزير يسرائيل كاتس الذي أصبح الآن وزيراً للخارجية، «تألق» أيضاً عندما دعا إلى إغلاق حنفية المياه إلى غزة لأن «هذا ما يستحقه قتَلة الأطفال». أمّا وزير التراث عميحاي إلياهو الذي اعتقد أن إلقاء قنبلة نووية على غزة أمر ممكن، فقد جرى ذكره أيضاً بسبب قوله «يجب إيجاد طرق للتسبب بمعاناة غزة».

هرتسوغ يوقع على قذيفة

وتمضى «هارتس» في انتقاداتها وتطال رئيس الدولة أيضا: «لكن ليس صقور اليمين، الذين اعتادوا التصريحات العنيفة، هم الذين خدموا شكوى جنوب أفريقيا. بل جرى الاستشهاد أيضاً بكلام رئيس الدولة يتسحاق هرتسوغ، الذي من المفترض أن يكون «مسؤولاً وموزوناً» عندما قال: «الخطاب القائل إن المدنيين غير ضالعين في القتال غير صحيح». «وسنقاتل حتى نهزمهم». كما أشار محامو جنوب أفريقيا إلى أن هرتسوغ وقّع قذيفة أُطلقت على القطاع. منوهة انه عندما تكون هذه هي الحال في قيادة الدولة، فما يمكن القول عن الفيديوهات من الميدان، التي تصور جنوداً يرقصون ويغنون «لنسحق نسل العماليق» أو يقولون «بعون الله، حي الشجاعية في مدينة غزة، سيصبح الحي المرحوم الشجاعية» و«هدمنا 30 بيتاً. أمر رائع». وتعتبر «هارتس» إن الدرس الأساسي من نقاش الأمس هو أن الكلام له أهمية، وأن ضرراً حقيقياً – قانونياً – ودولياً ـ ودبلوماسياً، يمكن أن يحدث بسبب تصريحات مسيئة وغير مسؤولة. وتضيف: «لكن ثمة شكا في أن هذه الحكومة السيئة التي يرأسها شخص عديم المسؤولية، يمكن أن تستخلص الخلاصات المطلوبة. من هنا، لم يبق لنا سوى الأمل بأن إسرائيل قد أوضحت في جلسة الاستماع وقبل كل شيء، من خلال أفعالها في الميدان، ما هي نياتها الحقيقية إزاء غزة».

كابينيت الحرب

في سياق متصل ذكرت قناة التلفزة الإسرائيلية 13 أمس أن نتنياهو رفض للمرة الثالثة أن يبحث «كابينيت الحرب» الإسرائيلي خلال اجتماعه، الذي عُقد الليلة قبل الماضية، في أي قضية تتعلق بـ«اليوم التالي للحرب» ضد قطاع غزة، وأكد في مستهل الاجتماع أنه لن يتم تداوُل هذا الموضوع حالياً، وإنما قضايا أُخرى. واقتصر اجتماع «كابينيت الحرب» على تقديم تقارير أمنية ومعلومات تتعلق بالاتصالات المرتبطة بصفقة تبادُل الأسرى مع حركة «حماس» والتي تبين منها أنه لم يحدث أي تقدُّم في هذا السياق، كما أكدت قناة التلفزة. وأشارت القناة إلى أن هذه المرة هي الثالثة التي يتم فيها إلغاء مداولات بشأن «اليوم التالي للحرب» بسبب رفض نتنياهو إجراء مداولات كهذه، تحسباً لردة فعل الوزيرين بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير اللذين يهددان بإسقاط الحكومة في حال تم تداوُل مسألة إنهاء الحرب على غزة والبحث في المرحلة التالية. كما نقلت قناة التلفزة عن مسؤولين رفيعي المستوى في الحكومة قولهم إن الاجتماعات التي عقدها وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن مع وزراء إسرائيليين، بما في ذلك اجتماعه مع «كابينيت الحرب» أظهرت العديد من المواضيع الخلافية، إذ طالب بدمج حل الدولتين ضمن الرؤية الإسرائيلية لـ«اليوم التالي للحرب».
وحسب هؤلاء المسؤولين، دلّت الرسائل، التي مرّرها بلينكن خلال الاجتماعات، على أنه إذا لم تتعامل إسرائيل مع حل الدولتين كرؤية مستقبلية لقطاع غزة، فإنها لن تتقدم سياسياً، ولا حتى في ملف التطبيع مع السعودية. وأوضحت قناة التلفزة أن بلينكن شدّد خلال اجتماعه مع عدد من كبار المسؤولين في الحكومة في مقر وزارة الدفاع في تل أبيب، على أنه من المستحيل القضاء على حركة «حماس» بالكامل، فأجابه وزير الشؤون الاستراتيجية الإسرائيلي رون ديرمر بأنه لم يتم القضاء على النازية أيضاً، لكن اليوم، لا توجد أي دولة نازية، وأكد أن هدف الحرب على غزة هو إسقاط حُكم «حماس».

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية