فرانسوا باسيلي
التأييد والاعجاب الجارف بحزب الله وزعيمه السيد حسن نصر الله الذي تضاعف خلال الحرب الاخيرة مع اسرائيل والذي اكتسح الشارع العربي من المحيط للخليج ـ من ناحية ـ والتعاطف والتأييد من نفس الشارع العربي لمعركة ايران المستمرة مع الادارة الامريكية أساسا حول مشروع ايران النووي وما يثيره هذا المشروع في مخيلة الشارع العربي المحبط الذي طالت سنوات انكساره النفسي تحت وطأة هزائمه امام اعدائه الخارجيين ـ من الغزاة ـ والداخليين ـ من الطغاة معاً أصبحت تستدعي صعود سؤال لعله اغرب الاسئلة التي لم يكن يخطر علي بال أحد منذ سنوات معدودة وهو: هل يمكن ان تصبح ايران قائدة للعالم العربي؟
ان بوادر امكانية هذه الزعامة الغريبة من قبل دولة غير عربية كايران بينها وبين العرب الي عهد قريب حروب هائلة التكاليف (الحرب الايرانية ـ العراقية التي كانت دول الخليج كلها تقف فيها خلف العراق خوفاً من النفوذ الايراني والتهديدات بتصدير الثورة الاسلامية الخمينية) كانت قد بدأت رياحها تتجمع في الافق العربي منذ سنوات، ثم تزايدت بسرعة مطردة في السنوات القليلة الماضية، في شكل يجمع بين التشكك الخجل وعدم التصديق من قبل شعوب وجماعات سياسية عربية تعودت علي ان تنظر الي الفرس باعتبارهم اعداء تاريخيين، ولم تنظر اليهم يوما علي انهم اصدقاء، فكيف يمكن تصور وضع تكون فيه ايران موضع اعجاب وفخر من قبل الجماهير العربية، حتي يصل الامر الي امكانية قبول ايران ليس فقط كدولة صديقة للعرب بل كدولة قائدة لهم!
ولكن الدلائل الواضحة علي الساحة السياسية والدينية والعاطفية للشعوب العربية اليوم تكاد ان تفقأ اعين كل المحدقين المتأملين في هذه الساحة بذلك الخيال المتراقص لصورة هذه الزعامة القادمة وهي تكتسب ارضاً اوسع يوما بعد يوم لتصبح صورة مقبولة بل مرغوبة من قبل المزيد من الجماهير العربية المتضورة جوعا لأي بادرة من بوادر الزعامة والقيادة الجريئة القادرة علي تحقيق ولو بعض الانتصارات المتواضعة امام من تراهم هذه الجماهير في صورة اعداء شيطانيين يملكون ترسانات هائلة من اسلحة القوة والتدمير والسيطرة يقومون بها علي مدي اكثر من نصف قرن باذلال هذه الشعوب وسحق كرامتها في التراب.
انهم لهذا مستعدون لان يتبعوا اي قائد، ولو لم يكن مسلماً سنياً مثلهم ولكن شيعياً من الرافضة ما دام سيعيد لهم ببعض مواقفه، وافعاله، بعض الذي فقدوه من الكرامة المهدورة والانسانية المسحوقة.
ومن عندها يمكن ان يلومهم في هذا او يري في تصرفهم هذا امرا غريبا مستهجناً؟!
ولذلك كان طبيعيا وانسانيا جدا ـ ان يثور المصلون بأحد جوامع مدينة الاسكندرية في وجه امام المسجد عندما بدأ يعظهم في خطبة الجمعة بألا يؤيدوا حزب الله وزعيمه حسن نصر الله لان هؤلاء من الشيعة وليسوا من السنة. لقد هاج عليه المصلون السنة لانه يريد حرمانهم من بريق الامل في زعامة جديدة تستطيع ان تتكلم ببعض الشجاعة وبعض الكبرياء، وتستطيع ان تؤكد كلامها بالفعل وتستطيع ان تتصدي لهؤلاء الشياطين الذين يعيثون في حياتهم بل وفي داخل بيوتهم فسادا وقتلا وتدميرا بلا رادع ولا مجير. هذا هو ما لم يفهمه امام المسجد المسكين!
منذ سقوط الخلافة الاسلامية العثمانية في مطلع القرن الماضي وانحسار تواجدها في العالم العربي، كان من الطبيعي ان تصبح مصر بثقلها التاريخي والجغرافي والبشري والحضاري هي المؤهلة لملء الفراغ الناجم، وقد قامت مصر بدورها هذا بجدارة طوال ثلثي القرن العشرين وحتي عبورها لخط بارليف في حرب العبور الباهرة عام 73. الي ان اخرج السادات مصر من موقعها الريادي العربي بمعاهدة كامب ديفيد ثم استمر دور مصر بعد ذلك في التقوقع والضمور حتي يمكن القول اليوم ان مصر قد فقدت دورها القيادي في العالم العربي منذ عشر سنوات علي الاقل. وأتحدث هنا ليس فقط عن القيادة السياسية ولكن أيضا عن القيادة في كافة مناحيها من اقتصادية الي ثقافية الي اعلامية الي اخلاقية. والواقع ان كافة القوي الفاعلة في مصر اليوم تعترف بهذا الامر الجلل المحزن باستثناء مجموعة قليلة في قيادة الحزب الحاكم. وموقفها مفهوم بحكم موقعها ومصالحها. وقد كانت ايران دائما في موقع الجار القوي الحاسد أحيانا الطامع أحيانا المتآمر أحيانا أخري وهي تنظر بغيرة الي تلك المساحة الشاسعة المجاورة لها الممتلئة بالشعوب المسلمة مثلها المختلفة طائفيا عنها والتي كانت تلعب دور الزعامة فيها دولتان هما السعودية استنادا الي مكانتها الديانية ثم لاحقا الي ثروتها الهائلة، ومصر استنادا الي ثقلها الحضاري والبشري ثم في العهد الناصري الي قيادتها الثورية لحركة التحرر العربي والعالمي. ولم تكن لايران كونها فارسية وليست عربية وشيعية وليست سنية ان تنافس علي هذه الزعامة العربية. ولذلك تراوحت مواقفها بين محاولة التقرب من مصر في العهد الملكي ـ حيث ذات يوم تزوج شاه ايران من الاميرة فريدة شقيقة ملك مصر فاروق الاول ومحاولة التصدي لمصر في المنطقة خلال فترة المد الناصري حيث وقف الشاه في المعسكر الامريكي حليفا لاسرائيل اذ وجد في هذا الموقع امكانية ضرب مصر والتي كانت تشكل ثوريتها خطرا علي نظامه الامبراطوري. كانت عين ايران دائما علي مصر. وعين مصر علي ايران. وهما الدولتان الكبيرتان في المنطقة العربية باسرها. ولكن الثورة المصرية استطاعت بجاذبيتها الفذة ان تستولي علي مشاعر الجماهير العربية بشكل تواري معه وجود ايران التي كانت تمثل في تلك الفترة جزءا من تحالف أعداء الامة.
وحينما قامت الثورة الاسلامية الخمينية في ايران انقلبت المواضع واصبحت ايران هي الدولة الثورية التي تهدد بتصدير ثورتها الي كافة المنطقة العربية بما فيها مصر. وكانت تلك الثورة هي بداية تحول انظار ومهج القطاعات الدينية في مصر والعالم العربي نحو ايران في نوع من التعاطف المبدئي. فقد تحولت ايران مع هذه الثورة من احدي دعائم التحالف الامريكي ـ الاسرائيلي في المنطقة الي اهم مناوئية. ولكن ايران بسبب نزعة ثورتها الي تصدير نموذجها الي الدول المجاورة تحولت الي خطر علي الانظمة والشعوب العربية معا. واستطاع صدام حسين ان يكسب تاييدا عربيا باعتباره حامي البوابة العربية من الخطر الفارسي.
أمريكا وايران أدت الحرب الامريكية المدمرة للعراق الي تقديم أعظم هدية الي ايران. اذ قامت بضرب عدوها اللدود الذي حاربها طوال الثمانينات اذ قدمت لايران مكاسب في ثلاث سنوات ما كانت تحلم بتحقيقها في عقود كاملة ولا استطاعت تحقيقها حتي في عهد الشاه وهو في أوج قوته وسطوته. وبهذا تعاظم فجاة دور ايران في الشان العراقي فيما تخلصت من أعباء مجابهة عدوها التاريخي العراق.
في نفس الوقت وعلي مدي ربع القرن الاخير كانت السياسة الامريكية المنحازة تماما الي اسرائيل المناصرة لها في احتلالها غير القانوني غير الاخلاقي للضفة وقطاع غزة وممارساتها المتوحشة ضد الفلسطينيين محولة حياتهم الي جحيم استنادا الي بطش القوة المسلحة وحدها بسلاح امريكي ـ كانت هذه السياسة تقدم للشعوب العربية عاما بعد عام ثم يوما بعد يوم الدلائل الواضحة علي ان اسرائيل ـ مستقوية بامريكا ـ قد اصحبت وحشا يلغ في دم ضحاياه من الفلسطينيين كل يوم دون رادع من احد.
وهكذا قدمت السياسة الامريكية الخرقاء هدية أخري لايران بتعزيزها لمشاعر الشعب الفلسطيني ومناصريه بالحاجة الي التحالف مع قوة تقوم بردع هذا الوحش الهائج. ومع خروج مصر من الساحة وتخليها عن دورها القيادي العربي الذي لعبته دائما طوال ثلاثة أرباع القرن الماضي أصبح هناك فراغ موحش في العالم العربي لم يكن ممكنا له ان يستمر طويلا دون دخول من يملأه.
ومن هنا كان طبيعيا ان تكون ايران هي هذا القائد المتقدم نحو فراغ العالم العربي لكي يمسك بزمام قيادته وادارة دفته.
لقد كان لكل من مصر وامريكا اذن دور أساس في تعظيم دور ايران في شرق اوسط جديد تتهيأ ايران لكي ترسمه علي هواها وليس علي الهوي الامريكي الذي كان يتخيله. لقد انقلب السحر علي الساحر واصبح الجميع في العالم العربي ـ باستثناء اصوات قليلة متخوفة من صعود المد الديني الاسلامي والنفوذ الايراني ـ يتشوقون الي شرق اوسط جديد تقوده ايران كزعيمه للعالم العربي ـ اكتسبت مشروعية زعامتها بمواقفها المقاومة للتوحش الاسرائيلي وللسياسة الامريكية المساندة له.
يمكن القول بان مصر وامريكا هما المسؤولتان عن صنع وتعزيز وتعظيم ايران، مصر بتطوعها عبر العقدين الماضيين بالتخلي عن دورها القيادي العربي وقناعتها بدور الوسيط بين الأطراف المتنازعة! وأمريكا باتباعها سياسة بالغة التحيز في الصراع العربي ـ الاسرائيلي وتجاهلها بشكل لا انساني للحقوق الفلسطينية والاعتداءات الاسرائيلية المتواصلة. ثم بحربها في العراق التي حطمت دولة كانت تقف لايران بالمرصاد في الوقت الذي فشلت فيه الادارة الامريكية في خلق عراق جديد بديل كما كانت تحلم في رومانتيقية هي اقرب الي احلام المراهقين منها الي خطط السياسيين الحكماء.
وما لم تغير الادارة الامريكية الحالية والقادمة بعد سنتين من سياستها الفاشلة المنحازة للعدوان ضد الحقوق المشروعة للشعوب.. وما لم تستيقظ مصر من غيبوبة دور الوسيط لتستعيد دورها القيادي بالمنطقة، فان كل البوادر تشير الي ان ايران قادمة لتصبح قائدة للعالم العربي، برضا ورغبة الشعوب العربية التي لم تعد تري في حكامها زعامة حقيقية تدافع عن مصالحها وعن وجودها وعن حقوقها امام الغزاة من الخارج فيما هي تجلس فوق مجتمعات فاشلة فاسدة مريضة بالعاهات والسرطانات من الداخل.
ہ كاتب من مصر يقيم بنيويورك[email protected]