داكار- «القدس العربي»: عادت صحيفة «تقدمي» الآنية الألكترونية أبرز الصحف الإستقصائية الموريتانية لواجهة التصفح أمس بعد أن احتجبت على مدى شهرين بفعل ما أكدت الصحيفة أنه «قرصنة لسرفير الصحيفة قام بها نافذون مقربون من النظام الحاكم في موريتانيا».
وأكد حنفي دهاه المدير الناشر لصحيفة «تقدمي» في معلومات قدمها عن ظروف القرصنة التي تعرضت لها الصحيفة يوم 9 يونيو 2016، أن شركة act now domains أرسلت له على إيميله المسجل لديها رسالة تخبره فيها بإجراء تغييرات في إعداد اسم النطاق TAQADOUMY.COM المودع لديها، و في الرسالة تطلب الشركة من المعني إشعارها فيما إذا كان الخطوات التي تتم في تغيير معلومات اسم النطاق خطأ، وهو ما بادر به فوراً، قبل أن يحاول الدخول لحسابه لديها فيتعذر عليه ذلك، حيث تبين أن قراصنة استولوا عليه وغيروا بياناته».
وقال «وعند الاتصال الهاتفي بالشركة طلبت للتحري والتثبت في ملكية ولد دهاه لاسم النطاق آخر ثمانية أرقام من آخر بطاقة ائتمان تم من خلالها تجديد اسم النطاق، وقد تطلب الأمر الاتصال بـ س. م. ك الذي كان آخر من استعملت بطاقة ائتمانه لهذا الغرض في 9/12//2014 و قد كانت المفاجئة أن أخبرنا أنه قد تمت قرصنة بريده الألكتروني قرابة نصف ساعة قبل الاستيلاء على نطاق تقدمي الذي كان يحتفظ في بريده بمعلوماته، بالإضافة لمعلومات السرفير BLUEHOST التي كان قد تم تغييرها، هذا بالإضافة لجميع معلومات دومين وسرفير الموقعين الإخباريين الموريتانيين «الطواريء» و»مراسلون»، اللذين تم اختراقهما بما يشبه قرصة أذن، رغم توفر القراصنة على كل المعلومات المتعلقة بهما فيما يخص الدوماين والسرفير».
وأضاف»وكانت مصادر قد أكدت لمدير صحيف «تقدمي» منذ فترة أن مقربين من النظام كانوا على علم بتعاون المسمى «س. م. ك» مع إدارة «تقدمي» في دفع مستحقات سرفيرها الشهري ببطاقة ائتمانه، بعد تسليمه مقابلها من العملة المحلية في نواكشوط، وأن بعض الضغوط قد حالت دون مواصلته تلك “المعاملة”، مما يعني أنهم بدأوا على ضوء تلك المعلومات يتربصون الدوائر ببريده الألكتروني للوصول إلى المعلومات الفنية التي تساعد في قرصنة الموقع، وهو ما تم أخيراً، حيث كان الهدف هو «تقدمي» أما «الطوارئ» و»مراسلون» فـ»إن الشقي وافد البراجمة”، كما في المثل العربي».
وتابع ولد دهاه عرض قصة القرصنة قائلا «لم يفلح الاتصال بالشركة في استرجاع اسم النطاق، فقد تم تغيير جميع المعلومات بما فيها أرقام بطاقة الائتمان، كما انكشف للفنيين أن الموقع كان قد تم الولوج إليه من فترة طويلة عن طريق ثغرة في الوورد برس، و قد تم من خلالها إتلاف جميع ملفاته «على نار هادئة»، وفي اليوم الموالي تمت إحالة اسم النطاق إلى صفحة تتحدث عن حجب الموقع لأنه يدعو للعنصرية ويفرّق الشعب الموريتاني، وهو نفس ما تم نشره أيضا لفترة قصيرة على صفحة «الطواريء تمويها».
ولم تعلق الأوساط الرسمية الموريتانية لحد يوم أمس على اتهامات الصحيفة لها باختراق موقعها وقرصنته التي دفعت الصحيفة لتغيير عنوان تصفحها لى النت.
وعن الحرب المتواصلة بين الصحيفة وحكومة الرئيس ولد عبد العزيز منذ سنوات قال الكاتب الصحافي حنفي دهاه «تنوعت أساليب مضايقة صحيفة «تقدمي»، فمن سجني تسعة أشهر، لسجن ثلاثة أفراد من طاقم تحرير الصحيفة في فترات متفاوتة، لحرمان الصحيفة بتوصية مباشرة من الرئيس عزيز من الإعلانات ومن الدعم العمومي، لتجاهل نقابة الصحافيين الموريتانيين، إلى الاعتداء عليّ شخصيا رفقة ابني الصغير، إلى محاولة اغتيالي وأسرتي بحرق منزلي وسيارتي، إلى منعي من السفر ومحاولة مصادرة جوازي مما جعلني أضطر للخروج من البلاد خفية عبر معابر يلجأ لها في العادة المهاجرون السريون، إلى محاولة تشويهي من خلال نشر إشاعات في الصحف والمواقع الموالية للنظام تتهمني أحيانا بالشذوذ الجنسي وأحيانا بنشر رسوم «تشارلي أيبدو» المسيئة على صفحتي على فيسبوك وأحيانا بضبط شرطة داكار لي في حالة سكر علني، إلى استهداف موقع «تقدمي» بجميع أنواع القرصنة، وإصدار قرار من وكيل الجمهورية بحجبها عن طريق شركات الاتصال، إلى التنصت على هواتفي، واختراق إيميلاتي، وإقالة كل موظف حكومي يمت لي بصلة من منصبه (أخي التجاني مثلا)، وحرمان زوجتي بعد أن حصلت على الدرجة الأولى في امتحانات التخرج من القسم الرابع للقانون العام من جامعة نواكشوط من حقها في المنحة، بل ومنعها في العام الموالي من التسجيل في «الماستر».. و هذا غيض من فيض».
«وفي موازاة ذلك، يضيف ولد دهاه، دأبوا على إغرائي ومحاولة شراء قلمي وهو ما أصررت على رفضه؛ ولا مندوحة لي وأنا أرى فساد الإنقلابيين واستبدادهم وتهورّهم بالقيم والأخلاق ينخر بلادي كما ينخر السوس الخشب، إلا أن أواصل انحيازي للوطن والمواطنين.. هذا ما نذرت نفسي له، ولن أضع العصا عن عاتقي ما داموا يختطفون بلادي، وما دام تهميش الحرية والكرامة في موريتانيا قائما».
وعن توليه قبل سنتين إدارة قناة «الوطنية» التلفزيونية المقربة جدا من الرئيس الموريتاني حسب المشاع، قال ولد دهاه «في بعض الفترات، وبعد غربة طويلة في الولايات المتحدة اقتضت الظروف الاجتماعية والأسرية أن أعود للوطن وقد عرض علي صديق من المحيط المقرب من النظام الحاكم إدارة قناة تلفزيونية حرة في موريتانيا، وقد قبلت الأمر بعد تردد، وشروط تضمن استقلالية خط التحرير وحياده ومهنيته، وهو ما رأى فيه البعض مهادنة مني للنظام، رغم أن خط تحرير القناة خلال إدارتي لها كان أشد وطأة على النظام من خط تحرير «تقدمي نفسها».. ولهذا دب الخلاف بيني وبين مجلس إدارة القناة، فاتخذت قرارا بالاستقالة من القناة التي كانت تسمى خلال إدارتي لها «جزيرة موريتانيا»..
وزاد «الذين نظروا الى ملاك القناة اعتبروا قبولي بإدارتها مهادنة للنظام ولم يلتفتوا للمحتوى.. أما من التفتوا للمحتوى والمضمون فكانوا أكثر إنصافا». المهم، يقول ولد دهاه، أنها فترة يمكن اعتبارها استراحة محارب، التقطت خلالها نفسا عميقا ثم عاودت المرابطة في ثغر الرفض والنضال من أجل الحقيقة».
وتتخذ صحيفة «تقدمي» أكثر وسائل الإعلام الموريتانية تصفحا، حسب تصريحات مديرها الناشر حنفي دهاه لـ»القدس العربي»، «لنفسها خطا تقدميا ينحاز للحرية والمساواة والإنسانية التي هي، حسب ولد دهاه، الأثافي التي عليها ترسو قدر العدالة، وهي تسعى لترسيخ قيم الحداثة في محيط تقليدي متجذر».
وأكد ولد دهاه وهو معارض للنظام المنبثق عن انقلاب أغسطس 2008 الذي قاده الرئيس الحالي «أن صحيفة «تقدمي» الاستقصائية لم تكن يوما منبرا إعلاميا هدفه الوحيد هو تقديم الخبر المجرد، فقد ظل موقفها منحازا للوطن والمواطن.. ولا يهمنا أن الرئيس استقبل أو ودع أو بعث برقية لرئيس دولة شقيقة أو صديقة، ولكن يهمنا الكشف عن مسؤول نهب المال العام أو أساء تسييره أو قصّر في عمله، كما يهمنا رصد أي انتهاك لحقوق الإنسان أو حرية التعبير».
وأضاف «نحن في «تقدمي» لا يهمنا إرضاء الناس، وإنما تهمنا مرضاة ضمائرنا.. ولا نبحث عن إعلان ولا دعم عمومي، ولم نحاول أن نسكت صفير أمعائنا بصرير أقلامنا».