بعد مصادرة عدد مجلة ابداع المصرية: محاولة اغتيال معنوي لفتحي عبد الله!
بعد مصادرة عدد مجلة ابداع المصرية: محاولة اغتيال معنوي لفتحي عبد الله!القاهرة ـ القدس العربي ـ من محمود قرني: صودرت مجلة إبداع وانتهي الأمر، غير أن المعارك التي أثيرت علي هامش المصادرة لم تنقطع، ثمة عنف خفي يتصاعد إلي العلن شيئا فشيئا، وبدلا من مناقشة الظاهرة في إطارها الواسع كجزء من أزمة المجتمع المصري، يتهم حسن طلب، في مقال له بأسبوعية أخبار الأدب، الشاعر فتحي عبدالله الذي يعمل في هيئة الكتاب بالتحريض علي مصادرة المجلة، في الوقت الذي يعلن فيه رئيس هيئة الكتاب الدكتور ناصر الأنصاري أنه لا رجوع عن قرار مصادرة العدد، وأن اللجنة المشكلة الآن لدراسة الأمر برئاسة الدكتور وحيد عبدالمجيد نائب رئيس الهيئة قد انتهت إلي ضرورة فرض نوع من الرقابة علي مطبوعات الهيئة، رغم أن الرقابة علي المطبوعات لم تنقطع في أية لحظة، في الوقت نفسه ينعي الدكتور الأنصاري ضياع ما يقرب من الستين ألف جنيه علي هيئة الكتاب، هي قيمة الكلفة التي تكبدتها الهيئة في طباعة العدد الأول من الإصدار الثاني لمجلة إبداع لذلك فإن اللجنة الفنية المشكلة للتحقيق في الأمر تحاول الآن إيجاد بعض الحلول الفنية للتخلص من القصيدة التي كانت سببا في المصادرة.في الوقت نفسه أصدر خمسة شعراء يمثلون هيئة تحرير مجلة قصيدة النصر ، وهي مجلة لا زالت تحت التأسيس بيانا يؤيد حرية التعبير ويندد بعملية المصادرة، ويرجع سلوك هيئة الكتاب المتعنت تجاه المجلة الي ما أسماه المخاوف غير الحقيقية التي لا تستهدف سوي الحفاظ علي الكراسي والمزايدة علي التيارات المحافظة، ويعضد هذا المسلك الوضع السياسي المتردي، وحالة السخط العام في الشارع المصري.كذلك ندد البيان بالمقالة التي نشرها الشاعر حسن طلب بأسبوعية أخبار الأدب والتي يتهم فيها الشاعر فتحي عبدالله، بعد أن حدده بصفات لا تنطبق علي غيره، بأنه الذي أوعز بالمصادرة، وأطلق عددا من الاتهامات التي رآها البيان مرسلة وإنشائية ولا تفتقر إلي أي دليل يؤيدها وطالب الموقعون علي البيان حسن طلب بأن يقدم ما لديه من مستندات تؤيد اتهامه للشاعر فتحي عبدالله وإلا سيعتبرون بيانه بمثابة البلاغ الأمني الحقيقي للسلطات المصرية، وهو بيان ـ بهذا المعني ـ لا يرمي إلا للقضاء علي شاعر موهوب ومثقف حقيقي وهي جريمة غير قابلة للغفران، في الوقت نفسه قدم البيان التحية للشاعر حلمي سالم وأيد موقفه المتعقل في عدم إلقاء التهم علي الآخرين بمثل هذه الغلظة، وكذلك دافع البيان عن حقه المطلق في الدفاع عن الحرية علي المستويين الشخصي والموضوعي، وقد وقع البيان كل من الشاعرة غادة نبيل، إبراهيم داود، علي منصور، عاطف عبدالعزيز، وكاتب هذه السطور.تاريخ المصادرة مستمر بلا انقطاعحالة الاستنفار القصوي التي تنتاب المثقفين المصريين تجاه مصادرة عمل إبداعي أو فكري تبدو في معظم الأحيان مبررة ومدفوعة في طريق التصعيد ضد المؤسسة التي يعمل داخلها معظم هؤلاء المثقفين، الذين يقومون بأنفسهم بتسويغ مثل هذا السلوك وتبريره، بأدوات غير محصورة، والمؤسسة من جانبها لا تتراجع عن استخدام تلك الأدوات بأسوأ الطرق لتكريس وجودها الذي يسعي لعمل العديد من التوازنات المجتمعية والسياسية لضمان بقاء الدولة مستمرا بذات آليات الوعي المتدني وغير الأخلاقي.في الإطار نفسه لا يكاد المرء يفهم شيئا من قبول الشاعر الكبير أحمد عبدالمعطي حجازي رئاسة تحرير مجلة إبداع للمرة الثانية، بعد أن ترأس تحريرها مدة تقارب خمسة عشر عاما، تعرضت خلالها المجلة لمصادرتين قاسيتين تصاعدتا حتي وصلتا الي منصة البرلمان، فما الذي تغير في الواقع المصري حتي يعاود إصدار المجلة؟ فمصر لم تصبح أكثر ديمقراطية، ولم يشهد الواقع أية انفراجات في الوعي العام المأزوم بسبب العديد من الأزمات الخانقة، لم يتحسن وضع المثقف بأي صورة من الصور ويعرف حجازي قبل غيره أن كافة امتيازات المؤسسة تذهب ـ في معظم الأحوال ـ لغير مستحقيها.علي جانب آخر يبدو أمر المؤسسة محيرا، إذ كيف تعيد هيئة تحرير مكونة من حجازي ونائبه حسن طلب إلي قيادة مجلة انتهت سنواتها الأخيرة بالفشل الذريع وتدني توزيعها لدرجة لم تتجاوز المئتي نسخة، لذلك فقد كانت المجلة في سنواتها الثلاث الأخيرة لا تصدر إلا علي فترات متباعدة وصلت إلي ستة وإلي ثمانية أشهر رغم أنها مجلة شهرية.ورغم التقدير الكامل لقيمة الشاعرين حجازي وطلب، فإن الكثير من الأسباب الموضوعية هي التي أدت الي هذا الوضع، أول هذه الأسباب أن أي هيئة تحرير من شأنها أن تستنفد تصوراتها ومشروعها الفكري عبر ما لا يتجاوز الخمس سنوات، لذلك فإن بقاء إبداع بعد ذلك كان يحدث بالدفع الذاتي بعد أن كانت المجلة أيقونة حقيقية في سنواتها الخمس الأولي، تداعت بعد ذلك إلي مستويات مريعة من الانحدار والعادية، بل عادت إلي درجة عالية من المحافظة.علي جانب آخر ظلت المجلة ـ رغم الخطاب الطليعي الذي روجت له ـ أبعد ما تكون طيلة فترة إصدارها عما أسماهم حجازي الحرافيش ، وهو الوصف الذي فجر معركة كبري علي صفحات الصحف المصرية في بداية التسعينيات، ومن خلال الممارسة دلنا مفهوم حجازي علي معني الوصف الذي بدا أخلاقيا حيث تحدد في إقصاء الكتابة الجديدة وأصحابها، وهو الأمر الذي صاحب سنوات المجلة الخمس عشرة.ويبدو أن قيام الدولة بإعادة إصدار المجلة كان متواكبا مع حركة مقاومة التيارات الأصولية في الواقع المصري بعد أن تنامي في بداية حقبة التسعينيات ودخل في مواجهة مسلحة مع الدولة بصورة شبه يومية، ولا نستطيع أن نفهم حتي الآن منطق هؤلاء الذين يأخذون ببعض أفكار التنوير ويكفرون ببعـــــضه الآخر، وهو تساؤل يمكن فهمه في إطار انشغال الدولة بالقضاء علي حالة العسكرة التي انتـــــابت الجماعات الأصـــولية دون انشغالها ـ علي أي صعيد ـ بتحديث المجتمع علي أي مستوي، وها نحــــــــن بعد مرور أكثر من ستة عشر عاما علي انطلاق مشروع التنوير الذي قادته فصائل شتي من المثقفين المصريين نحصد الخيبات تلو الخيبات، والشاعر أحمد عبدالمعطي حجازي أول من يعلم ذلك.ولا يمكننا كذلك أن نتجاهل سؤالا منطقيا:لماذا حجازي وطلب مرة أخري بعد أن أديا دوريهما؟فمصر لم تعقم بعد، وهناك مثقفون ومبدعون كبار كان يمكن لهم أن يعيدوا إصدار المجلة، علي الأقل كنا سنحصد مشروعا ورؤية جديدتين، وأخشي القول بأن حجازي وطلب صارا من أهل الثقة، لأنهما ـ في الحقيقة ـ من أهل الكفاءة، لكن يبدو أن المؤسسة تسعي لتحقيق أعلي درجة من الاستقطاب الثقافي عبر اسم حجازي الذي يلقي إجماعا علي قيمته، وهو ما يجعل المؤسسة تعتقد بنجاح مؤكد لإصدارها الجديد، لكن التجربة تؤكد عكس ذلك تماما، لأن الإجماع علي القيمة الشعرية لحجازي، لا ينصرف أبدا الي موقفه السياسي والفكري ووجوده الفيزيقي كمثقف يخطئ أحيانا ويصيب أحيانا.في الوقت نفسه لا نستطيع أن نفهم ـ حسبما تحدث إليّ أحد الأصدقاء ـ أن يكون المثقف المصري مطالبا ـ بالحق وبالباطل ـ بالدفاع عن الحرية المطلقة في الإبداع والتعبير مهما كانت قيمة النص الذي يدافع عنه، وهو أمر يعيد طرح السؤال عن الحدود التي يجب أن تتحرك فيها حرية الإبداع، ومتي تتصادم هذه الحرية وتعد تعديا علي حقوق الآخرين؟ وفي كل الأحوال هل يحق لنا الدفاع عن نص لا علاقة له بالشعر يتعرض لمقدسات تمس ملايين البشر بدعوي الدفاع عن حرية التعبير؟ كل هذه أسئلة تستوجب النظر.وما من شك في أن واجب الدفاع ـ بالمطلق ـ عن الحرية يجب ألا تحده حدود، لا سيما في عالمنا الثالث، الذي يشهد أعلي حالات انتهاك لحقوق الإنسان وبكافة الصور، لكن علينا قبل ذلك أن نعود علي الظرف الموضوعي لقصة المصادرة، وليس علينا أن نتأسي في ذلك بدول كبري وعريقة في الممارسة الديمقراطية، لأن قيام الدولة الحديثة ونهوضها علي أساس تحقيق وحماية أعلي درجة من درجات الحرية الشخصية لم يحل دون الاعتداء علي هذه الحرية كلما كان ذلك يعني الحفاظ علي هيبة الهيئة الاجتماعية التي تنتهي عند الرأس بالسلطة القامعة، وليس بعيدا أن نذكر قيام مصلحتي البريد والجمارك في الولايات المتحدة بحــــــظر تداول كتاب فن الهوي لأوفيد وذلك في خمسينات القرن الماضي رغم أن الكتاب مر علي كتابته اكثر من ألف وتسعمائة عام، كذلك منعت الولايات المتحـدة كتاب الديكاميرون لبوكاشيو من الــــتداول في الولايات المتحدة عام 1922، كذلك منعته السلطات الانكليزية في الفترة من 1951 حتي 1954، استنادا الي قانون المطبوعات الصادر قبل ذلك بأكثر من مئة عام، هذا رغم أن الكتاب كان قد تم وضعه عام 1348 أي قبل مصادرته بأكثر من ستة قرون، ويذكر الباحثون ـ نقلا عن الدكتور رمسيس عوض ـ أن الكنيسة أعدت قائمة عام 1948 بالكتب التي يجب حظر تداولها وصلت الي أربعة آلاف كتاب بينهما كتب من عيون الفكر والأدب مثل سقوط الامبراطورية الرومانية للمؤرخ المعروف جيبون و مبادئ الاقتصاد السياسي للفيلسوف الانكليزي جون ستيوارت ميل، وشملت القائمة عددا من أشهر الأسماء في أوروبا مثل بلزاك، ديماس الأب والابن، أناتول فرانس، ستندال، اميل زولا، البرتومورافيا وآخرين.ولا تختلف الحضارة العربية في الكثير عن مثيلاتها في العالم، فالذهن الشرقي العاطفي والمتقد الذي وضع ألف ليلة وليلة، وسمح بتداولها كاملة أحيانا ومنقوصة في معظم الأحايين لم يكن أكثر صلفا من العقل الأوروبي، فعندما ترجم السير ريتشارد بيرتون هذا الكتاب الأثير الي الانكليزية عام 1885 لم يستطع نشره علي نطاق واسع وظل توزيعه يسير خفية وبعيدا عن الأعين بسبب الوضع الأخلاقي والمحافظ للمجتمع الانكليزي الفيكتوري آنذاك، حدث ذلك ايضا مع كتاب الكاماسوترا الذي وضعه رجل الدين الهندي فاتسيانا .وهذه النماذج ليست واردة علي سبيل التأسي بها، ولكنها حالات تدعو لدراسة الظرف التاريخي من كافة جوانبه، وتطرح، كذلك، عددا من الأسئلة علي المثقف العالم ثالثي الذي يخشي خشية الموت أن تغادر قدمه قدم السلطة، وإلا كيف يفسر لنا رجال المؤسسة صدور كتاب رجوع الشيخ إلي صباه للشيخ التفزاوي في ظل حكومة إسلامية، ومصادرته ومنعه في كل من انكلترا وفرنسا عام 1886، وهو كتاب يذكر الدكتور رمسيس عوض أن ريتشارد برتون ايضا هو مترجمه.يتبقي سؤال أخير حول موضوع المصادرة: لماذا بقيت الأعمال الكبري التي صودرت عبر التاريخ واتسع تأثيرها مع الزمن، ولماذا لا نجد أنصارا في الشارع الآن لما ندافع عنه من مصادرات، فقد عادت بصورة أقوي وأكثر تأثيرا من المصادرة رواية عوليس، وعشيق الليدي تشاترلي، وأزهار الشر، ومدام بوفاريو والكاماسوتر، وفن الهوي، وألف ليلة، والشعر الجاهلي، وغير تلك الأعمال الكبري، بينما ذهبت أدراج الرياح رواية حيدر حيدر وليمة لأعشاب البحر وما سمي بالروايات الثلاث، وكذلك القصائد التي أثارت ضجة كبري في العالم العربي بمصادرتها، بحيث يبقي فعل المصادرة قبيحا، ويتواري العمل ذاته الذي كان ـ في لحظة ـ موضوعا للمصادرة. هل ما يحدث هو نوع من التفريط في المعيار الحاكم للقيمة الإبداعية إذن، وهل يكفي أن يكون الشاعر مرموقا لينشر نصا رديئا لا يستحق الورقة الذي كتب عليها، بدعوي أنه مرموق؟!أقول ذلك وأرجو عدم الخلط بين الحرية الواجبة التي لا بد أن نقف خلفها ونؤازرها حتي لو كان الثمن هو أن نخسر العطايا المسموحة والأنعم المشبوهة التي نالتنا والتي ننتظر أن تنالنا من حكومات تقتل أبناءها بالفساد والبطالة والفقر والأمراض والأطعمة الملوثة والسرقة والسجون والمعتقلات وقوانين الطوارئ!!الشاعر في زمن الوأد الجاهليبقي لدينا ذلك الاتهام الغليظ، الذي أراد بعض شعراء جيل السبعينيات، أن يلصقوه بالشاعر فتحي عبدالله، بحيث لا تنتهي المعركة ـ معركة مصادرة مجلة إبداع ـ إلا ويكون الشاعر المتهم بالوقوف خلفها قد ووري الثري، فالرجل، رغم أنه في منتصف الأربعينيات مصاب بالسكر، وقد دخل بالفعل في أزمة صحية، من جراء اتهامه الفظ، حيث وصفه حسن طلب ـ في مقاله لأخبار الأدب ـ بأنه الشاعر ـ المخبر ، رغم ان التحقيقات التي أجراها رئيس الهيئة أسفرت عن متهمين آخرين من موظفي هيئته فضلا عن تصريحه لأخبار الأدب ـ في العدد ذاته ـ الذي نفي فيه أن يكون شاعرا هو الذي وقف خلف المصادرة، وهو الكلام الذي أكدته مصادر أخري بهيئة الكتاب، إذن لماذا يتهم طلب وبعض أقرانه فتحي عبدالله؟!السؤال لا يبدو مهماً لمن هو بعيد عن تفاعلات الصراع الثقافي والشعري ـ تحديدا ـ في مصر، لكن أهمية تناوله ربما تكشف عن الطبيعة غير الأخلاقية لصراع بين المراكز الشعرية طيلة ما يربو علي العشرين عاما.فقد ظلت الشعرية السبعينية في مصر تواجه معضلات شتي ولا زالت، لم يكن الجيل التالي مباشرة سببا فيها، وهو الجيل الذي ينتمي إليه فتحي عبدالله، غير أن صعود النص الثمانيني الذي حاول عبر النموذج الجمالي مغايرة النص المهيمن، ووجه بهجوم ونفي لاذعين استمرا حتي هذه اللحظة، غير أن فتحي عبدالله، وبحكم قربه سنيا من جيل السبعينيات حيث كان شاهدا علي الكثير من معاركهم، كان الأكثر حسما في موقفه الرافض لذلك النموذج الشعري، تأسيسا علي أن معظم الأسماء البارزة من هذا الجيل استنامت للنموذج الريادي ولم تكن مقترحاتها الجمالية ذات تأثير يذكر حتي هذه اللحظة، ومن هنا تكلست العديد من التجارب وفقد تأثيرها في الواقع، لا سيما إزاء الموقف الرافض لكل تحديث في النص الشعري.وبصرف النظر عن تقييم موقف فتحي عبدالله ومدي صوابه أو خطئه، إلا أن قناعته دفعته لتناول معظم دواوين هؤلاء الشعراء بالنقد العنيف، لا سيما حسن طلب، الذي يراه عبدالله واحدا من شعراء العصر المملوكي، وكذلك عبدالمنعم رمضان الذي يراه مستنسخا للتجربة الأدونيسية، وهو الأمر الذي أورثه عداءات قاتلة في الوسط الثقافي ولا سيما وأن موقفه من المؤسسة اتسم بالعنف في الكثير من الحالات رغم أنه يعمل بها ويحصل علي بعض عطاياه، لكن ذلك لم يمنعه ولا يمنعه من إبداء آراء عنيفة ضد نفيها للشعراء الجدد.من هذا المنطلق مارس السبعينيون عداءات متصلة تمثلت في استبعاده من كافة الفعاليات التي يكونون طرفا فيها، وتجاهلوا وجوده الشعري جملة، غير أن دعوته من قبل الشاعر حلمي سالم في ملتقي الشعر البديل في بداية آذار (مارس) الماضي، كان هو القشة التي قصمت ظهر البعير كما يقولون، حيث ألقي فتحي عبدالله بيانا ختاميا باسم شعراء قصيدة النثر، وكانت المفاجأة أن البيان حمل بشدة علي البيان الافتتاحي الذي ألقاه الشاعر عبدالمنعم رمضان، وقدم ما يمكن أن يعد بديلا أكثر راديكالية في التأكيد علي أعلي درجات الاستقلال عن المؤسسة، ورفض ما سماه عبدالمنعم رمضان ضبط المسافة مع المؤسسة ، حيث اعتبر ذلك نوعا من المواءمة غير المقبولة، في الوقت نفسه رفض ما سماه البيان الافتتاحي الأخوة الشعرية وكان يري أن هذا المعني الأخلاقي لا يهدف إلا الي الصعود علي أكتاف الشعر الجديد وتحويل شعرائه إلي مجرد أدوات يستخدمها منظمو الملتقي.ويبدو أن كل ذلك دفع طلب إلي التعجيل بالقضاء علي فتحي عبدالله بتدبير مثل هذا الاتهام له بالعمالة وتأييد المصادرة، تأسيسا علي أن طلب وحجازي رفضا عرضا من رئيس هيئة الكتاب قبل عام تقريبا بأن يعمل فتحي عبدالله معهما كمدير لتحرير المجلة، وبالتالي فهو في نظر طلب، ينتقم من هيئة تحرير المجلة بتصرفه هذا، وهو ما ثبت كذبه جملة وتفصيلا بعد أن تكشفت خيوط المؤامرة، وهو الأمر الذي يستوجب اعتذارا فوريا من حسن طلب، إذا كان يؤمن بالقاعدة الأخلاقية للعدالة.والشاعر فتحي عبدالله أصدر أربعة دواوين حتي الآن هي راعي المياه ، سعادة متأخرة ، موسيقيون لأدوار صغيرة و أثر البكاء وديوانه الخامس قيد الطبع، وهي جميعا تنتمي لقصيدة النثر، وتعد من الأعمال المؤثرة في الشعرية المصرية وبين أبناء الجيل الذي ينتمي إليه الشاعر، كذلك كان الحضور النقدي لعبدالله مهماً ولافتا في التأسيس لضبط الكثير من اللغط والرطانة حول قصيدة النثر المصرية، وفي كل ذلك كان حضوره الشعري والنقدي مؤسسا علي رؤيــــــة متقدمة ومتجاوزة ورافضة لكل القيود المحافظة التي حاول فرضها رعاة الشــــــــعر التقليدي سواء من داخل المؤسسة أو خارجها، وكان فتحي عبدالله حتي سنوات قليلة مضت يعمل في صفوف الحركــــــــة الثورية التروتسكية، لذلك بدا الاتهام الذي وجّـــــهه إليه طلب غريبا وممجوجا ولم يلق أي انتباه في الوسط الثقافي، وإن لاقي رفضا واستهجانا كبيرا بسبب اللغة الغليظة والخشنة المستخدمة في صياغته، هذا رغم أن حسب طلب يعرف المخبرين الحقيقيين الذين يتعامل معهم ـ يوميا ـ داخل وخارج هيئة الكتاب.QMK0