الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.
لندن – “القدس العربي”:
نشرت صحيفة “الغارديان” تقريرا لمراسلها لشؤون إفريقيا جيسون بيرك تساءل فيه إن كانت وفاة زعيم مجموعة المرتزقة فاغنر ستدفع قادة إفريقيا للتعامل مباشرة مع الكرملين؟ وقال إن وفاة يفغيني بريغوجين لن تترك تداعيات ضخمة على مجموعة متنوعة من الأنظمة وأمراء الحرب في قارة إفريقيا، بل وعلى الملايين من الناس العاديين، وكذا الغرب وكل القوى التي تتنافس للحصول على تأثير في القارة الإفريقية.
ويقترح بعض المحللين الآن أن نهاية بريغوجين ستقوي يد الكرملين بين اللاعبين السياسيين في إفريقيا، ممن اعتمدوا على عمل فاغنر وشركتها الغامضة وقواتها شبه العسكرية لتعزيز قوتها، وإثارة إعجاب الآخرين الذين يريدون عمل الأمر نفسه.
محللون: إن نهاية بريغوجين ستقوي يد الكرملين بين اللاعبين السياسيين في إفريقيا
وقالت إنريكا بيكو، مديرة برنامج وسط إفريقيا بمجموعة الأزمات الدولية “يجب تحديد مسؤولية حادث التحطم، لكن هذا أمر قد يدفع القادة الأفارقة قريبا من الكرملين، وهو إظهار للقوة والقيادة قد يحترمها الكثير من القادة الأفارقة. ويرونها أكثر فاعلية من بيانات السفارات الغربية”. إلا أن البعض في القارة قد يكتشف أن أصدقاءهم المفترضين في الكرملين ليسوا فاعلين بقدر ما تباهى المحاروبون الروس لهم.
فعلى مدى الخمسة أعوام الماضية، عقد قادة أفارقة أو ممن حاولوا تحدي الأنظمة في بلدان مهمة وإستراتيجية في أفريقيا، حلفا مع الشيطان، سمح فيها لبريعوجين توسيع التأثير الروسي عبر مساحات من القارة واستخراج كميات من المعادن، مثل الذهب والخشب، بموارد مالية ضخمة للكرملين.
ووقعت الدول الصغيرة تحت تأثير مجموعة فاغنر، مما سمح للمرتزقة أن تبني شبكة تمتد من ساحل البحر المتوسط إلى موزامبيق. وقبل مقتله بأسبوع ظهر بريغوجين في لقطات فيديو “من إفريقيا”، حيث كان يرتدي الزي العسكري ويحمل البندقية. واقترحت عدة مصادر أنه كان في مالي، التي نشر فيها 800 من مقاتليه لمساعدة قوات البلد على مكافحة تهديد الجهاديين الإسلاميين. وجاء هذا بعد صفقة مع القيادة العسكرية للبلد في كانون الأول/ديسمبر، وفي أعقاب انقلابها على الحكم المدني. وقبل مالي، ربما كان بريغوجين في عاصمة جمهورية إفريقيا الوسطى، بانغي، حيث بنت فاغنر أهم وأنجح عملية لها، وبدعوة من نظام أرشانج تواديرا، قبل خمسة أعوام. وحصلت المجموعة مقابل توفير الأمن للنظام، على تنازلات في الخشب ومناجم الماس.
وفي جمهورية إفريقيا الوسطى توفر فاغنر المقاتلين الذين انتشرت سمعتهم السيئة بين المدنيين والمتمردين. ونشرت المجموعة خبراء اتصالات وأنشأت مركزا ثقافيا “البيت الروسي” ومحطة إذاعية. وإلى جانب الماس تضم الأعمال التجارية مصانع لإنتاج البيرة والفودكا.
ووسعت فاغنر عملياتها في الكاميرون وبوركينا فاسو وجمهورية الكونغو الديمقراطية. ولكن المحاولة لمساعدة حكومة موزامبيق ضد الجهاديين الإسلاميين لم تنجح وخسرت عددا من مقاتليها، لكن المجموعة حققت نجاحات في السودان، حيث عقدت علاقات مع محمد حمدان دقلو، حميدتي، الذي أشرف على تصدير كميات كبيرة من الذهب.
وجاء نجاح آخر في ليبيا، حيث نشرت المجموعة آلافا من مقاتليها تحت قيادة اسمية لأمير الحرب خليفة حفتر، الذي يسيطر على شرق البلاد. وظل الكرملين ينكر أية علاقة بين المجموعة وعملياتها المشبوهة في إفريقيا والنشاطات العسكرية الأخرى، إلا أن الدور الذي لعبته في السيطرة على بلدة باخموت الأوكرانية، وبخسائر فادحة أجبرت وزير الخارجية سيرغي لافروف على الاعتراف بالرابطة. وبعد محاولة التمرد الفاشلة في حزيران/يونيو، لم تظهر أدلة على محاولات الدولة الروسية السيطرة على عمليات الشركة وممتلكاتها في إفريقيا.
والآن وقد قتل بريغوجين ومعه القائد العسكري ديمتري أوتكين، النازي الجديد الذي أشرف على تطبيق رؤية زعيم المجموعة، فقد تغير الوضع. وتم ذكر عدد من المسؤولين على الطائرة المنكوبة. وتتوقع بيكو أن تقوم وزارة الدفاع الروسية وشركات التعهد الأمنية الخاصة بتولّي العمليات العسكرية والاقتصادية”.
يرى مراقبون أن فاغنر مغامرة ناجحة ولا يستطيع الكرملين التخلي عنها. وتظل إفريقيا ساحة مهمة لروسيا كي تجند الحلفاء للمواجهة مع الغرب.
ويرى المراقبون أن فاغنر مغامرة ناجحة ولا يستطيع الكرملين التخلي عنها. وتظل إفريقيا ساحة مهمة لروسيا كي تجند الحلفاء للمواجهة مع الغرب، ويساعد الذهب والمعادن الثمينة الأخرى التي تستخرجه فاغنر على تقوية اقتصاد روسيا الذي ضربته العقوبات. ويقول دينو ماهتاني، المحلل في شؤون إفريقيا “سيحاول الحفاظ على ما أنجزه بريغوجين وجعلها تحت الرقابة”.
وزار نائب وزير الدفاع الروسي هذا الأسبوع بنغازي في ليبيا لمناقشة “التعاون العسكري” مع حفتر المنزعج. وتقول “الغارديان” إن تحقيق عملية انتقال سلسة لن تكون سهلة للكرملين، مع أن هناك منظورا لزيادة رواتب الجنود والفنيين وخبراء الاتصالات والإداريين في إفريقيا، فهؤلاء ينتعشون على الأموال ويندمجون في أي إدارة يريد الكرملين إنشاءها، لكن العلاقة الشخصية ضرورية، في ظل العلاقة الشخصية التي أقامها بريغوجين.
وتقول عالية الإبراهيمي من المجلس الأطلنطي في بودكسات “مسدسات للإيجار” إن تولي مسؤولية مباشرة عن العمليات في إفريقيا ستكون مغامرة بمخاطر. ففي عام 2018، قامت قوات لفاغنر وقوات سورية بمحاولة للسيطرة على حقول النفط التي تسيطر عليها قوات كردية بدعم أمريكي، وأدت المعركة إلى مقتل مئات من المقاتلين في فاغنر والقوات السورية. وفي حينه أبعد الكرملين نفسه عن العملية، متجنبا أزمة دبلوماسية مع واشنطن. وتقول الإبراهيمي “أعتقد أن من المؤكد قوله إن عبادة الشخصية قد انتهت وربما لم يكن هذا أمرا سيئا، وبخاصة عندما تحاول المأسسة والتوسع. ولكن بوتين يتحمل المخاطر الجيوسياسية الآن. وخسر عنصر القوة الوكيلة، ولا يمكنه الإنكار الآن. وفاغنر كانت ناشطة في منطقة إستراتيجية تمثل مصلحة كبيرة للولايات المتحدة وحلفائها، ولهذا فمخاطر التصعيد عالية”.
مدى قدرة الكرملين على ممارسة عمل فاغنر “الوحشي”
وتساءل أوليفانت رولاند في صحيفة “ديلي تلغراف” عن قدرة الكرملين على ممارسة عمل فاغنر الوحشي في إفريقيا. وقال فيه إن مقتل بريغوجين يعتبر ضربة قوية لآلة المرتزقة، إلا أن روسيا ستعثر على طرق للاستفادة من نشاطاتها في الخارج.
وظلت فاغنر على مدى عقد قاعدة انطلاق للسياسة الروسية الخارجية، وفّرت للكرملين آلية إنكار في الحروب بأوكرانيا والشرق الأوسط وإفريقيا وأصبحت ثرية في أثناء العملية. لكن مع وفاة زعيمها ومساعديه، ربما وصلت فاغنر نهاية الطريق. وقد يجد الكرملين صعوبة في استبدال في ماركة فاغنر التي تمزج بين القوة والتأثير في الشرق الأوسط وإفريقيا.
ومع أن بريغوجين لم ينشئ فاغنر بل دخل عليها كممول ومدير، وكان المسؤول عن نجاحها التجاري. وكانت الصلات مع الكرملين ومزايا بناء علاقات شخصية والتفاهمات الفاسدة هي التي حولت المجموعة من قوة قتالية مهلهلة في إقليم دونباس عام 2014 إلى إمبراطورية مرتزقة دولية.
ويقول مارك غيلوتي، الخبير في الخدمات السرية الروسية ومؤلف كتاب عن بريغوجين إنه “كانت لديه قدرات نادرة للحصول على ولاء مقاتليه وعقد صفقات مع النخبة الحاكمة”، وأضاف “لم يكن ليصل إلى هذه المرتبة بدون رعاية فلاديمير بوتين. ولكنه كان يحقق الكثير. وكان بطريقه فاعلا كرجل أعمال، وبخاصة في الأماكن التي كانت تعمل فيها فاغنر”.
وأضافت الصحيفة أن إمبراطورية فاغنر في الشرق الأوسط وإفريقيا تعاني مشكلات قبل مقتل بريغوجين ونائبه ديمتري أوتكين. وظل نجاح بريغوجين مرتبطا برعاية بوتين له، أولا عقود توفير وجبات الطعام لوزارة الدفاع، إلى جانب علاقات قوية مع المخابرات العسكرية الروسية والكرملين، حيث فتحت المجال أمام حصول المرتزقة على التدريب والأسلحة والمهام في سوريا وجمهورية إفريقيا الوسطى وليبيا. لكن الرعاية انتهت في اللحظة التي أمر فيها بريغوجين أوتكين بالزحف مع مقاتليه نحو موسكو قبل شهرين.
في عالم التجارة القاسي والعلاقة مع الحكومة، تعتبر العلاقات الشخصية مهمة، وخسارة ثقة بوتين أمر خطير.
وفي عالم التجارة القاسي والعلاقة مع الحكومة، تعتبر العلاقات الشخصية مهمة، وخسارة ثقة بوتين أمر خطير. وحوصر بعض مقاتلي فاغنر في سوريا الشهر الماضي وتعرضوا للتحقيق من أجل معرفة الخطر الذي يمثلونه على نظام بوتين. وذكرت وكالة أنباء رويترز في الشهر الماضي أن عددا من مقاتلي فاغنر أجبروا على توقيع عقود جديدة مع وزارة الدفاع أو الطرد من سوريا. وتقول الصحيفة إن عملية الملاحقة تقترح خوفا من بشار الأسد وبوتين من وجود مجموعة مضطربة داخل البلاد.
وقبل يوم من مقتل بريغوجين وصل نائب وزير الدفاع يونس بيك يفكوروف إلى ليبيا للقاء حفتر. وهي أول زيارة لوفد عسكري روسي لليبيا، بحسب بيان وزارة الدفاع الروسية، والهدف منها مناقىشة منظور التعاون لمكافحة الإرهاب الدولي والقضايا المشتركة الأخرى. وقال معهد دراسات الحرب في واشنطن إن الجيش الروسي بدأ في الآونة الأخيرة بإنشاء جماعات مرتزقة لاستبدال فاغنر في إفريقيا. وتم البحث عن قادة وجنود فاغنر للعمل في المجموعات الجديدة.
وربما كانت رحلة بريغوجين إلى القارة محاولة لمنع خطط الجيش الروسي والبحث عن مهمة جديدة لفاغنر، وذلك بحسب مسؤول مطلع تحدث إلى معهد دراسات الحرب. وزعم المصدر أن نائب مدير الاستخبارات العسكرية العقيد أندريه أفيريانوف قاد الجهود لمنع فاغنر من العمل في إفريقيا، وأن هناك خططا لتدريب عناصر من الجيش، نحو 20.000 جندي، لكي يحلوا محل فاغنر. وقال المصدر إن بريغوجين كان معارضا بالكامل لهذه الجهود وعمل جهده لمنعها. ويقال إن مجموعة ريداوت التابعة للمخابرات العسكرية قد تحل محل فاغنر في الخارج.
وتصادم مؤسسها الجنرال فلاديمير أليكسييف على ما يقال مع بريغوجين حول حصة في سوق المرتزقة. لكنه يفتقد مهارة بريغوجين في عقد الصفقات والعلاقات مع النخب المحلية. وتستطيع مجموعة كونكورد التابعة لبريغوجين تنظيم حملات دعائية على منصات التواصل الاجتماعي وتصويرهم كحكام شرعيين يقاتلون القاعدة وتنظيم الدولة، إلى جانب توفير “مستشارين” للمساعدة في الانتخابات. ويوفر البناء التجاري معمارا ليس لإدارة حقول النفط والمناجم ولكن لتهريبه وغسل العائدات منها وتوزيع المكافآت. ويقول غاليوتي “كانت رزمة كاملة من الخدمات مقدمة للمستبدين”.
إن فاغنر تحت القيادة الجديدة ستواصل عملها في حماية المصالح الروسية. والتكهنات بنهاية عملياتها في إفريقيا والشرق الأوسط، متعجلة”.
وبعبارة مختصرة، جعل الكرملين فاغنر أداة لا يستغنى عنها، لكنهم شلوها الآن. وربما واصلوا إدارتها بطريقة أو بأخرى، لكنها أصبحت بدون عناصرها الرئيسية، مثل أندريه تروشيف، الذي قيل إنه المدير التنفيذي لفاغنر وانشق ليصبح في ريداوت. وتقول فاندا فيلاب- براون من معهد بروكينغز إن فاغنر تحت القيادة الجديدة ستواصل عملها في حماية المصالح الروسية. و”التكهنات بنهاية عمليات فاغنر في إفريقيا والشرق الأوسط بعد التمرد الفاشل، متعجلة” و “على الأرجح أن تواصل فاغنر عملياتها في الشرق الأوسط وإفريقيا وستخدم عددا من المصالح للدولة الروسية ويمكن فصلها عن فاغنر أوكرانيا والعمليات الروسية”.